شراكة خارج المحاور.. ماذا تريد تركيا وماليزيا من النظام الدولي الجديد؟

"الدولتان تمتلكان فرصة حقيقية لتحويل هذا التقارب إلى شراكة مؤثرة"
تطور لافت تشهده العلاقات التركية الماليزية في السنوات الأخيرة؛ حيث يعكس تحوّلا أعمق في طريقة تموضع الدول المتوسطة داخل النظام الدولي المتغير.
وزيارة رئيس تركيا رجب طيب أردوغان إلى ماليزيا في فبراير/ شباط 2025، وما أعقبها من زيارة رئيس الوزراء أنور إبراهيم إلى أنقرة، لا يمكن قراءتهما بمعزل عن السياق العالمي الذي يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتراجع فاعلية المؤسسات الدولية، واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى.
ففي هذا المشهد المضطرب، تسعى دول مثل تركيا وماليزيا إلى صياغة مسارات مستقلة، توازن بين المصالح الوطنية والتقديرات الأخلاقية.

شراكة متعددة
ونشر مركز "سيتا" التركي مقالا للكاتب نبي ميش، ذكر فيه أن زيارة أردوغان إلى ماليزيا جاءت في إطار "مبادرة إعادة الانفتاح على آسيا" التي أطلقتها أنقرة عام 2019، وهي مبادرة تعكس إدراكا تركيا متزايدا لأهمية آسيا بوصفها مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في العقود المقبلة.
وقد ركّزت الزيارة بشكل خاص على التعاون في قطاع الصناعات الدفاعية، وهو اختيار يحمل دلالات إستراتيجية واضحة.
فالتعاون الدفاعي لا يقتصر على تبادل الخبرات أو الصفقات، بل يعكس مستوى عاليا من الثقة السياسية، ورغبة مشتركة في بناء قدرات ذاتية تقلل من الاعتماد على القوى الكبرى التي غالبا ما تستخدم السلاح والتكنولوجيا كأدوات ضغط سياسي.
في المقابل، جاءت زيارة أنور إبراهيم إلى تركيا في 6 يناير/ كانون الثاني 2026 لتؤكد الطابع التبادلي لهذا التوجه؛ حيث عُقد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، وتمَّ توقيع سبع مذكرات تفاهم في مجالات متعددة، إضافة إلى منحه وسام الجمهورية.
وقال الكاتب التركي ميش: إن “هذه الخطوات تشير بوضوح إلى انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة المجاملات الدبلوماسية إلى مرحلة بناء أطر مؤسسية قادرة على إنتاج سياسات طويلة الأمد”.
وأضاف “كما تعكس رغبة مشتركة في تحويل التقارب السياسي إلى شراكات عملية في الاقتصاد، والدفاع، والتكنولوجيا، والثقافة”.
وأردف الكاتب بأن "تصريحات رئيس الوزراء الماليزي خلال زيارته لأنقرة تكتسب أهمية خاصة، وذلك ليس فقط بسبب موقعه السياسي، بل أيضا لما يتمتع به من خلفية فكرية وقدرة تحليلية عميقة".
ففي خطابه خلال مؤتمر "تحول القوة: الخيارات الإستراتيجية لماليزيا وتركيا" قدّم أنور إبراهيم قراءة شاملة لمفهوم القوة في عالم اليوم.
وأكّد أن “النفوذ لم يعد يُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد الجيوش، بل بات نتاج منظومة معقدة تشمل المرونة الدبلوماسية، والقدرة التكنولوجية، والتموضع في سلاسل التوريد العالمية، إضافة إلى الاستقرار الداخلي والتماسك الاجتماعي”.
والأكثر أهمية في هذا الطرح هو تأكيده على أن “العالم يعيش مرحلة من الغموض وعدم اليقين؛ حيث تتآكل القواعد التي حكمت النظام الدولي لعقود”.
في مثل هذا السياق، شدد أنور إبراهيم على أن الدول تحتاج إلى "الحكمة" بقدر حاجتها للقوة، فغياب البوصلة الأخلاقية قد يحوّل أدوات النفوذ إلى مصادر للفوضى بدلا من الاستقرار.
