تحالف الطاقة التركي-الباكستاني.. نفوذ متصاعد وقلق إسرائيلي متزايد

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

شهدت الساحة الإقليمية تطورا بارزا تمثل في توقيع اتفاقية شاملة بين تركيا وباكستان في مجالي الطاقة والتنقيب عن الهيدروكربونات، وهو ما أثار ردود فعل متباينة، لا سيما من الجانب الإسرائيلي.

لم يقتصر قلق إسرائيل على الجانب الاقتصادي لهذا التعاون، بل تعداه إلى التداعيات السياسية والإستراتيجية التي قد تنجم عن تعزيز التنسيق بين أنقرة وإسلام أباد، خاصة في ظل توسع الدور التركي في مناطق خارج نطاق تأثيره التقليدي، ما قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة.

صحيفة ستار التركية نشرت مقالا للكاتب التركي "بولانت أوراك أوغلو"، تحدّث فيه عن الاتفاق الذي عدته وسائل الإعلام الإسرائيلية يمثل خطوة إستراتيجية قد تغيّر موازين القوى الإقليمية، وتمنح تركيا نفوذا جديدا يصعب على إسرائيل احتواؤه أو التأثير فيه.

مخاوف إسرائيل 

جاء الاتفاق بعد لقاء جمع وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار بنظيره الباكستاني سردار عويس أحمد خان ليغاري. وقد أسفر اللقاء عن توقيع شراكات بين شركة البترول التركية الحكومية وعدد من شركات الطاقة الباكستانية الكبرى.

وإنّ هذه الشراكات تشمل التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما في خمس مناطق داخل باكستان؛ ثلاث منها مناطق بحرية ومنطقتان بريتان. هذا يعني عمليا أن تركيا أصبحت حاضرة في منطقة بحرية قريبة من المحيط الهندي، وهي منطقة شديدة الأهمية من حيث التجارة والتجارة الدولية وحركة الطاقة.

واستدرك الكاتب التركي: ترى إسرائيل أن هذا الوجود التركي الجديد قد يؤثر، ولو بشكل غير مباشر، على طرق التجارة البحرية التي تعتمد عليها بشكل كبير؛ إذ يتم نقل نحو 90% من التجارة الإسرائيلية عبر البحر. من هنا، فإن أي قوة تمتلك حضورا فاعلا في هذه المسارات البحرية تُعد عامل ضغط محتمل على الاقتصاد والأمن الإسرائيليين.

كما ترى التحليلات الإسرائيلية أن أنقرة لا تتحرك فقط بدافع اقتصادي، بل ضمن رؤية إستراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز نفوذها البحري، وربط مناطق شرق المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي ضمن نطاق تأثير واحد.

وأردف الكاتب التركي: خلال السنوات الماضية ركّزت تركيا على تعزيز حضورها في شرق المتوسط. أما اليوم، فإنّ الاتفاق مع باكستان يُظهر توجها جديدا نحو توسيع هذا الحضور ليشمل مناطق أبعد جغرافيا. هذا التوسع يمنح تركيا خبرة بحرية وأمنية جديدة، ويزيد من قدرتها على التحرك كقوة إقليمية مستقلة.

أمّا من وجهة نظر إسرائيل، فإنّ هذا التطور يقلّل من القدرة على التنبؤ بالسياسات التركية، ويجعل من الصعب التأثير على قرارات أنقرة كما كان الحال في السابق.

تقارب تركي–باكستاني

وأوضح الكاتب التركي: يُعد توصيف التقارب المتزايد بين تركيا وباكستان على أنه "محور إستراتيجي جديد" من أكثر النقاط التي تثير القلق في التحليل الإسرائيلي. فالأمر من وجهة النظر الإسرائيلية لا يتعلق بتعاون عابر أو شراكة ظرفية، بل بتلاقي قوتين تمتلك كل منهما عناصر تأثير نوعية في بيئتها الإقليمية والدولية.

فباكستان، بوصفها دولة نووية ذات قدرات عسكرية مقدرة، تمثل أحد الفاعلين الرئيسين في جنوب آسيا، وتحتل موقعا جيوسياسيا بالغ الحساسية، يربط بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والمحيط الهندي. هذا الموقع يمنحها دورا محوريا في قضايا الأمن الإقليمي والملاحة الدولية والتوازنات العسكرية في منطقة تشهد تنافسا حادا بين قوى كبرى.

في المقابل، تبرز تركيا خلال السنوات الأخيرة كقوة إقليمية صاعدة، تمتلك صناعة دفاعية متطورة تشهد نموا متسارعا سواء من حيث الإنتاج المحلي أو القدرة على التصدير أو تطوير تقنيات عسكرية متقدمة. وهذا التطور لم يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل ترافق مع خبرة عملياتية ميدانية اكتسبتها أنقرة من خلال انخراطها في ملفات أمنية وعسكرية متعددة.

