قبرص كنقطة ارتكاز.. لماذا يفشل تطويق تركيا في شرق المتوسط؟

إستراتيجية إسرائيل الجديدة في شرق المتوسط تقوم على تحويل جزيرة قبرص إلى منصة أمنية ولوجستية متقدمة
في ظل مرحلة إقليمية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم الاستقرار، استضافت القدس المحتلة، يوم الإثنين، قمة ثلاثية جمعت رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، ورئيس قبرص نيكوس خريستودوليديس.
وجاءت هذه القمة في سياق يعكس تسارع وتيرة التنسيق السياسي والأمني بين الدول الثلاث، بالتوازي مع تحولات عميقة تشهدها المنطقة، وتزايد المخاوف المشتركة من اتساع نطاق الدور التركي في أكثر من ساحة جغرافية، تمتد من شرق البحر المتوسط إلى سوريا وقطاع غزة.
وفي قلب هذا المشهد، تقف تركيا بوصفها الدولة الأكثر تأثيرا من حيث الموقع الجغرافي والقدرات العسكرية في شرق المتوسط، في مواجهة محور يضم إسرائيل واليونان و"إدارة قبرص الرومية الجنوبية"، يسعى إلى إعادة رسم موازين القوة الإقليمية بطريقة تهدف إلى إقصاء أنقرة وتقييد حركتها.
غير أن القراءة المتأنية للواقع الميداني، وللأسس القانونية، ولمعادلات القوة الفعلية، تُظهر أن هذا المحور يواجه تحديات بنيوية كبيرة، وأن قدرته على الاستمرار كترتيب إقليمي مستقر تبقى موضع شك، وفق ما ورد في مقال للكاتب التركي إسماعيل شاهين، نشرته صحيفة ستار التركية.

صراع المصالح
ويشير الكاتب التركي إلى أن تركيا تمتلك أطول ساحل على شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو معطى جغرافي يمنحها بطبيعته حقوقاً واسعة في المناطق البحرية المقابلة لسواحلها. ولا يمكن تجاهل هذا الواقع عند الحديث عن ترسيم الحدود البحرية أو تقاسم موارد الطاقة.
في المقابل، تتبنى اليونان و"إدارة قبرص الرومية الجنوبية" مقاربة مختلفة، تقوم على رسم خرائط بحرية تمنح الجزر، بصرف النظر عن مساحتها أو موقعها، التأثير ذاته الذي يتمتع به البرّ الرئيس. ووفق هذه الرؤية، تُمنح جزر صغيرة حقوقاً بحرية واسعة، ما يؤدي عملياً إلى حصر تركيا في نطاق بحري ضيق قرب خليج أنطاليا.
ويؤكد الكاتب أن هذه المقاربة لا تنسجم مع العديد من أحكام المحاكم الدولية، ولا مع روح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي شددت مراراً على أن تأثير الجزر يجب أن يكون محدوداً عندما يتعارض مع مبدأي العدالة والتناسب.
ومن هنا، يبدو أن توظيف القانون في هذا السياق لا يهدف إلى الوصول إلى حل عادل، بقدر ما يُستخدم كأداة سياسية للضغط على تركيا، وهو ما يُضعف مصداقية هذه الطروحات ويجعلها أقرب إلى أدوات صراع منها إلى حلول قانونية متوازنة.
ويوضح الكاتب أن دخول إسرائيل بقوة على خط معادلة شرق المتوسط جاء مدفوعاً بعاملين رئيسين: الرغبة في تصدير الغاز الطبيعي، والحاجة إلى تعزيز أمنها الإستراتيجي. ولهذا الغرض، أقامت تل أبيب شراكة وثيقة مع اليونان و"إدارة قبرص الرومية الجنوبية"، وروّجت لمشاريع كبرى لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا، أبرزها مشروع خط أنابيب "إيست مِيد".
غير أن هذا المشروع اصطدم سريعاً بجملة من العقبات، في مقدمتها ارتفاع الكلفة، وصعوبة التنفيذ، والمخاطر الأمنية، ما أدى إلى تجميده عملياً. وبعد تراجع مشروع "إيست مِيد"، طُرح بديل جديد يتمثل في "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا"، إلا أن الفكرة الجوهرية بقيت على حالها، وهي بناء ترتيبات إقليمية للطاقة والأمن من دون إشراك تركيا.
ويرى الكاتب أن هذا التوجه لم يسهم في تعزيز التعاون الإقليمي، بل على العكس، أدى إلى زيادة التوتر وعدم الاستقرار. ومع مرور الوقت، تحوّل التعاون بين إسرائيل واليونان وقبرص الرومية من إطار اقتصادي مرتبط بالطاقة إلى تعاون سياسي وعسكري، شمل تدريبات مشتركة، وتبادل معلومات استخباراتية، وتعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب قبرص.
وبذلك، لم تعد تركيا تُقدَّم بوصفها دولة منافسة فحسب، بل بات يُنظر إليها كطرف يجب تطويقه وإبعاده عن معادلات شرق المتوسط.

