حسابات الردع الجديدة.. هل تغير غواصات تركيا النووية قواعد اللعبة؟

“تركيا تسعى إلى توسيع هامش خياراتها"
في مرحلة دولية تتسم بتآكل قواعد النظام العالمي وتراجع فاعلية القانون الدولي، تعود مسألة الردع النووي إلى الواجهة بوصفها أحد أبرز أدوات ضمان الأمن القومي.
ومع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتنامي النزاعات الإقليمية، وتزايد الخطاب القائم على "السلام عبر القوة"، بدأت دول عديدة تعيد تقييم موقعها في معادلة الردع.
في هذا السياق، برزت تركيا كلاعب إقليمي يعيد صياغة إستراتيجيته الدفاعية على نحو يثير اهتماما متزايدا في الأوساط الدولية.
ونشر معهد "التفكير الإستراتيجي" التركي مقالا للكاتب سنان تافوكتشو، سلط فيه الضوء على صمت وزير الخارجية هاكان فيدان وإشارات التحول في الإستراتيجية النووية التركية.
إشارة محسوبة
وأثار فيدان موجة من الجدل، وذلك بعدما امتنع عن الرد بشكل مباشر على أحد الأسئلة خلال ظهوره في مقابلة على قناة "سي إن إن" في التاسع من فبراير/ شباط 2026، وقد كان السؤال يتعلق بما إذا كان ينبغي لتركيا امتلاك سلاح نووي.
وقال الكاتب التركي: إن هذا "الصمت" لم يُقرأ بوصفه ترددا، بل عُدّ في كثير من التحليلات إشارة محسوبة.
فقد تناولت وسائل إعلام عديدة صمته وعدم تقديمه جوابا لفظيا كعنوان رئيس، وعُدّ هذا الصمت "رسالة إستراتيجية".
ومن بين أبرز التعليقات، هو ما نشرته صحيفة “إسرائيل هيوم” التي ركزت على تعابير وجهه وحركاته، ورأت أن ابتسامته وحدها قد أوصلت الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجهات المعنية.
وعُدّ امتناع هاكان فيدان عن الرد على السؤال المتَعلّق بنيّة تركيا في امتلاك سلاح نووي رسالة للعالم؛ حيث تُعَبِّر عن إرادة تركيا في الخروج من مظلة الحماية النووية لحلف الناتو التي احتمت بها خلال الحرب الباردة، وسعيها لتولّي مسؤولية تأمين هذا الضمان بنفسها.
وقد فسّر بعض المراقبين هذا الموقف على أنه تعبير عن رغبة تركية في إبقاء جميع الخيارات الإستراتيجية مفتوحة، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية، خصوصا في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وقال الكاتب تافوكتشو: "قبل هذا الحدث بأشهر، كان قائد القوات البحرية التركية قد تحدث عن مشروع لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية، بوصفها عنصرا أساسيا في رؤية تركيا للتحول إلى قوة متوسطة ذات تأثير عالمي".
وأشار إلى أن "القبول الصامت" من الوزير فيدان، والذي لم يرفض فيه امتلاك السلاح النووي، كان يشير إلى مرحلة أكثر تقدما من الهدف العسكري الذي عبّر عنه قائد القوات البحرية بشأن بناء غواصات تعمل بالطاقة النووية.
ولفت تافوكتشو إلى أن الغواصات النووية، وإن كانت لا تعني بالضرورة امتلاك سلاح نووي، إلا أنها ترتبط تقنيا بمستوى عالٍ من القدرات في مجال دورة الوقود النووي، لا سيما في ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم.
وأوضح أن "الميزة الإستراتيجية لهذه الغواصات تكمن في قدرتها على البقاء فترات طويلة في الأعماق، وسرعتها العالية، ومدى عملياتها الواسع، وهو ما يمنح الدولة المالكة لها قدرة ردعية ذات أهمية في البحار المفتوحة والممرات الحيوية".

