أردوغان في أديس أبابا.. هل تميل الكفة لصالح أنقرة في القرن الإفريقي؟

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في زيارة جمعت بين الرمزية والحسابات الجيوسياسية الدقيقة، استقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بالعاصمة أديس أبابا في 17 فبراير/ شباط 2026، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وبمناسبة مرور مئة عام على افتتاح سفارة تركيا في إثيوبيا عام 1926، أكدت أول زيارة رسمية لأردوغان إلى البلاد منذ أكثر من عقد على توطيد شراكة باتت ذات أهمية متزايدة في موازين القوى في القرن الإفريقي.

شراكة عميقة

واستعرض مقال نشره موقع "يوراسيا ريفيو" الأميركي، كيف تعمل تركيا على توسيع نفوذها الناعم والصلب في تلك المنطقة.

وجاء المقال بقلم كل من ماوريتسيو جيري وهو محلل سابق في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعضو احتياطي حالي في برنامج الحوار السياسي التابع للبحرية الإيطالية؛ وفيرونيكا فاني وهي باحثة عملت سابقا في السفارة الإيطالية بإثيوبيا وبعض المنظمات غير الحكومية.

وقال الباحثان: إن زيارة أردوغان "تجاوزت الطابع الاحتفالي لتُبرز عزم أنقرة على ترسيخ نفسها كلاعب محوري في منطقة تتسم بتوترات سياسية حادة وتنافس شديد بين القوى الإقليمية والعالمية".

وجوهر القمة كان يرتكز على البراغماتية الاقتصادية والعسكرية أكثر من الطابع الرمزي، فاستثمارات تركيا في إثيوبيا تجاوزت 2.5 مليار دولار عام 2025، وتركزت في مجالات النسيج والبنية التحتية للسكك الحديدية والطاقة.

ومع وصول حجم التجارة الثنائية إلى نحو 253 مليون دولار عام 2025، رسّخت تركيا مكانتها كثاني أكبر مستثمر أجنبي في إثيوبيا بعد الصين.

وعقد الزعيمان اجتماعات ثنائية وعبر الوفود، تناولت التجارة والطاقة والأمن والشؤون الإقليمية. 

ووصف رئيس الوزراء آبي أحمد العلاقة بأنها "شراكة عميقة".

وهو ما يعكس، بحسب المقال، رؤية أديس أبابا لأنقرة بوصفها بديلا موثوقا لكل من بكين التي تتسم بمقاربة أكثر حذرا، وللشركاء الغربيين الذين يُنظر إليهم غالبا بوصفهم ميّالين إلى التدخل السياسي.

وكان من أبرز نتائج القمة، توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة، وتنص الاتفاقية على إطار للمشاريع المشتركة في توليد الكهرباء، وتطوير الطاقة الكهرومائية، والبنية التحتية لشبكات الكهرباء، والاستثمار في الطاقة المتجددة.

نشاط أوسع

وبالنسبة لإثيوبيا التي تطمح أن تصبح مركزا للطاقة في شرق إفريقيا عبر مشاريع مثل سد النهضة، توفر الاتفاقية نقل التكنولوجيا والخبرة الهندسية. 

أما بالنسبة لتركيا، فتفتح الاتفاقية المزيد من الفرص لشركاتها العاملة في قطاع البناء والطاقة في سوق سريع النمو، وفق المقال.

وأسفر الاجتماع التاسع للجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين عن بروتوكول يعزز الالتزامات في مجالات التجارة والاستثمار والتعاون الفني، مع تأكيد البلدين على طموحهما في رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو مليار دولار.

وتوفر هذه الاتفاقيات خارطة طريق مؤسسية للمرحلة المقبلة من التكامل الاقتصادي، بما في ذلك لجان متابعة لضمان تنفيذها.

