3 سيناريوهات.. ماذا وراء "مناورة" ترامب والسيسي بشأن تهجير فلسطينيي غزة؟

"تعمد أميركا وإسرائيل لعرقلة إعادة إعمار غزة لتعزيز حالة الإحباط واليأس بين الفلسطينيين"
رغم الرفض المصري الرسمي، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجديد تصريحاته الداعية إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ومشددا على أن "مصر ستنفذ ما يطلبه".
وفي 28 يناير/ كانون الثاني 2025 نفت وسائل إعلام مصرية نقلا عن مصدر مصري مسؤول رفيع المستوى، ما تناولته وسائل إعلام أميركية بخصوص إجراء اتصال هاتفي بين ترامب ورئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي اتفقا فيه بخصوص استقبال فلسطينيي قطاع غزة.
وتفاعلا مع هذه التطورات، كشفت مصادر مصرية مطلعة لـ"الاستقلال" أن هناك 3 سيناريوهات لقصة المناورة الكلامية والخلافات التي دارت أخيرا بين ترامب ورئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي بشأن تهجير فلسطينيي غزة.

السيناريو الأول
ويتمثل السيناريو الأول في أن ترامب اتصل بالفعل بالسيسي وهو ما نفته الخارجية المصرية لا الرئاسة، وطلب منه المشاركة في استضافة آلاف الفلسطينيين بحجة تعمير غزة ثم إعادتهم أو بقائهم عقب التعمير.
لكن السيسي أبلغه أنه لا يمكن أن يفعل ذلك لأسباب تتعلق باحتمال ثورة الشعب المصري عليه، ورفض الجيش المصري ذلك، واتفقا على عدم إعلان الاتصال رسميا سواء عبر البيت الأبيض أو الرئاسة المصرية.
ووفق المصادر تم ترتيب عدم الإعلان الرسمي من الطرفين عبر البيت الأبيض أو الرئاسة، لعدم إحراج الطرفين، لأن رفض السيسي يشكل إحراجا لترامب الذي بنى صورة أنه رئيس قوي ينزل الجميع على رغبته، كما يشكل إحراجا للسيسي أمام المصريين.
المصادر، أوضحت أن هذا ظهر في تصريحات السيسي، التي قال فيها: إن مصر لن تشارك في تهجير فلسطينيي غزة "لأن الشعب سيخرج للشارع احتجاجا على ذلك".
"وهو ما يهدد النظام الذي يدرك أن أي خروج غير مسيطر عليه في الشارع هذه الفترة يمكن أن يتطور لثورة على غرار يناير 2011 بسبب حالة الغليان في الشارع بسبب الغلاء والقمع".
وقال السيسي خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الكيني وليام روتو، في القاهرة في 29 يناير 2025: "الشعب المصري لو طلبت منه هذا الأمر (تهجير الفلسطينيين) هيخرج كله في الشارع المصري يقولي لأ، لا تشارك في ظلم"، وهي رسالة إلى الرئيس الأميركي ترامب.
أيضا قال السيسي: إنه "لا يمكن التساهل أو السماح بتهجير الفلسطينيين نظرا لتأثيره على الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي"، ما يشير لرفض الجيش طلب ترامب وضغطه على السيسي.
السيناريو الثاني
أما السيناريو الثاني، بحسب المصادر المطلعة، فهو قيام ترامب بنقل ما قاله السيسي له، ولكن ليس يوم 26 يناير 2025، الذي قال إنه سيتكلم مع السيسي فيه، وإنما في تاريخ آخر.
ربما خلال تهنئة السيسي له بالفوز بالرئاسة في نوفمبر 2024، أو قبل أو بعد ذلك، ولكنه قال ذلك بعدما أكد أنه سيتصل بالسيسي، دون تحديد "متى"؟
لكن حديث ترامب الذي نقلت وسائل الإعلام الأميركية عن اتصاله بالسيسي، ظهر كأن السيسي أبلغه بذلك في هذا اليوم (26 يناير).
لذا نفته الخارجية المصرية، في بيان، كما نفاه "مصدر مسؤول رفيع المستوى"، لقناة "القاهرة الإخبارية" الرسمية التابعة لشركة المخابرات المصرية (المتحدة) يوم 28 يناير 2025، مؤكدا أنه "لا صحة لإجراء اتصال هاتفي بين الرئيسين المصري والأميركي".
وأشارت المصادر إلى أن مراجعة تصريحات ترامب بدقة تشير لذلك، فهو لم يحدد موعدا أو تاريخا لهذه المكالمة أو الحديث.
ولكنه قال: إن السيسي "وعده" بأنه "سيستقبل بعضا من الفلسطينيين عنده في مصر في إطار السعي للسلام في المنطقة"، وهي عبارة عامة.
وقد أكد هذا الصحفي المقيم في واشنطن "عبد الرحمن يوسف" مؤكدا أن "كليهما صدق فيما قاله إلا أن كليهما اتفق ضمنيا أن يتلاعب بالقول لإخفاء الفعل".
