باتفاقية محكمة.. هكذا تحولت الإمارات إلى فخ لاصطياد معارضي السيسي

داود علي | منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

عندما تصاغ القوانين والتشريعات لتكريس الانتهاكات، تظهر بعض الاتفاقيات وكأنها تكتب بأقلام ملطخة بالظلم والمعاناة ضد معارضي الأنظمة. 

هكذا تبدو اتفاقية نقل المحكوم عليهم بين نظامي مصر والإمارات، التي بدأ البرلمان المصري مناقشتها في 25 يناير/ كانون الثاني 2025. 

ولم تكن الاتفاقية موضع النقاش مجرد اتفاق قانوني، بل جسرا قد ينقل عبره المعتقلون السياسيون من قيد إلى قيد، في دائرة مغلقة من القمع والتنكيل. 

مناقشة الاتفاقية

وبينما يروّج لهذه الاتفاقيات على أنها تعبير عن الأمن والتعاون القضائي، فإن الواقع يشير إلى تحولها إلى أداة أخرى من أدوات القمع العابر للحدود.

خاصة وأن المناقشات جاءت في وقت يتصدر فيه اسم الشاعر المصري عبد الرحمن يوسف القرضاوي المشهد الحقوقي والسياسي، على خلفية ترحيله من لبنان إلى الإمارات، في 10 يناير 2025، وإخفائه قسرا هناك. 

يأتي ذلك وسط مخاوف جدية أكبر من ترحيله إلى النظام المصري؛ حيث يعرف بسجله الأسود في الاعتقالات التعسفية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. 

لا سيما أن هذه المسألة لا تمس عبد الرحمن يوسف وحده، بل تعكس واقعا أكثر خوفا يواجهه المعارضون السياسيون في الدولتين. 

فبينما تتصاعد المخاوف، تطرح تساؤلات بشأن أن تتحول الاتفاقية إلى غطاء لممارسة سياسية جديدة بين الدولتين، تسهل تسليم المعارضين وقمعهم تحت مظلة التشريعات الرسمية.

وتعد الإمارات من الدول الإقليمية التي لها خصوصية في هذه العمليات، خاصة أن نفوذها متمدد، وتمتاز أيضا بمطاراتها التي يرتادها عدد كبير من المسافرين سواء بغرض الزيارة أو الترانزيت.

ويناقش مجلس النواب المصري تقارير لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية حول إقرار الموافقة على اتفاقية نقل المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية بين مصر والإمارات، والصادر بها قرار من رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، حمل رقم 570 لسنة 2024.

وكان الجدل الذي أحدثه ذلك النقاش، هو تزامنه مع تساؤلات حول إمكانية تسليم عبد الرحمن القرضاوي نجل الداعية الإسلامي الراحل يوسف القرضاوي إلى مصر.

وعلق على هذا الطرح المدير الأسبق للمكتب العربي للإعلام الأمني بمجلس وزراء الداخلية العرب،  اللواء مروان مصطفى، الذي قال: إن "ذلك يعتمد على عدة عوامل، منها الاتفاقيات القانونية بين البلدين، والأدلة المقدمة، والتقديرات الدبلوماسية والسياسية".

وأشار مصطفى لموقع "الحدث.نت" السعودي إلى أن "هناك اتفاقية لتسليم المحكوم عليهم بين البلدين، ولذا من الممكن أن يتم تسليمه إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة، حيث يشترط القانون الإماراتي بعض الشروط والأحكام حتى تتم عمليات التسليم".

الإمكانية والاعتراضات 

وقال وزير الخارجية اللبناني السابق، عدنان منصور، إن "مسألة الجنسية لا تمثل عائقا فيما يتعلق بملفات تسليم المطلوبين بين الدول، ويجوز لدولة أن تقرر تسليم مطلوب لدولة أخرى بينما هذا المطلوب يحمل جنسية دولة ثالثة كما في حالة عبد الرحمن القرضاوي". 

وأوضح لوكالة "الشرق الأوسط" في 26 يناير 2025، أن "الفيصل في الأمر هو وجود اتفاقية ثنائية لتسليم المطلوبين بين الدولتين المعنيتين".

وهو ما أكده عضو الجمعيتين الأميركية والأوروبية للقانون الدولي، محمد محمود مهران، بأن قواعد تسليم المطلوبين في القانون الدولي "تشترط عادة أن يكون الشخص المطلوب تسليمه، إما من مواطني الدولة طالبة التسليم، وإما أن يكون قد ارتكب جريمة على أراضيها، وإما أن تكون هناك مصلحة قانونية مباشرة للدولة طالبة التسليم".

