اعتقال ناشطين يفضحون الفساد بالمغرب ومخاوف من التداعيات.. ما القصة؟

“الوضع الحقوقي بالمغرب يشهد تراجعا خطيرا؛ حيث يتم استهداف النشطاء الحقوقيين والمناهضين للتطبيع
نقاش محتدم يدور في المغرب بين الأوساط الحقوقية بشأن الإجراءات القضائية التي استهدفت ناشطين ومدونين؛ حيث يرى ناشطون أن هذه الإجراءات تحمل "طابعا انتقاميا" ضد المنتقدين.
وآخر القضايا وأبرزها التي أثارت الجدل، متابعة أفراد من عائلة اليوتيوبر الشهير هشام جيراندو المقيم في كندا بتهم "التشهير والابتزاز"، بما في ذلك ابنة شقيقته ذات الـ13 ربيعا من عمرها.
اعتقال المدوّنين وذويهم
وشهد مارس/ آذار 2025 حالة غريبة بإصدار أحكام “مرفوضة” لناشطين حقوقيين، منهم الناشط الحقوقي، فؤاد عبد المومني، بـ6 أشهر حبسا نافذا بتهم بينها “نشر ادعاءات كاذبة ” في تدوينة على فيسبوك.
والتدوينة التي توبع بسببها جاءت تعليقا على زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرباط بعد طي صفحة خلافات حادة بين البلدين.
وتقاسم المومني منشورا ورد فيه أن "فرنسا التي ترى موقعها يتقهقر بين الدول، لا ترضى الرضوخ لابتزاز دولة هزيلة تستعمل كل أوراق الضغط المتاحة (...) وطبعا التجسس".
ورأت النيابة العامة أن هذا التعليق يتضمن "مزاعم تمس بمصالح المملكة وبعض هيئاتها تتجاوز حدود حرية التعبير، وتتضمن عناصر تأسيسية لجرائم معاقب عليها قانونا".
واعتقلت السلطات المغربية جميلة جراندو، شقيقة “اليوتيوبر" المعارض جيراندو، إلى جانب زوجها وابنها الشاب وشخص آخر؛ حيث جرى إيداعهم سجن “عكاشة” في مدينة الدار البيضاء.
وتقرر متابعة ابنتها القاصر البالغة من العمر 13 سنة، في حالة اعتقال وإيداعها “مركز حماية الطفولة” في الدار البيضاء.
ورأت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في بيان أن هذا الحكم يمثل "ضغطا على المدوّن بسبب كشفه لملفات فساد".
كما أثار الحكم الذي صدر ضد رئيس تنسيقية ضحايا زلزال الحوز سعيد آيت مهدي جدلا، بعد أن قررت محكمة الاستئناف بمدينة مراكش في 3 مارس رفع عقوبته إلى سنة حبسا نافذا بعدما كانت المحكمة الابتدائية قد قضت بثلاثة أشهر فقط.
ويرى حقوقيون أن محاكمته تحمل طابع الانتقام بسبب دفاعه المستمر عن حقوق المتضررين من الزلزال الذي ضرب منطقة الحوز في 8 سبتمبر/ أيلول 2023.
فيما قضت المحكمة الابتدائية بمدينة طنجة، في 11 مارس، بالحبس النافذ لمدة سنتين في حق المدون المناهض للتطبيع رضوان القسطيط، بتهم بينها التحريض على التمييز والكراهية”.
الناشط المعروف بنشاطاته الاحتجاجية في سياق “مناهضة التطبيع”، وشهدت محاكمته تنظيم وقفات احتجاجية متزامنة مع موعد الجلسات، رفع خلالها المحتجون شعارات تندد بتقييد حرية التعبير واستهداف المناهضين للتطبيع.
وبعد أن وصفت الحكم بـ"القاسي"، عبرت “الفيدرالية المغربية لحقوق الإنسان” عن استنكارها لقرار المحكمة الصادر بحق القسطيط وطالبت بإطلاق سراحه، ووصفته بـ"المناضل الحقوقي والمجتمعي المناصر للقضية الفلسطينية".