ورجح أن تكون المكالمة حدثت لكن من الصعب أن يُغامر ترامب ويكذب دبلوماسيا في موقف كهذا فلجأ للمناورة والتلاعب، بعدما أرسل السيسي رسائل غير مرحبة بالمكالمة، لذا لجأ لهذه المناورة الكلامية.
قال يوسف: إن ترامب ليس أحمق كي يكذب كذبة دبلوماسية كبرى تتعلق بدولة حليفة ذات ثقل في منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط، وهو الذي بنى خطابه على نفاذية ومصداقية تحقيق الوعود، لذا لم يحدد موعدا أو تاريخا لهذه المكالمة.
ورجح أن يكون ما قاله ترامب نسبه للسيسي، حينما كان الحديث يدور عن صفقة القرن خلال زيارته البيت الأبيض أو الأمم المتحدة في فترة ترامب الأولى (2017-2021).
ويشير "يوسف"، عبر حسابه على فيسبوك، إلى أن "ترامب والسيسي، عُرف عنهما الكذب السياسي وتغيير الكلام، كأكثر من غيرهم من الزعماء السياسيين".
من جانبه، أشار الصحفي المقيم في واشنطن أيضا "محمد البديوي" إلى احتمالات كذب ترامب بشأن موعد حديثه مع السيسي، مؤكدا أن البيت الأبيض لا ينشر بيانات لكل مكالمات ترامب مع الزعماء الأجانب.
وهو ما لوحظ بالفعل في مكالمته التي قال إنه أجراها مع السيسي ولا يُعرف حقيقتها، حيث لم ينشرها البيت الابيض عكس نشره المكالمة مع ملك الأردن عبد الله الثاني بخصوص التهجير.
أكد البديوي أن ترامب تجاهل نشر مكالمات مع زعماء أجانب في فترته الرئاسية الأولى، كما حدث خلال لقائه الرئيس الروسي بوتين على العشاء، في 7 يوليو/ تموز 2017.
وأشار إلى أن صحيفة "واشنطن بوست" ذكرت أن ترامب كان يعطي الزعماء الأجانب رقم هاتفه المحمول منذ بداية رئاسته، ما تسبب في ارتباك بين المساعدين حول موعد المكالمات.
وكان ترامب، كشف للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، أنه تحدث مع السيسي بخصوص نقل بعض فلسطينيي غزة إلى مصر، وأنه "يتمنى ويعتقد أنه وملك الأردن (عبد الله الثاني) سيقبلان بنقل بعض فلسطينيي غزة إلى بلديهما".
ووصف ترامب السيسي بأنه صديقه، وقال: "هو صديق لي وأنا متأكد من أنه سيساعدنا، لقد قدمنا لهم الكثير من المساعدة ومتأكد من أنه سيساعدنا أيضا".
السيناريو الثالث
وترجح المصادر لـ"الاستقلال" سيناريو ثالثا لمكالمة ترامب والسيسي، هو أن تصريح ترامب عن وعد السيسي له – أيا كان تاريخه- أحرج السيسي بشدة بعدما جاءته تقارير استخبارية وعسكرية عن رفض الشعب والجيش ذلك.
ومن ثم فاحتمال الكشف عن المحادثة، أو موافقته على طلب ترامب، قد تثير حالة غضب وربما ثورة في الشارع المصري، وقد تؤدي لتضحية الجيش به لو حدث ذلك.
"لذا اضطرت الخارجية – لا الرئاسة – لنفي وجود اتصال أصلا بين السيسي وترامب، دون نفي ما قاله ترامب عن موافقة السيسي علي الترحيل".
ثم نفي السيسي بنفسه قبوله فكرة الترحيل، دون أن يشير بدوره لاتصال ترامب به أم لا! بهدف عدم توتير العلاقات مع ترامب وتضرر علاقات البلدين.
أي أن المكالمة تمت، بعيدا عن فريق ترامب، ولكن حدث خلاف حول مسألة التهجير، فتم الاتفاق على عدم نشر شيء رسمي عنها.
وقد أكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 29 يناير 2025، نقلا عن "مصادر رفيعة" أن مسؤولين في الأردن ومصر حذروا من أن "أي موافقة على نقل الفلسطينيين قد تهدد استقرار الدولتين، وتثير غضبا شعبيا واسعا".
وشددوا على أن أفكار ترامب هذه تواجه مقاومة شديدة من الدول العربية والفلسطينيين، الذين يعدونها محاولة لتغيير ديمغرافي وتطهير عرقي.
تعطيل الإعمار
وتؤكد المصادر المصرية أن هناك اتفاقا بين ترامب والسيسي حول الأهداف العامة، وهي إنهاء مشكلة غزة، وفلسطين عموما، عبر التهجير.
