المغرب يعزز تعاونه العسكري مع مالي.. ما علاقة الوساطة الجزائرية؟

"العلاقات المالية الجزائرية تشهد توترا غير مسبوق"
طرح انعقاد الاجتماع الأول للجنة العسكرية المشتركة بين مالي والمغرب تأويلات متعددة، خاصة على مستوى الأبعاد العملية لهذا التعاون العسكري، أو خلفياته الدبلوماسية.
الاجتماع الذي عقد يوم 17 فبراير/شباط 2025، انطلق بعد استقبال وزارة الدفاع في مالي وفدا من القوات المسلحة المغربية برئاسة اللواء عبد الغني موحيب، وامتد على مدى ثلاثة أيام.
وذكرت "وكالة أنباء إفريقيا" (apanews)، في 17 فبراير، أنه جرى عقد لقاءات بين الجانبين بحضور الجنرال محمدو مساولي سماكي، المستشار الإستراتيجي بهيئة الأركان العامة للجيش المالي، حيث ناقش المجتمعون سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مجالات عديدة؛ بما في ذلك التدريب والتجهيز.
وعبّر اللواء عبد الغني محيب عن امتنانه للسلطات العليا في كلا البلدين على حرصها على تعزيز الشراكة العسكرية، مؤكدا أن المغرب ومالي تربطهما علاقات تعاون قوية منذ سنوات طويلة في مجالات عديدة، مجددا في الوقت ذاته التزام الرباط بدعم دول منطقة الساحل في مواجهة التحديات التي تمر بها.

مصالح متبادلة
وتفاعلا مع الزيارة، قال الباحث المغربي في الشؤون الإستراتيجية هشام معتضد، إن "تعزيز التعاون العسكري بين المغرب ومالي في الظروف الحالية يعكس رؤية إستراتيجية عميقة للمصالح المتبادلة بين البلدين، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في منطقة الساحل".
وأضاف لـ"الاستقلال" أن "استضافة باماكو لأول اجتماع للجنة العسكرية المشتركة مع المغرب تؤكد رغبتها في تنويع شراكاتها الدفاعية، في وقت تواجه فيه عزلة متزايدة بسبب تعقيدات علاقاتها الإقليمية والدولية".
وذكر الباحث أن "مالي تسعى من خلال هذا التقارب إلى إعادة التموضع إقليميا، خاصة أن المغرب يتمتع بعلاقات دبلوماسية قوية مع القوى الكبرى ومع الاتحاد الإفريقي".
واسترسل: "وهو ما يجعل الرباط شريكا موثوقا قادرا على توفير دعم غير مشروط يساعد باماكو في تجاوز عزلتها وتطوير منظومتها الدفاعية".
وأبرز معتضد أن "هذا التعاون لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يحمل أيضا أبعادا دبلوماسية مهمة؛ حيث يوفر لمالي قناة تواصل غير مباشرة مع المجتمع الدولي عبر بوابة المغرب".
وأشار إلى أن "تعميق الشراكة العسكرية مع مالي ينسجم مع إستراتيجية المغرب لتعزيز نفوذه في منطقة الساحل، التي تشكل امتدادا طبيعيا لمجاله الجيوسياسي".
ولفت إلى أن "أهمية هذا التقارب تكمن في كونه يسهم في تعزيز الدور المغربي كبديل إستراتيجي موثوق للشركاء الإقليميين الباحثين عن شراكات عسكرية متوازنة، بعيدا عن النفوذ الأحادي للقوى الكبرى".
وبالتالي، يقول الباحث الاستراتيجي: "فإن توطيد هذه العلاقة قد يسمح للمغرب بإعادة رسم معادلات التعاون العسكري في غرب إفريقيا، بما يخدم مصالحه طويلة الأمد".
وبحسب معتضد، "يمتلك المغرب خبرة متقدمة في مكافحة الإرهاب والتطرف، ويمكنه أن يسهم في تعزيز قدرات الجيش المالي عبر برامج التدريب وتبادل المعلومات الأمنية".