وأوضح بوصفها دولة جنسية الشاعر، فإن مصر “تمتلك الأولوية القانونية في طلب تسليمه، شريطة استيفاء الشروط القانونية المطلوبة للتسليم”، بحسب ما نقل عنه موقع "الحرة" الأميركي.

تلك التطورات دفعت نشطاء وسياسيين ومعارضين لإعلان التضامن مع عبد الرحمن القرضاوي، في محاولة لإيقاف تسليمه إلى نظام مصر، وكذلك الكشف عن مصيره إثر الإخفاء القسري الذي تعرض له في الإمارات. 

ودشن ناشطون في عواصم عالمية وقفات احتجاجية أمام سفارة الإمارات، بينها وقفة أمام مجلس العموم البريطاني في لندن للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين بمصر والتنديد بإخفاء الشاعر المصري.

كما طالبت 28 منظمة حقوقية بالإفراج الفوري عن القرضاوي، محملة السلطات الإماراتية مسؤولية سلامته، مطالبة السلطات التركية (التي يحمل جنسيتها) باتخاذ خطوات عاجلة والضغط الدبلوماسي لمعرفة مصيره والعمل على إطلاق سراحه في أسرع وقت.

خاصة في ظل سجل الإمارات المعروف بانتهاكاته بحق سجناء الرأي وممارسة التعذيب ضدهم، أو ترحيله إلى مصر وهو مصير سيكون أسوأ وأخطر على حياته. 

يذكر أنه في 7 يناير وقبيل تسليمه إلى الإمارات مباشرة، أصدرت منظمة العفو الدولية "آمنستي" بيانا، قالت فيه إنه "يجب الامتناع عن تسليم الشاعر عبد الرحمن القرضاوي إلى مصر أو الإمارات". 

وشددت على أن "تسليمه قسرا إلى بلد يرجح أن يواجه فيه الاضطهاد سيشكل انتهاكا صارخا لمبدأ عدم الإعادة القسرية بموجب القانون الدولي".

لماذا الإمارات؟ 

ومع ذلك فإن قضية عبد الرحمن يوسف القرضاوي تمثل نموذجا لآلاف المعارضين حول العالم، الذي قد تستهدفهم الإمارات، ثم تسلمهم إلى أنظمة قمعية على غرار النظام المصري. 

خاصة أن رئيس المنظمة الدولية للشرطة الجنائية "الإنتربول"، هو اللواء الإماراتي أحمد الريسي، الذي يشغل المنصب منذ 25 نوفمبر/ تشرين الأول 2021. 

وكانت منظمات حقوقية قد أعلنت آنذاك خطورة تولي الريسي هذا المنصب. 

ففي نفس يوم توليه، أصدرت منظمة "معا من أجل العدالة" الدولية، بيانا أعربت فيه عن قلقها، وقالت: "فوز اللواء الإماراتي الريسي لا يمكن عدها إلا وصمة عار في سجل الإنتربول، وناقوس خطر يدق فوق رؤوس المعارضين السياسيين وناقدي الحكومات والأنظمة الاستبدادية حول العالم".

وأضافت: "إذ سيصبحون بما لا يدع مجالا للشك أهدافا لنظام النشرة الحمراء الذي من المؤكد أن يستخدمه الريسي للإيقاع بالمعارضين السياسيين حول العالم". 

وأكدت المنظمة: "لطالما كشفت تقارير وتحقيقات سابقة عن إساءة الإمارات لاستخدام نظام النشرات الحمراء لملاحقة المعارضين والنشطاء، وبعد فوز أحد مسؤوليها بمنصب رئيس الإنتربول، فإن الخطر يقترب من معارضي الإمارات والدول الأخرى الحليفة لها مثل السعودية، وهو ما ينطبق بطبيعة الحال على مصر".

ترانزيت الإمارات 

هناك خطورة أخرى تمثلها الإمارات على المعارضين، من خلال مطاراتها التي تعد محط رحال ملايين المسافرين حول العالم.

فبحسب وكالة الأنباء الإماراتية "وام" في 19 نوفمبر 2024، سجلت مطارات أبوظبي، ودبي الدولي، والشارقة الدولي، أكثر من 103 ملايين مسافر حتى نهاية سبتمبر/ أيلول من نفس العام.