وقال الكاتب: إن “هذا البعد القيمي في تحليله يفسر إشادته بالسياسة الخارجية التركية التي رأى فيها نموذجا يحاول الموازنة بين المبدأ والواقعية السياسية”.
ورأى أن "إشادة أنور إبراهيم بالموقف التركي من العدوان الإسرائيلي على غزة لم تكن مجرد تعبير تضامني، بل جاءت في سياق نقده للمعايير المزدوجة التي تحكم النظام الدولي".
فتركيا، من وجهة نظره، أظهرت شجاعة سياسية نادرة حين أدانت بوضوح الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، في وقت فضّلت فيه دول كثيرة الصمت أو التبرير.
في الوقت ذاته، أشار إلى أنّ أنقرة لم تغلق باب الدبلوماسية، بل حافظت على قدرتها على الحوار والوساطة، وهو ما يمنحها مصداقية سياسية وأخلاقية في آن واحد.
![]()
استقلالية إستراتيجية
وقال الكاتب إن مفهوم "الاستقلالية الإستراتيجية" يشكّل القاسم المشترك الأبرز بين الرؤيتين التركية والماليزية، وهو ما يتجلّى بوضوح في مقاربة البلدين لعلاقاتهما مع القوى الكبرى.
فماليزيا الواقعة في قلب التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، تجد نفسها مضطرة إلى انتهاج سياسة خارجية دقيقة تقوم على التوازن لا الاصطفاف.
وتصريحات أنور إبراهيم في هذا السياق تعكس براغماتية واعية، تدرك أهمية الحفاظ على علاقات قوية مع واشنطن، بوصفها شريكا رئيسا في الاستثمار والتجارة، دون التفريط في علاقات مستقرة وبنّاءة مع بكين التي تمثل جارا صاعدا وشريكا اقتصاديا لا غنى عنه.
هذا النهج يلتقي إلى حد بعيد مع السياسة الخارجية التركية، التي تحاول منذ سنوات توسيع هامش حركتها الإستراتيجية في ظل ضغوط متزايدة من الشرق والغرب، يقول الكاتب ميش.
فرغم التحديات السياسية والاقتصادية، تسعى أنقرة إلى الحفاظ على استقلال قرارها، وعدم الارتهان الكامل لأي محور دولي، وهو ما يجعل التجربة التركية محط اهتمام دول أخرى تبحث عن نماذج بديلة للتعامل مع عالم متعدد الأقطاب.
وتابع ميش: “على الصعيد الاقتصادي، يشكّل التعاون التجاري والاستثماري بين تركيا وماليزيا أحد الأعمدة الأساسية لهذا التقارب الإستراتيجي”.
فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين خمسة مليارات دولار، مع هدف معلن للوصول إلى عشرة مليارات دولار في المستقبل القريب.
وهذه الأرقام، وإن كانت مهمة، لا تعكس سوى جزء من الإمكانات المتاحة، فإنّ التكامل المحتمل في مجالات الصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، والبنية التحتية يمكن أن يفتح آفاقا أوسع، ويعزز من قدرة البلدين على مواجهة تقلبات الاقتصاد العالمي.
وقال الكاتب: “في المحصلة، تمثل العلاقات التركية-الماليزية نموذجا متقدما لتعاون بين دولتين، تسعيان إلى لعب دور فاعل في النظام الدولي دون التخلي عن القيم الأخلاقية أو الوقوع في فخ التبعية للمحاور الكبرى”.
وتابع: “مع تشابه الرؤى حيال أزمات النظام العالمي وضرورة إصلاحه، يبدو أن أنقرة وكوالالمبور تمتلكان فرصة حقيقية لتحويل هذا التقارب إلى شراكة مؤثرة، ليس فقط على المستوى الثنائي، بل كصوت عقلاني ومتوازن في عالم يزداد تعقيدا واضطرابا”.