وترى الصحيفة الصهيونية أن التقاء القدرات النووية الباكستانية مع الخبرة العسكرية والصناعية التركية قد يفتح المجال أمام شكل جديد من التعاون الإستراتيجي، بحيث لا يقتصر على التنسيق السياسي، بل يمتد ليشمل مجالات الدفاع والتكنولوجيا والتصنيع العسكري المشترك. 

مثل هذا السيناريو، بحسب التحليل الإسرائيلي، قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية، ويخلق معادلات ردع جديدة تفرض نفسها على المشهد الأمني في المنطقة، وهو ما يدفع المؤسسات الأمنية الإسرائيلية إلى متابعة هذا المسار بحذر بالغ واهتمام متزايد.

وأضاف الكاتب: تحظى الصناعات الدفاعية التركية باهتمام خاص في التحليلات الإسرائيلية، لا سيما في ما يتعلق بتطوير واستخدام الطائرات المسيّرة. 

فتركيا لم تكتفِ بتصميم هذه الأنظمة وتصنيعها محليا، بل نجحت في تحويلها إلى أداة فعالة تُستخدم في بيئات عملياتية متنوعة، وهو ما منحها خبرة ميدانية عملية يصعب اكتسابها في المختبرات أو من خلال الاختبارات النظرية.

وتشير التحليلات إلى أن أنقرة باتت تمتلك قدرة متزايدة على اختبار هذه التقنيات في جغرافيات مختلفة، الأمر الذي يسمح لها بتطويرها بشكل مستمر وتحسين فعاليتها القتالية والتكتيكية. هذا الواقع يجعل من الصناعات الدفاعية التركية عنصر قوة متحرك، يتطور باستمرار تبعاً للتجربة والخبرة العملية.

في هذا السياق، تؤكد التقارير أن قوات الدفاع الإسرائيلية تراقب عن كثب كيفية توظيف تركيا لهذه القدرات ضمن شراكاتها الخارجية، ومن بينها التعاون المحتمل مع باكستان؛ حيث يُنظَر إلى هذا التعاون على أنه قد يؤدي إلى نقل الخبرة أو التكنولوجيا أو حتى نماذج تشغيل جديدة، ما قد يفرض على إسرائيل إعادة النظر في عقيدتها الدفاعية التقليدية.

وتشير التحليلات إلى أن التركيز الإسرائيلي الطويل على التهديد الإيراني، بوصفه التحدي الإستراتيجي الأبرز، قد لا يكون كافيا في ظل بروز لاعبين جدد يمتلكون أدوات تكنولوجية متقدمة وتحالفات مرنة. وهو أمرٌ يستدعي توسيع دائرة التقدير الأمني الإسرائيلي لتشمل تحولات جديدة في موازين القوة.

تغير في ميزان القوى

من أبرز النقاط التي توقفت عندها الصحف الإسرائيلية هو التحول اللافت في طبيعة القرار الإستراتيجي التركي. فأنقرة، بحسب التحليل الإسرائيلي، لم تعد تتحرك ضمن الإطار التقليدي للسياسات الغربية أو وفق سقوف يحددها حلفاؤها، بل باتت تمتلك قدرة واضحة على اتخاذ قرارات كبرى بشكل مستقل في مجالات الطاقة والدفاع والدبلوماسية.

وتابع: إن امتلاك تركيا لهوامش حركة واسعة وقدرة على المناورة في أكثر من ملف إقليمي ودولي يعني، من وجهة النظر الإسرائيلية، ظهور فاعل إقليمي يصعب احتواؤه أو التأثير في توجهاته بالأساليب التقليدية. 

وهذا الاستقلال في القرار يقلل من قدرة إسرائيل على التنبؤ بالسلوك التركي، ويحدّ من فرص الضغط السياسي أو الدبلوماسي لتعديل مساراته.

لهذا فقد وصفت الصحيفة هذا التحول بأنه "تغير في ميزان القوى لا يمكن السيطرة عليه"، وذلك في إشارة واضحة إلى شعور متزايد داخل الدوائر الإسرائيلية بفقدان أدوات التأثير التقليدية، وبروز واقع إقليمي جديد تتحرك فيه تركيا كلاعب مستقل قادر على إعادة تشكيل التحالفات، وفرض معادلات جديدة خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية المعتادة.

وختم الكاتب مقاله قائلا: إن الاتفاق التركي–الباكستاني في مجال الطاقة لا يُعد مجرد تعاون اقتصادي، بل يمثل جزءا من تحوّل أوسع في السياسة الإقليمية. فتركيا تسعى إلى توسيع نفوذها البحري والإستراتيجي، وباكستان توفر لها بوابة مهمة نحو جنوب آسيا والمحيط الهندي. 

في المقابل، تجد إسرائيل نفسها أمام معادلات جديدة تتطلب إعادة تقييم شاملة لسياساتها الأمنية والإستراتيجية في منطقة لم تعد تخضع لقواعدها السابقة.