لافتا إلى أن "هذا المعطى قد يشكل عاملا أساسيا في تقوية الاستقرار الإقليمي، خاصة مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل".
لذلك، يردف: "أعتقد أن هذه الشراكة العسكرية لا تهدف فقط إلى تعزيز القدرات الدفاعية لمالي، بل تسهم أيضا في تحصين المنطقة ككل ضد المخاطر الأمنية المتنامية".
وخلص إلى أن "هذا التعاون يكرس سياسة المغرب الرامية إلى بناء شراكات إفريقية قوية تتجاوز الجوانب الاقتصادية إلى مجالات أكثر عمقا، مثل الأمن والدفاع. وبالنظر إلى الوضع الحالي في مالي، فإن تعزيز هذا التقارب يمنح الرباط نفوذا أكبر في إدارة الملفات الأمنية بالقارة؛ ما يعزز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة".

تهديدات أمنية
من جانبه، قال الخبير المغربي في الشؤون العسكرية عبد الرحمن مكاوي، إن "انعقاد الاجتماع الأول للجنة العسكرية المشتركة بين المغرب ومالي وزيارة الوفد العسكري المغربي برئاسة اللواء عبد الغني محيب إلى مالي يأتيان في ظل حالة اللاأمن والتهديدات التي تواجه الدولة المالية".
وأشار مكاوي إلى ما عدها "تهديدات من لدن التنظيمات المسلحة النشطة في المنطقة، على غرار جماعة نصر الإسلام والمسلمين المقربة من الجزائر، وكتيبة ماسينا التي تنشط في الشريط الجغرافي لمنطقة الساحل الإفريقي"، وفق تعبيره.
وأضاف لموقع “هسبريس” المحلي في 19 فبراير، أن "هذه التحديات تفرض على السلطات المالية تعزيز وتقوية علاقات التعاون العسكري مع الدول المؤثرة والقوية أمنيا، على غرار المغرب".
وأشار إلى أن "القوات المسلحة المالية تحتاج، على ضوء الوضع الأمني المعقد في المنطقة، إلى تدريبات وتكوينات لعناصرها، خاصة قوات الكوماندوز؛ وبالتالي يمكنها الاستفادة من تجربة الجيش المغربي في هذا الصدد".
وأوضح أن "التعاون العسكري المغربي – المالي يشكل أحد المفاتيح المهمة بالنسبة للسلطات في باماكو من أجل استتباب الأمن والتغلب على مختلف التحديات التي تواجهها من طرف الجماعات والتنظيمات المسلحة، التي باتت تتوفر على إمكانيات وأسلحة مهمة".
ورأى في الوقت ذاته أن "المغرب معني هو الآخر بهذه التحديات والتهديدات التي تمولها بعض الفواعل الإقليميين، من أجل إجهاض المبادرة الأطلسية التي أطلقتها المملكة لفائدة دول الساحل".
وأعلن المغرب في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 عن مبادرة لمساعدة بلدان الساحل على الدخول إلى المحيط الأطلسي، مع التركيز على مالي وتشاد والنيجر وبوركينافاسو.
ويسعى المغرب من خلال المبادرة الأطلسية إلى تعظيم دوره بمنطقة الساحل والصحراء خاصة بعدما تضاءلت فرص انضمامه للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS)، حيث حاول استغلال التفكك التدريجي للمجموعة، بعد انسحاب بوركينافاسو والنيجر ومالي، في تشكيل تكتل إقليمي بديل يضم 85 مليون نسمة.
وشدد مكاوي على أن "التعاون العسكري بين المغرب ومالي أصبح ضرورة إستراتيجية للقطع مع حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل المشتعلة أمنيا، وفتح باب الاستثمار والتنمية في هذه المنطقة".
وأكد أن "انخراط المغرب في بناء علاقات عسكرية مع مالي يعكس التزام الرباط بأمن واستقرار هذا البلد".
كما رأى أن "المغرب، بالإضافة إلى استعداده لمواكبة إعادة هيكلة الجيش المالي وتدريب ضباطه، فإنه مستعد أيضا للمساهمة في حل ملف أزواد، خاصة أن الكثير من القبائل الطوارقية لها جذور مغربية، ويحظى المغرب بمكانة خاصة لديها".