حيث يركز ترامب على حل جذري بترحيل الفلسطينيين وفق "صفقة القرن" التي سبق أن تعهد السيسي له خلال فترته الرئاسية الأولى أنه سيكون معه فيها، بحيث يتم نقل فلسطينيين لأي مكان سواء مصر والأردن أو دول إسلامية أخرى كما قال.
بينما هدف السيسي – الذي يوافق عليه ترامب – هو إضعاف المقاومة الفلسطينية المسلحة، وإبعادها عن حكم غزة، بسبب الخشية من المكون الفكري لحماس وهو فكر الإخوان المسلمين.
وقد بدأت صحف إسرائيلية وأميركية تشير إلى "وسائل أخرى" لتنفيذ التهجير، وإجبار الفلسطينيين على "الهجرة الطوعية" عبر تحويل حياتهم إلى جحيم، عبر تأخير إعمار غزة.
إذ إن عرقلة التعمير ستحيل القطاع لمكان يستحيل العيش فيه، وإسرائيل تسيطر على المعابر وتتحكم في المساعدات التي تدخل، ومن هنا تسعى إسرائيل وأميركا لاستغلال مسألة تأخير التعمير لتمرير أجندتهما، وهي التهجير.
وهذه السياسة تأتي ضمن إستراتيجيات الخنق الاقتصادي والسياسي التي تهدف إلى خلق بيئة معيشية غير مستقرة تدفع الفلسطينيين للشعور بعدم جدوى البقاء في القطاع.
وجعلت إسرائيل أغلب مناطق قطاع غزة غير صالحة للحياة، لكن المهمة لم تكتمل بعد، وتريد استكمالها مع ترامب، بتعقيد وتأجيل إعادة الإعمار.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أنه يمكن أن تعرقل أميركا وإسرائيل جهود إعمار قطاع غزة كوسيلة للضغط على فلسطينيي القطاع، بهدف دفعهم نحو قبول فكرة التهجير أو التوطين، عبر طرق عدة.
منها التضييق على المعابر والمساعدات، حيث تسيطر إسرائيل على معظم المعابر الحدودية، ويمكن أن تضع شروطا قاسية لدخول مواد البناء والمساعدات الإنسانية.
والضغط على المانحين الدوليين، من خلال النفوذ الأميركي، إذ إن أغلب المانحين المحتملين لتعمير غزة "عرب"، ومن ثم سهولة دفع أطراف عربية لتقليص أو تعطيل تمويل مشاريع الإعمار أو تحويلها إلى أهداف سياسية.
أيضا قد تعمد إسرائيل لعرقلة التعمير عبر إعادة الحرب وتدمير ما يتم إعادة بنائه في غزة، مما يعزز حالة الإحباط واليأس بين الفلسطينيين.

فقد ذكر موقع قناة "i24 news" الإسرائيلية في 29 يناير 2025، أن المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وعد نتنياهو بتعطيل وتأخير عمليات إعمار شمال غزة حتى يشجع مبادرة هجرة الغزيين.
قالت إن "ويتكوف" تعهد لنتنياهو خلال لقائه الأخير قبل وقف إطلاق النار في غزة على تعطيل عملية إعادة إعمار مناطق شمال القطاع وتأجيل عملية إدخال "الكرفانات"(البيوت المؤقتة) إلى شمال غزة حتى التوصل إلى اتفاق حول خطط أمنية من شأنها ضمان أمن البلدات الإسرائيلية في غلاف غزة.
كما نقلت "وكالة الأنباء الفرنسية" في 29 يناير 2025، عن مصادر من حركة حماس تأكيدها "أن إسرائيل تؤخر عمدا إدخال المساعدات لغزة وهذا قد يؤثر على إطلاق الرهائن".
وذكرت "القناة 13" الإسرائيلية أن ويتكوف، بحث يوم 29 يناير 2025 مع مسؤولين إسرائيليين "مخططات تستهدف ترحيل فلسطينيين من قطاع غزة".
ونقلت القناة عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إنهم "لاحظوا جدية أميركية"، وأضافوا أن الأمر لا يقتصر على تصريحات إعلامية، بل يشمل بحثا عمليا للخيارات المتاحة لنقل مليون ونصف فلسطيني من غزة كما قال ترامب.
وتعترض صفقةَ القرن وخطط التهجير، بالمقابل، عقباتٌ كثيرة، قد تؤدي لإحباطها، منها تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه، واستمرار قوة المقاومة في مواجهة الاحتلال، والدعم الشعبي والدولي للقضية الفلسطينية الذي تعاظم بعد طوفان الأقصى.
وأشارت دراسة للأمم المتحدة، أواخر 2024، إلى أن غزة تحتاج إلى عشرات الأعوام لإعادة بنائها واقتصادها حيث تم تدمير 62 بالمئة من مباني غزة السكنية، و88 بالمئة من المدارس، و21 من 36 مستشفى، وتضرر أكثر من 59 بالمئة من البنية التحتية.
وقدرت وكالة "بلومبيرغ" في أغسطس/آب 2024، تكلفة إعمار غزة بحوالي 80 مليار دولار.