فيما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني أن حركة المسافرين في سائر مطارات الدولة بلغت نحو 150 مليون مسافر مع نهاية العام 2024.

وهناك شهادات من نشطاء سياسيين عن مضايقات وتضييقات في بعض مطارات الإمارات. 

منها ما رواه الناشط السياسي المصري هيثم سعد، في شهادة له، عبر صفحته على موقع "فيسبوك"، تعليقا على ما حدث مع عبد الرحمن القرضاوي، وما يقع في مطارات الإمارات. 

وقال سعد: "في 2021 صديق لي جاءته سفرية لبلد ما وكان أمامه ترانزيت الدوحة أو ترانزيت أبوظبي، ومن نقاشاتنا القديمة كنت دائما أحذره من الإمارات (لأنه معتقل سابق) ولسوء حظه حجز ترانزيت أبوظبي (مدة الترانزيت كانت 6 ساعات)".

وتابع: "عندما وصل إلى هناك، وقبل ما الطيارة تعمل لاندنج (هبوط) في أبوظبي لقى المضيفة بتنادي في المايك، على الراكب فلان الفلاني التوجه لقمرة القيادة (وبتنادي على اسمه)". 

‎وأضاف: "عندما تم الهبوط وجد صاحبي 4 أشخاص، 2 بزي مدني و2 بزي شرطة". 

وأكمل: "ثم دار الحوار الآتي: أنت متهم بقضية قتل على الأراضي الإماراتية، ومطلوب للتحقيق!، رد صاحبي: أي قضية قتل، أنا لم أدخل الإمارات قبل كده!، ليردوا: لا لقد دخلت إلى دبي ومتهم بقتل زوجتك الأجنبية". 

واستطرد: "صديقي قال لهم، لو على نشاطي السياسي في مصر فأنا لم أخرج إلا بعد موافقة أمن الدولة في المطار!". 

واسترسل: "أخذوا صديقي داخل غرفة التحقيق، وبدأ معاه محقق إماراتي بورق فاضي وقال له اكتب لي تاريخ حياتك هنا، فصديقي استغرب الطلب وطريقته،  وقال له يعني إيه؟ قال يعني اكتب لي من أيام الثانوي ومعرفتك بالإخوان ودخولك الجامعة ونشاطك الطلابي". 

ثم تابع: "صاحبنا قعد يكتب 3 ساعات وبعد ما انتهى، دخل عليه ضابط تاني وأخد منه الورق، وقال له: معلش بنعتذر منك على سوء الفهم ده.. طلع تشابه أسماء مع حد متهم بجريمة قتل". 

قمع عابر

وفي السياق، قال الحقوقي المصري مصطفى عزالدين فؤاد: “نحن هنا لسنا أمام مجرد حالة تعاون أو تنسيق أمني فقط بين نظامين، نحن أمام دولة اتخذت من القمع وسحق حقوق الإنسان والديمقراطيات في المنطقة هدفا واضحا”.

وأضاف فؤاد لـ"الاستقلال" أن "هذه الدولة أصبح مشروعها وأد كل معارض أو تجربة ديمقراطية، لا سيما لو كانت إسلامية، مثلما حدث في مصر وتونس وليبيا وسوريا وغيرها".

وأوضح أن "الإمارات تستهدف هؤلاء المعارضين مثل عبد الرحمن يوسف وغيره، لا لصالح مصر، وإنما لصالحها كعاصمة للثورات المضادة". 

وشدد فؤاد على أن "ترحيل عبد الرحمن يوسف جريمة تواطأ فيها المجتمع الدولي لأمور كثيرة، ربما تتعلق بموقفه من فلسطين وغزة وسوريا، وربما تتعلق برمزية والده (الشيخ يوسف القرضاوي) كواحد من أهم علماء أهل السنة الذين أطروا للمقاومة ضد المحتل الإسرائيلي". 

واستطرد: “لكن علينا أن نقر أن تسليم القرضاوي للإمارات والتمهيد لتسليمه إلى مصر، هو منحنى خطير، يجعل من استهداف المعارضين العرب أمرا سهلا”.

وتابع: "وهذا ينقلنا إلى مرحلة جديدة من النضال الحقوقي، لأن الحالات الحقوقية انتقلت من دوائر الصراع مع أنظمتها إلى دائرة صراع إقليمي موحد، وسيكون على كل معارض مصري وسعودي وتونسي أن يحذر من السقوط في فخ الإمارات".