قبرص كنقطة ارتكاز استراتيجية
ويشير الكاتب إلى أن الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة في شرق المتوسط تقوم على تحويل جزيرة قبرص إلى منصة أمنية ولوجستية متقدمة، واستخدامها كنقطة ارتكاز لبناء خط ضغط يمتد من قبرص إلى اليونان في مواجهة تركيا. ويهدف هذا التوجه إلى الحد من قدرة أنقرة على المناورة البحرية، والتأثير على قدراتها الدفاعية، وتقليص دورها السياسي في المنطقة.
ورغم أن هذا النهج قد يوفر لإسرائيل وبعض شركائها أدوات ضغط مؤقتة، فإنه يحمل في طياته مخاطر إستراتيجية بعيدة المدى. فاستهداف تركيا سياسياً وعسكرياً يضعف فرص التعاون الإقليمي، ويحوّل ملفات الطاقة والأمن والاستقرار إلى عناصر صراع مفتوح، بدلاً من أن تكون مجالات للتفاهم. وبدلاً من تحقيق الاستقرار، يفتح هذا المسار الباب أمام توترات جديدة، ويجعل شرق المتوسط أكثر قابلية للاشتعال.
كما يلفت الكاتب إلى أن "إدارة قبرص الرومية الجنوبية" تعاني إشكالية بنيوية عميقة؛ إذ حصلت على عضوية الاتحاد الأوروبي من دون حل القضية القبرصية، ومن دون الاعتراف بالمساواة السياسية للقبارصة الأتراك. ولم يسهم هذا الواقع في حل النزاع، بل أدى إلى تجميده وتحويله إلى أزمة مزمنة.
وقد استخدمت الإدارة الرومية عضويتها في الاتحاد الأوروبي لنقل خلافاتها مع تركيا إلى بروكسل، ما أفقد الاتحاد حياده، وحوّله عملياً إلى طرف يتبنى المواقف الرومية بدلاً من لعب دور الوسيط. ونتيجة لذلك، تراجعت فرص الحل، ودخل الملف القبرصي مرحلة جمود طويلة.
ومع تراجع ثقة قبرص الرومية بالاتحاد الأوروبي، اتجهت نحو إسرائيل، ثم بدأت بطرح فكرة الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) بحثاً عن ضمانات أمنية. غير أن هذا التوجه يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الناتو تحكمه توازنات داخلية معقدة، وتحتل تركيا موقعاً محورياً داخل الحلف.
ولذلك، لا يُتوقع من أي فاعل دولي أو إقليمي، بما في ذلك إسرائيل، أن يتحمل كلفة إدراج أطروحات الجانب الرومي أو القضية القبرصية في صلب أجندة الناتو على حساب أولوياته الأمنية. ويبدو أن مساعي "إدارة قبرص الرومية الجنوبية" للانضمام إلى الحلف محكومة بالانسداد السياسي والإستراتيجي، بفعل الدور الحاسم الذي تلعبه تركيا داخله.

كيف ترى تركيا المشهد؟
من المنظور التركي، لا يقتصر شرق المتوسط على كونه ملف طاقة أو نزاعاً حول الصلاحيات البحرية، بل يُنظر إليه بصفته جزءاً من إستراتيجية تطويق أوسع تمتد من قبرص إلى بحر إيجه وكريت وشرق المتوسط والمشرق.
فالتعاونات العسكرية التي طورتها اليونان مع الولايات المتحدة وفرنسا، والتكامل الأمني بين "إدارة قبرص الرومية الجنوبية" وإسرائيل، وتزايد النفوذ الإسرائيلي في جزيرة قبرص، كلها عوامل تثير حساسية إستراتيجية مشروعة لدى أنقرة.
وقد دفع هذا المشهد تركيا إلى الانتقال من موقع المراقب إلى فاعل أكثر حضوراً، من خلال تعزيز قوتها البحرية، وتطوير صناعتها الدفاعية، وتكثيف تحركاتها الدبلوماسية.
كما تُعد العلاقات متعددة الأبعاد التي نسجتها أنقرة مع ليبيا وسوريا ومصر تجسيداً عملياً لنهج تركي استباقي ومتوازن في شرق المتوسط، حيث تسهم هذه الخطوات في إبطال الخرائط القصوى والترتيبات الأمنية الإقصائية التي يسعى محور إسرائيل–اليونان–"إدارة قبرص الرومية الجنوبية" إلى فرضها.
إلى جانب ذلك، عملت تركيا على إبراز حقوق ومصالح جمهورية شمال قبرص التركية في المحافل الدولية، وطرحت خيار حل الدولتين بوصفه مقاربة واقعية تتوافق مع المعطيات الميدانية، بدلاً من التمسك بنماذج تفاوضية ثبت فشلها.
تُظهر التطورات في شرق المتوسط أن التحالفات القائمة على الإقصاء وتجاهل الجغرافيا وتوازنات القوة لا يمكن أن تكون مستدامة. فقد تحقق هذه التحالفات مكاسب ظرفية، لكنها لا تفضي إلى استقرار طويل الأمد.
إن أمن شرق المتوسط، واستقرار أسواق الطاقة، والتقاسم العادل للموارد البحرية، لا يمكن أن يتحقق من دون دور تركي فاعل ومركزي. فالحلول الدائمة لا تُصنع عبر خرائط مبالغ فيها أو سياسات تكتل ضيقة، بل عبر مقاربة واقعية توازن بين الجغرافيا، والقانون الدولي، ومعادلات القوة.
وفي هذا السياق، تظل تركيا لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه، ليس فقط لأنها تحدّ من طموحات الأطراف الأخرى، بل لأنها تسهم في إعادة تشكيل النظام الإقليمي في شرق المتوسط على أسس أكثر واقعية واستدامة.

