وقالت الهيئة الحقوقية في بيان: إنها تدعو “الجهات المعنية إلى تغليب صوت العقل والحكمة والابتعاد عن نهج سياسة الترهيب وكسر العظام تجاه أبناء الوطن الأوفياء والتي بدت في الآونة الأخيرة على شكل موجة اعتقالات طالت الصغير قبل الكبير”.
وقال الناشط الحسين مجدوبي متسائلا: "لماذا يتساهل القضاء مع الفاسدين ومنهم رؤساء البلديات ويتشدد مع ناشطين وفاضحي الفساد؟”
وأضاف في تدوينة عبر فيسبوك في 4 مارس، "مفارقة صارخة!".
ردة حقوقية
من جهته عبر الحزب الاشتراكي الموحد (معارض) عن استنكاره بما وصفه بـ”الردة الحقوقية” التي يشهدها المغرب، مشيرا إلى أن “تصاعد انتهاكات الحريات والحقوق، وقمع المعارضين، واستمرار المحاكمات السياسية، يعكس توجها مقلقا نحو التضييق على الأصوات الحرة”.
وأكد الحزب في بيان صادر عنه في 7 مارس، أن “الوضع الحقوقي يشهد تراجعا خطيرا؛ حيث يتم استهداف الناشطين السياسيين والحقوقيين والنقابيين، والمناهضين للتطبيع، والمدونين، والمشاركين في الاحتجاجات الاجتماعية، بل إن المتابعات القضائية لم يسلم منها حتى الأطفال”.
وذكر أن عددا من الناشطين تعرضوا لأحكام قضائية “بسبب مواقفهم”، من بينهم فؤاد عبد المومني، الناشط الحقوقي والباحث الاقتصادي، الذي يواجه محاكمة وصفها الحزب بأنها “ذات خلفيات سياسية”.
وأيضا رئيس تنسيقية ضحايا زلزال الحوز، آيت المهدي، الذي تم رفع عقوبته إلى سنة، في خطوة وصفها البيان بأنها “محاولة لإسكات المطالبين بالعدالة الاجتماعية”، إضافة إلى فئات أخرى من المجتمع.
وأكد الحزب أن هذه الممارسات تعكس “زواج السلطة بالمال، بحيث يتم استخدام النفوذ السياسي لحماية المصالح الاقتصادية الضيقة، على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين”.

وفي هذا السياق، استنكر الحزب اعتقال الطفلة القاصر “ملاك”، ويرى أن هذه الخطوة “تطرح تساؤلات خطيرة حول احترام المصلحة الفضلى للطفل”.
وأشار إلى أن هذا الإجراء “يحرمها من حقها الدستوري في التعليم، ويتعارض مع المواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب”.
ودعا الحزب إلى إيقاف المحاكمات التي تستهدف الصحفيين والمعبرين عن آرائهم.
كما شدد على رفضه “لجعل القضاء وسيلة لإخراس الأصوات المعارضة، وإعادة تشكيل القوانين بهدف معاقبة المعارضين بدلا من تحقيق العدالة”.
وأكد أن “الفساد والاستبداد أصبحا عائقا رئيسا أمام التنمية والديمقراطية في البلاد، مما يتطلب تفكيرا جماعيا في كيفية التصدي لهذه الظواهر التي تهدد مستقبل المغرب”.
من جانبه، دعا منتدى “الكرامة لحقوق الإنسان” إلى إغلاق مسلسل المحاكمات في الملفات ذات الطابع السياسي، وطي صفحة أليمة حقوقيا، لا سيما ملف من تبقى من معتقلي حراك الريف.
وسجل المنتدى في بيان له، عن متابعته بكل أسف التراجعات الحقوقية الأخيرة. وطالب بوقف المتابعات في حق كل المتابعين في هذه الملفات، وإسقاط التهم عنهم ووقف كل أشكال التضييق عليهم، وتطبيق القانون في حق محترفي التشهير بالصحفيين والحقوقيين والناشطين وغيرهم.