إستراتيجية الطاقة
بالنسبة لتركيا، فإن امتلاك مثل هذه المنظومة يعني تعزيز حضورها في البحر الأسود وشرق المتوسط والبحر الأحمر والمحيطات، أي في مسارح عمليات ترتبط مباشرة بمصالحها الاقتصادية والأمنية.
وقال تافوكتشو: "تنص المادة الرابعة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية على حق الدول الأطراف في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية، بما في ذلك البحث والإنتاج والاستخدام".
واستدرك: "إلا أن الإشكالية تكمن في التباين البنيوي داخل المعاهدة نفسها؛ إذ تعترف بخمس دول فقط كدول مالكة للسلاح النووي استنادا إلى وضع تاريخي يعود إلى ما قبل عام 1967، بينما تُلزم باقي الدول بعدم السعي إلى هذا الامتلاك".
هذا التمييز خلق شعورا لدى بعض الدول بوجود عدم مساواة هيكلية، خاصة في ظل استمرار الدول النووية في تحديث ترساناتها.
من هنا ظهرت مقاربات "العتبة النووية"، وهي تطوير قدرات تقنية متقدمة تتيح للدولة بلوغ مستوى قريب من القدرة العسكرية النووية دون إعلان امتلاكها رسميا.
وتُعد الغواصات النووية أحد المسارات التي قد تُفهم ضمن هذا الإطار؛ نظرا لارتباطها بمستويات تخصيب مرتفعة نسبيا.
لذلك تزداد أهمية الطرق غير المباشرة للوصول إلى القوة النووية، في ظلّ محاولات الدول النووية منع أي لاعب جديد من الانضمام إلى هذا النادي الضيق.
وأردف الكاتب بأن "تركيا قطعت شوطا مهما في بناء بنيتها التحتية النووية، فبهدف تلبية ما لا يقل عن 10 بالمئة من احتياجاتها من الكهرباء من الطاقة النووية، خطت تركيا أولى خطواتها عام 2010 عبر اتفاق حكومي مع روسيا".
ويُعدّ مشروع محطة أكويو النووية في مرسين أول مشروع نووي في العالم يُنفذ بنموذج "البناء-التشغيل-التحويل"، حيث تتولى شركة روساتوم الروسية مسؤولية التمويل والتصميم والبناء والملكية والتشغيل لمدة 60 عاما، بينما توفر شركة "تي في إي إل" التابعة لها الوقود النووي.
ومن المقرر تشغيل أول وحدة عام 2026، على أن تدخل الوحدات الثلاث الأخرى الخدمة حتى 2028.
وقد وفّر المشروع لتركيا، إلى جانب إمدادات الطاقة، فرصا للتعلم والتحول في المجال النووي وتطوير القدرات المؤسسية.
غير أن تركيا مصممة على عدم مواصلة إستراتيجيتها النووية من خلال مشروع واحد أو شريك واحد فقط.

موازين القوى
وتهدف تركيا إلى بلوغ قدرة 5 غيغاواط من المفاعلات الصغيرة المعيارية بحلول 2050، عبر نماذج هجينة أو مشاريع مشتركة تجمع بين مشاركة الدولة والملكية المشتركة وتنوع مصادر التكنولوجيا.
لهذا الغرض أُنشئت عام 2022 شركة "تركيا للطاقة النووية" كشركة حكومية.
وبذلك لن تتمكن الشركات الدولية من دخول السوق إلا كشركاء مباشرين للدولة التركية.
وتُجرى في هذا الإطار مفاوضات تنافسية مع روسيا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والصين.
وشكّل توقيع مذكرة تفاهم للتعاون النووي المدني مع الولايات المتحدة خطوة إضافية في هذا المسار، إذ يفتح المجال أمام نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات، ويمنح تركيا فرصة للوصول إلى معايير أمان وتشغيل متقدمة.
في الوقت ذاته، يسهم هذا التنويع في تقليل الاعتماد على شريك واحد، وهو ما يتماشى مع فلسفة الاستقلال الإستراتيجي التي تتبناها أنقرة في ملفات عدة.
وأردف الكاتب: "تجد تركيا نفسها اليوم في بيئة إقليمية معقدة، تتضمن نزاعات مستمرة في جوارها الجغرافي، وسباقات تسلح متسارعة، وتحولات في طبيعة التحالفات الدولية، في مثل هذا السياق، يصبح السعي إلى تعزيز قدرات الردع مفهوما من منظور الأمن القومي".
غير أن الانتقال من تعزيز القدرات النووية السلمية إلى امتلاك سلاح نووي يظل خطوة ذات تبعات سياسية واقتصادية هائلة، وقد يعرّض الدولة لعقوبات وضغوط دولية واسعة.
لذلك يبدو أن الإستراتيجية التركية، في مرحلتها الحالية، تقوم على بناء قاعدة تقنية وصناعية قوية في المجال النووي، مع الحفاظ على الالتزام الرسمي بالمعاهدات الدولية.
وأشار الكاتب إلى أنه "لا يمكن قراءة صمت هاكان فيدان بمعزل عن السياق الأوسع للتحولات في السياسة التركية".
واستطرد: "فهو لا يشير بالضرورة إلى قرار وشيك بامتلاك سلاح نووي، بقدر ما يعكس رغبة في إعادة تعريف حدود الحركة الإستراتيجية لتركيا في عالم يتجه نحو تعددية قطبية وتراجع في الضمانات التقليدية".
وشدد تافوكتشو على أن “تركيا تسعى إلى توسيع هامش خياراتها، دون حسم نهائي، في انتظار ما ستؤول إليه موازين القوى في النظام العالمي الجديد”.












