عبر جنوب إفريقيا.. ملامح معركة تكسير العظام بين ترامب و"بريكس"

منذ شهر واحد

12

طباعة

مشاركة

دأب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مهاجمة تحالف “بريكس” خلال حملته الانتخابية وبعد توليه الرئاسة، وتهديده بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 بالمئة على دول البريكس في حال تخليها عن الدولار في المعاملات التجارية بينهم.

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 8 فبراير، إيقاف كل المساعدات الأميركية لجنوب إفريقيا، قائلا: "لا يمكن أن ندعم حكومة جنوب إفريقيا عندما تقوّض سياستنا الخارجية".

في إشارة إلى الدور الكبير الذي تلعبه جنوب إفريقيا في محاكمة إسرائيل على إبادتها الجماعية في غزة، فضلا عن دورها في تكتل "بريكس".

في السياق، تقول صحيفة "إزفيستيا" الروسية، إن إجراءات ترامب ضد جنوب إفريقيا، تمثّل في جوهرها رسالة تحذيرية لدول البريكس.

تهديدات متأخرة 

استعرضت الصحيفة في مستهل تقريرها، تهديدات ترامب ضد دول البريكس؛ حيث شدد في أكثر من مناسبة على أن البحث عن عملة بديلة لتسوية المعاملات المتبادلة داخل إطار بريكس "أمر غير مقبول".

وبعد انتخابه، هدد ترامب بعزل دول التجمع عن "الاقتصاد الأميركي الرائع" في حال استبدال الدولار في التعاملات الدولية.

وترى الصحيفة أن "تهديدات ترامب تبدو، من وجهة نظر معينة، متأخرة بعض الشيء؛ حيث بلغت نسبة التسويات المتبادلة بالدولار العام الماضي نحو 29 بالمئة فقط".

وأضافت: "إلا أن ما يهم في سياسة الإدارة الرئاسية الحالية ليس التصريحات العلنية، وإنما الدول والمنظمات التي تُوجَّه إليها هذه الادعاءات".

وتابعت: "فخلف الخطابات النارية الموجهة إلى بعض الدول والمؤسسات الدولية، تكمن مصالح حقيقية وإستراتيجية كبرى".

تحالف شبكي لا هرمي

وتحدث التقرير عن سببين جوهريين يزعجان ترامب من تحالف البريكس؛ فأولا، يظهر وجود تسويات بديلة في البريكس بوضوح أن استخدام الدولار لم يعد طوعيا، بل تحول من كونه معادلا نقديا مريحا إلى عبء سياسي.

بعبارة أخرى، تُبرز التسويات البديلة داخل بريكس أزمة في قيادة الولايات المتحدة لسوق العملات، ولا يحب ترامب، شأنه شأن كثيرين في واشنطن، التذكير المستمر بالاتجاهات السلبية في الوضع الدولي لـ"منارة الحرية"، بحسب الصحيفة.

ثانيا، يتوسع بريكس ويجذب إلى صفوفه دولا كانت لسنوات طويلة حليفة وشريكة مخلصة للولايات المتحدة، ومن بينها مصر والإمارات وإثيوبيا، وهي دول ذات وزن مؤثر في مناطقها.

ومع ظهور وضع (الدولة الشريكة) في بريكس عام 2024، يمكن الحديث عن تشكيل تحالف شبكي يضم دولا من مختلف مناطق العالم، وبمستويات مختلفة من المشاركة في بريكس، لكنها تتشارك في الرغبة في التعاون الطوعي والمربح.

ويختلف التعاون الشبكي الناشئ بسرعات متفاوتة جذريا عن الاتفاقيات ذات الطابع الهرمي؛ حيث تحدد الولايات المتحدة لحلفائها ليس فقط التوجهات السياسية، بل أيضا حجم المساهمات المالية المطلوبة للمشاركة.

علاوة على ذلك، فإن التعامل مع مثل هذه الهياكل الشبكية يكون أكثر صعوبة، نظرا لغياب مركز واضح لصنع القرار أولا.