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري، رشيد لزرق، إن “الصفة الحقوقية أو غيرها لا تمنح حصانة ضد المتابعة القضائية”، مضيفا أن "المطلوب هو ضمان المحاكمة العادلة وسيادة القانون بشكل متساوٍ على الجميع".
وأضاف لزرق لموقع "الحرة" الأميركي، أن الحديث عن “توظيف القضاء لقمع الأصوات المنتقدة غير دقيق؛ لأن المغرب يلتزم بفصل السلطات ويضمن علنية المحاكمات”.
ورأى لزرق أن "بعض الأطراف تحاول التشويش على المسار الديمقراطي، بينما المطلوب هو محاكمات عادلة وفق المعايير المتعارف عليها دوليا".
تشديد القمع
وفي سياق متابعتها للشأن الداخلي للمغرب، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية: إن "الأصوات المعارضة في المغرب ضحية تشديد القمع".
ورأت في تقرير نشرته في 10 مارس أن “الرباط حاولت إخفاء قمع المعارضين السياسيين الأكثر شهرة وراء إجراءات قانونية تهدف إلى تشويه سمعتهم، واتهامهم بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي أو الاختلاس”.
ورأت أن “قمع الأصوات المعارضة اتخذ خطوة أخرى في المغرب، مع اعتقال أربعة أفراد من عائلة اليوتيوبر هشام جيراندو، مطلع مارس”.
وأضافت أن "هذا المغربي، المقيم في كندا، والذي ينشط بقوة على شبكات التواصل الاجتماعي، ولا يتوقف عن التنديد بالفساد الذي تتهم به شخصيات عامة ومسؤولون كبار في المملكة.
ونقلت “لوموند” عن نائب رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب، عياد أهرام، قوله "إننا نشهد بوضوح تشديد القمع، والمنطق السائد في كل هذه القضايا هو نفسه: إسكات الأصوات المنتقدة للنظام".
المؤرخ المعطي منجب، الذي حُكم عليه بالسجن لمدة عام في 2021 بتهمة “الاعتداء على أمن الدولة”، قال للصحيفة الفرنسية: إن “النظام يخاف من حرية التعبير، وفي السياق الصعب الذي يمر به المغرب، يجب على الشعب أن يصمت”.
ويرى منجب أن "المناخ يبدو مظلما بعد انتخابات 2021، التي حسمت فوز الأحزاب القريبة من القصر واختفاء مجموعات المعارضة القوية من المشهد السياسي.

بدوره، قال الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان: إن المغرب يحدق به خطر المس بالمكتسبات الحقوقية، منددا بما وصفه بالتغول الأمني، الذي يسعى إلى تكميم أفواه المعارضين من سياسيين وحقوقيين وصحفيين وماهضين للتطبيع.
ورأى الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، في بيان له، أن الانتهاكات الحقوقية محاولة لمصادرة النضال، الذي يتصدى سلميا، للمساس بالحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية، مستنكرا توظيف وسائل إعلام للتشهير بالمعارضين والمنتقدين.
وسجل الائتلاف الحقوقي تزايد المخاطر التي تحدق بالحقوق والحريات، “وهو ما أصبحت معه المكتسبات الجزئية التي راكمها الشعب المغربي وقواه الحية بتضحيات جسيمة على امتداد عقود من النضال، مهددة”.
وأشار إلى أن ذلك يمكن ملاحظته من خلال عدة انتهاكات “تمس حقوق المواطنة والحريات الأساسية”، من بينها “استعمال القضاء للتخويف، وقمع أصوات النقد، واستهداف حرية التعبير والتواصل الرقمي”.
كما طالب الائتلاف، بالعمل على توسيع فضاء الحريات، مثل حريات الرأي والتعبير والإعلام، والتنظيم والتجمع والتظاهر السلمي والتنقل، المنصوص عليها في العهود والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، المصادق عليها من طرف المغرب.