ونبه إلى أن "هذا ما يثير مخاوف بعض الدول، وعلى رأسها الجزائر، التي سحبت السلطات المالية مفاتيح هذا الملف من تحتها".
ونددت مالي في يناير/كانون ثاني 2025، بـ "استمرار تدخل" الجزائر المجاورة في شطرها الشمالي الذي يشهد تمردا للطوارق، متهمة إياها بدعم "مجموعات مسلحة" في هذه المنطقة.
وقالت وزارة الخارجية المالية: إنها سبق أن دانت "قرب الجزائر وتواطؤها مع المجموعات المسلحة التي تزعزع استقرار مالي"، منددة "بشدة بهذا التدخل الجديد للجزائر في الشؤون الداخلية لمالي".
وفي هذا الصدد، أكد موقع "الصحيفة"، أن العلاقات المالية الجزائرية تشهد توترا غير مسبوق؛ حيث تتهم باماكو الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية.
ورأى في مقال بتاريخ 18 فبراير، أن هذا ما يجعل مالي اليوم تتجه إلى الرباط بحثا عن الدعم والتعاون في المجال العسكري، من أجل أن تكون القيادة الجديدة قادرة على فرض الاستقرار في البلاد.
وذكر أن مراقبين يرون أن مالي تعول على الدعم المغربي في تكوين وتجهيز قواتها المسلحة، خاصة في ظل الخبرة التي راكمتها المملكة في مجال التدريب العسكري والتصنيع الدفاعي، ما يجعل التعاون بين البلدين ركيزة أساسية لإستراتيجية مالي الدفاعية.
ونبه إلى أن هذا التعاون الثنائي في المجال العسكري بين البلدين، يأتي تزامنا مع تقارب كبير يحدث بين الرباط وباماكو في الفترة الأخيرة، خاصة بعد صعود قيادة جديدة في مالي ورغبتها في تثبيت أركانها في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها البلاد خاصة في منطقة الشمال التي تنشط فيها جماعات انفصالية تدعمها الجزائر.
صناعة مشتركة
وتفاعلا مع انعقاد الاجتماع الأول، قال الإعلامي المغربي عبد الرزاق بوسعيد، إن باماكو والرباط تعملان على رسم الطريق إلى مستقبل آمن، خاصة مع التأسيس الوشيك لصناعة عسكرية مالية تهدف إلى تعزيز معدات قواتها.
وذكر بوسعيد في مقال لموقع "le7tv"، 18 فبراير 2025، أن النظام الجزائري، وبدلا من الاستثمار في المشاريع التي تجلب الأمل والاستقرار إلى المنطقة بأكملها، اختار أن يصب كراهيته على جيرانها، ويحاول تشويه المبادرات المشروعة، متجاهلا الاحتياجات الحقيقية لسكان منطقة الساحل.
وشدد الكاتب على أن الجزائر مدعوة للعمل على تحقيق السلام في الإقليم، وعدم تسميم العلاقات بالمنطقة.
وضرب بوسعيد المثل باتحاد مالي والمغرب ودول أخرى في منطقة الساحل وغرب إفريقيا لبناء نظام للدفاع المتبادل والتنمية.
ورأى أن التعاون العسكري بين باماكو والرباط، الذي تعززه هذا الاجتماع الأول للجنة المشتركة، يجسد الحداثة والوضوح وروح الفريق اللازمة لمواجهة التحديات الأمنية في منطقة الساحل.
وعلى العكس من ذلك، يقول الكاتب، "فإن الجزائر، من خلال إصرارها على مناورات التضليل ورفضها مساءلة نفسها، تكشف ليس فقط عن تراجعها، بل وأيضا عن فشلها في المساهمة في مستقبل سلمي وبناء للمنطقة بأكملها".
فيما يرى مامادو نينتاو، المحاضر والباحث في جامعة العلوم القانونية والسياسية في باماكو وأستاذ في مدرسة الحرب في مالي، "الهدف هو تعزيز القدرات العملياتية للقوات المالية من خلال تبادل المعرفة التقنية والإستراتيجية".