وثانيا، لغياب شبكة علاقات موحدة بين الأعضاء، وكذلك عدم وجود مرجعيات أيديولوجية مشتركة، وذلك لقيام التعاون على أسس براغماتية بحتة.

بناء على ذلك، لم تتمكن إدارة ترامب، على المدى المتوسط، من بلورة إستراتيجية واضحة لمواجهة بريكس، سواء على مستوى الأيديولوجيا، أو في مجالات التعاون المحددة.

أو حتى في تحديد الخصم الرئيس الذي ينبغي التركيز عليه، سواء كان الصين أو إيران أو روسيا أو أي دولة أخرى.

عش الدبابير

"ولمواجهة دول البريكس، لجأت الإدارة الأميركية الحالية إلى إستراتيجية كلاسيكية تتمثل في (إثارة عش الدبابير)"، حسب الصحيفة.

وقدّرت أن "الهدف من وراء هذه الضربة إثارة القلق بين أعضاء مجموعة البريكس، ولكن دون توحيدهم في مواجهة تهديد مشترك".

وتمثل الإجراء الأميركي ضد جنوب إفريقيا في توقيع ترامب، في فبراير/ شباط 2025، مرسوما يقضي بتعليق المساعدات إليها، بحجة أن سلطات بريتوريا تمارس التمييز ضد السكان البيض.

وقد سبق أن أقرت جنوب إفريقيا، في يناير/ كانون الثاني 2025، قانونا يسمح في بعض الحالات بمصادرة الأراضي الخاصة لاستخدامها في المصلحة العامة دون تعويض.

وفي 5 فبراير/ شباط 2025، أجرى الرئيس سيريل رامافوزا مكالمة مع الملياردير إيلون ماسك، المقرب من ترامب.

ووفق التقرير، فقد "قدم له على ما يبدو، الإيضاحات اللازمة بشأن هذا القانون، لكن ذلك لم يثنِ السلطات الأميركية عن المضي قدما في قرارها".

وربط التقرير بين تلك الإجراءات ونمو دول البريكس، فقال: "السردية الرسمية حول اضطهاد المزارعين البيض في جنوب إفريقيا، والاهتمام المفاجئ من واشنطن بمصالحهم؛ لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن حقيقة أن جنوب إفريقيا تعد أحد أبرز الداعمين لتوسيع بريكس".

وأشار إلى أن "قادة جنوب إفريقيا في وقت سابق، كانوا من بين المبادرين الرئيسين لإنشاء الاتحاد الإفريقي، كما لعبوا دور الوسطاء في حل العديد من النزاعات في القارة".

وأضاف: "ورغم أن جنوب إفريقيا تفقد تدريجيا مكانتها الاقتصادية والعسكرية لصالح دول إفريقية أخرى، مثل مصر ونيجيريا، إلا أنها لا تزال مركزا فكريا للقارة، ومختبرا للأفكار الجديدة حول التعاون الإفريقي".

في هذا الإطار، أوضح التقرير أن "الأشياء القليلة التي توحّد عادة الهياكل الشبكية بين الدول، هي الأفكار المشتركة حول المستقبل، والاقتناع بأن المشاركة في هذه الشبكة تعود بالفائدة".

وتابع: "فضلا عن إمكانية حصول كل عضو على دور متخصص داخلها، مثل أن يكون (المسؤول عن الثقافة) أو (المسؤول عن حفظ السلام)".

"ومن هذا المنظور، يصعب التقليل من أهمية دور بريتوريا ودبلوماسيتها في هذه الديناميكية"، وفق الصحيفة.

ومن خلال تصعيد التوتر في علاقاتها مع جنوب إفريقيا، ترى الصحيفة أن إدارة ترامب تسعى إلى توجيه رسالة لجميع أعضاء بريكس مفادها أن “المستقبل بدون الولايات المتحدة أمر مستحيل”.

وأن تحقيق المكاسب الاقتصادية سيظل مرتبطا، ولو جزئيا، بالدولار، كما أن أكثر الدول حماسا لتوسيع بريكس قد تكون الأكثر عرضة للمشكلات والعقوبات، تختم الصحيفة.