وأوضح المقال أنه "من الناحية الجيوسياسية، يجب فهم هذا اللقاء في إطار النشاط الأوسع لتركيا في القرن الإفريقي، فقد برزت أنقرة كفاعل أمني مهم، محافظة على قاعدة عسكرية كبرى في الصومال وتوسيع صادراتها الدفاعية عبر القارة".

واستطرد: "كما زوّدت إثيوبيا سابقا بالطائرات المسيّرة خلال النزاع في تيغراي، ما أعاد تشكيل التوازن العسكري قبل اتفاق وقف إطلاق النار في 2022. وفي الوقت نفسه، وضعت تركيا نفسها كوسيط في النزاعات الإقليمية، بما في ذلك التوترات بين إثيوبيا والصومال حول الوصول إلى الطرق البحرية".

وبحسب المقال، فإن الوزن الإستراتيجي لإثيوبيا يزيد من أهمية هذه الشراكة، فكونها ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان في إفريقيا، وأكبر اقتصاد في القرن الإفريقي، ومقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، يجعلها محورا دبلوماسيا وسياسيا محوريا.

ورغم كونها دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1991، فإن قربها من ممر البحر الأحمر يجعلها مركزية في طرق التجارة التي تربط أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وخلال الزيارة، كرّر رئيس الوزراء الإثيوبي طموح بلاده في الحصول على وصول آمن إلى البحر الأحمر، ساعيا للحصول على دعم دبلوماسي من أنقرة.

انخراط محسوب

ويعكس انخراط تركيا جهدا محسوبا لتشكيل النظام الإقليمي الذي يمر بمرحلة تحول.

وتشير زيارات الرئيس أردوغان الأخيرة إلى السعودية ومصر إلى تنسيق تكتيكي مع الفاعلين الرئيسين في الشرق الأوسط.

فيما تسعى أنقرة -وفق المقال- لموازنة نفوذ دول الخليج، لا سيما الإمارات، ومواجهة التوسع الإسرائيلي على طول ممر البحر الأحمر.

ولهذا، فإن من خلال تعزيز الروابط مع أديس أبابا، تؤكد أنقرة على دورها كضامن أمني وشريك اقتصادي في شرق إفريقيا. بحسب المقال.

وخلال الزيارة أكد أردوغان على ضرورة عدم تحويل منطقة القرن الإفريقي إلى ساحة صراع لقوى أجنبية، داعيا دول المنطقة لبلورة حلول لمشكلاتها.

وأضاف: "نؤمن بضرورة أن تبلور دول المنطقة حلولا لمشكلاتها، وألا يتحول القرن الإفريقي إلى ساحة صراع لقوى أجنبية". مؤكدا على أن اعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال" لا يفيد الإقليم الانفصالي ولا القرن الإفريقي.

وبحسب المقال، فإن "الخطوات القادمة ستركز على تنفيذ مذكرة التفاهم في مجال الطاقة، وتوسيع حجم التجارة نحو هدف المليار دولار، والحفاظ على حوار سياسي رفيع المستوى".

وأردف: "من المتوقع أن تحوّل اللجان المشتركة الاتفاقيات الإطارية إلى مشاريع عملية، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة. ودبلوماسيا، من المرجح أن تواصل تركيا دعم مبادرات الاستقرار الإقليمي، مع تمسكها بمبادئ حفظ وحدة الأراضي والحلول التفاوضية".

أما على المستوى الإستراتيجي، فقد أكَّدت القمة التي عُقدت في 17 فبراير 2026 أن تركيا قد تجاوزت مرحلة القوة الصاعدة في إفريقيا، لتصبح حاليا قوة متوسطة ذات نفوذ ملموس، تجمع بين الوجود العسكري والاستثمار الاقتصادي والوساطة الدبلوماسية.

وختم بالقول: "ما إذا كان هذا (النهج التركي) سيحقق استقرار القرن الإفريقي يبقى أمرا غير مؤكد، لكن قمة أديس أبابا أكدت بوضوح نية أنقرة ليس مجرد مراقبة تحولات المنطقة، بل المشاركة الفعلية في تشكيلها".