ويشدد نينتاو لمجلة "تيل كيل" فرنسي، 20 فبراير 2025، على أن التقارب مع المغرب لا يحمل رسالة تجاه الجزائر، رغم أنه قد يُنظر إليه من قبل حكومة عبد المجيد تبون على أنه "رد وتهديد في نفس الوقت"، على حد تعبيره.
وعلى العكس من ذلك، وفقا للأستاذ الجامعي، فإن الأمر يتعلق أكثر بباماكو "بتنويع شراكاتها الإستراتيجية، في سياق تواجه فيه مالي تحديات أمنية مستمرة".
وفي هذا السياق، أوضح أن "انخراط المغرب في التدريب والتجهيز العسكري للقوات المالية يعكس الرغبة في بناء شراكة دائمة، مبنية على تعاون ملموس ومساعدة تتكيف مع الحقائق على الأرض".
واسترسل، بالإضافة إلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية المغربي الذي يروق لباماكو، فإن هذا التعاون يفيد مالي في تنويع الشركاء، خاصة أن دعم المملكة، المعترف بخبرتها العسكرية وسياستها في التعاون الإفريقي، يشكل رافعة مهمة للقوات المسلحة المالية.
إستراتيجية اقتصادية
وسبق أن أكد الباحث عبد الرفيع زعنون، أن المغرب يراهن على الاستجابة للتحديات الأمنية المشتركة بالمنطقة، بما فيها مالي، عبر المساعدة في محاصرة شبكات الإرهاب العابرة للحدود وتيارات الهجرة غير النظامية.
وأوضح زعنون في مقال نشره مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في أكتوبر/تشرين أول 2024، أن الرباط "توظف في ذلك بعض الأدوات الناعمة لتجذير نفوذه الأمني بالمنطقة كبرامج تدريب قوى الأمن والجيش، ومشاريع تكوين الأئمة والمرشدين ودعم الطرق والزوايا الصوفية التي تُعد طرفا مؤثرا في القرار السياسي والاقتصادي بالمنطقة".
واسترسل: "إلى جانب مشاريع التعاون لمواجهة تحديات الأمن والتنمية، التي تعطي الأولوية للاستثمار أكثر في ميادين التنمية الزراعية والصناعات الغذائية والدوائية".
وارتباطا بذلك، يقول الباحث، "يسعى المغرب إلى تعظيم شراكته الاقتصادية بدول المنطقة، التي يتعامل معها كجسر للعبور إلى باقي الدول الإفريقية في ضوء المكاسب المحققة، حيث ارتفعت صادراته نحو إفريقيا من 300 مليون دولار إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار بين 2004 و2024، بينما زادت عائدات الشركات المغربية المستثمرة بالدول الإفريقية عن 2.5 مليار دولار".
ونبه زعنون إلى أن "جزءا كبيرا من هذه الاستثمارات يقع ببلدان الساحل والصحراء، خاصة مالي التي تعد الوجهة الثالثة للاستثمارات المغربية بإفريقيا".
وخلص إلى أن "المغرب يهدف إلى ترصيد ريادته كمستثمر أول بالمنطقة في مجالات حيوية كالاتصالات وصناعة الإسمنت والقطاعات البنكية والخدماتية، مع توسيع استثماراته لتشمل ميادين ذات أولوية كالطاقات المتجددة والتنقيب عن المعادن والغاز الطبيعي وتحديث البنيات التحتية واللوجستيكية".
المصادر
- Mali-Maroc : coopération militaire renforcée
- التهديدات في الساحل الإفريقي تقوي التعاون العسكري بين المغرب ومالي
- وفد عسكري مغربي يحل بباماكو.. مالي تُعول على المغرب لتكوين وتجهيز قواتها العسكرية لمواجهة التحديات الأمنية في منطقة الساحل
- Le Maroc et le Mali scellent leur Coopération Militaire totale, à travers une Commission Militaire Mixte, une première.
- defense: dans un contexte de brouille avec lalgerie le mali renforce ses liens avec le maroc