رغم تصنيفها منظمة "إرهابية".. لماذا تسارع روسيا لتطبيع العلاقات مع طالبان؟

خالد كريزم | منذ ٦ أشهر

12

طباعة

مشاركة

مثلت فعاليات المنتدى الاقتصادي الروسي في سانت بطرسبرغ، نقطة تحول في العلاقات بين موسكو وحكومة طالبان في أفغانستان.

فقد بدأت العلاقات بالتحسن بين الطرفين، منذ أن شارك وفد من حكومة طالبان في هذا المنتدى بدءا من عام 2022 ومناقشة فرص التعاون المشتركة.

وتأتي تلك المشاركة التي تكررت خلال العامين التاليين، على الرغم من إدراج الحركة على قائمة "المنظمات الإرهابية" في روسيا، حيث يظل أي اتصال علني بها جريمة جنائية.

تطبيع متسارع

لكن يبدو أن روسيا تتجه إلى كسر المحرمات في العلاقة مع طالبان نحو التطبيع الكامل ورفعها من قائمة المنظمات الإرهابية.

وفي هذا الصدد، قال زامير كامولوف مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أفغانستان في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2024، إن روسيا اتخذت "قرارا مبدئيا" بإزالة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية، وفقا لوكالة تاس الروسية الرسمية للأنباء.

وأضاف أن وزارة الخارجية الروسية وجهاز الأمن "يضعان اللمسات القانونية النهائية" على الإزالة، مضيفا أن القرار النهائي "سيعلن قريبا".

وأضيفت طالبان إلى القائمة السوداء لروسيا عام 2003 إلى جانب مجموعات مثل القاعدة لدعمها الانفصاليين في شمال القوقاز.

وفي تعليقات منفصلة يوم 4 أكتوبر، خلال المنتدى الدبلوماسي السنوي حول أفغانستان في موسكو، دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الدول الغربية إلى رفع العقوبات المفروضة على طالبان.

وخلال الكلمة الافتتاحية للاجتماع، حيث حضر وزير خارجية طالبان أمير خان متقي أيضا، دعا لافروف الدول الغربية مرة أخرى للاعتراف بالمسؤولية عن إعادة إعمار أفغانستان بعد الصراع، ورفع قيود العقوبات، وإعادة الأصول التي تم الاستيلاء عليها من كابول.

كما أشاد لافروف بالقيادة الأفغانية الحالية لمكافحتها للمخدرات وتنظيم الدولة، بينما لم يذكر طالبان صراحةً.

وبدوره، دعا بوتين إلى "بناء علاقات بين بلاده وحكومة حركة طالبان، مؤكدا أن الحركة "تمثل السلطة في أفغانستان".

وقال خلال لقائه مندوبي وكالات أنباء أجنبية في موسكو خلال يونيو/حزيران 2024: "لطالما اعتقدنا أنه يتعين علينا أن نتعامل مع الواقع، طالبان هي السلطة في أفغانستان، وعلينا أن نبني علاقات مع حكومتها".

وجاءت تصريحات بوتين على هامش منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي الذي شملت قائمة المدعوين إليه ممثلين عن حركة طالبان.

وفي السياق نفسه، قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن العمل جار على رفع حركة طالبان من قوائم الإرهاب في روسيا.

وسبق أن أعلن لافروف خلال زيارة بوتين إلى أوزبكستان قبل المنتدى بأيام أن موسكو تخطط لشطب حركة طالبان من قائمتها للمنظمات الإرهابية المحظورة، قائلا "إنهم السلطة الفعلية في أفغانستان".

وبدأت روسيا ببطء تطبيع العلاقات مع طالبان بعد استيلائها على السلطة بأفغانستان عام 2021 مع انسحاب القوات الأميركية عقب 20 عامًا من الحرب. 

ولم تعترف أي حكومة دولية بإدارة طالبان، لكن الصين والإمارات العربية المتحدة قبلتا سفراءها في عواصمهما.

وقدمت وزارتا الخارجية والعدل الروسيتان في يونيو 2024، اقتراحا رسميا لبوتين لإزالة الحركة من قائمة روسيا للمنظمات الإرهابية المعينة. 

واتخذت كازاخستان قرارا مماثلا في ديسمبر/كانون الأول 2023، على الرغم من أنها بدأت في التحدث عن ذلك علنا في يونيو فقط من نفس العام. 

وفي أوزبكستان وهي دولة رئيسة أخرى في آسيا الوسطى، لم يتم تصنيف طالبان أيضا على أنها متطرفة. 

في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تعارض أي خطوة نحو تخفيف العقوبات أو التحرك نحو الاعتراف بطالبان كحكومة شرعية لأفغانستان، من تركيز حديثها على انتهاك الحركة لحقوق النساء.

كما اتهم بورنيكوف نهاية مايو/أيار 2024، حلف شمال الأطلسي (ناتو) بتسهيل "نقل مرتزقة ومسلحين من منظمات إرهابية دولية من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان" إلى أوكرانيا لقتال القوات الروسية هناك.

ولذلك، يبدو أن الاهتمام الروسي المتسارع بأفغانستان يعود في بعض أسبابه إلى ردع أي محاولات أوكرانية لجعل تلك الدولة منصة لمهاجمة موسكو من خلال تنظيم الدولة.

بينما تريد حكومة طالبان من خلال روسيا، البدء بكسب الاعترافات الدولية بها وإزالتها من قائمة الكيانات الإرهابية.

وكان تقرير بصحيفة لوموند الفرنسية ذكر في 13 سبتمبر 2024، أن دول آسيا الوسطى، بقيادة أوزبكستان وكازاخستان، بدأت العمل على التقارب مع حكومة طالبان في أفغانستان لأسباب اقتصادية وأمنية.

وقال التقرير إن زيارة رئيس وزراء أوزبكستان عبد الله أريبوف إلى كابول في 18 أغسطس/آب 2024 تعد حدثا مهما لنظام طالبان الذي يبحث عن اعتراف دولي.

ويأتي هذا التقدم اليوم ليطمس عداوة تاريخية بين الطرفين، حيث خاض الاتحاد السوفيتي السابق (كانت روسيا على رأسه) في ثمانينيات القرن الماضي حربا ضد المجاهدين الأفغان استمرت 10 سنوات دعما لحكومة موالية للكرملين.

ويرى مركز كارنيغي للسلام الدولي أن “الخلايا المتمركزة في أفغانستان لتنظيم الدولة في خراسان المتطرفة أصبحت أقوى".

وتابع في 13 يونيو 2024: “أظهر الهجوم المميت على مبنى كروكوس في موسكو مدى النفوذ الدولي الذي يتمتع به تنظيم الدولة في أفغانستان”.

وعندما دخلت طالبان كابول في أغسطس 2021 وسط الخروج الفوضوي للقوات المسلحة الغربية، تساءل الكثيرون عما إذا كانت قادرة على إدارة البلاد. 

وجرى الحفاظ على نوع من الاستقرار، بفضل مليارات الدولارات من المساعدات الإنسانية التي لا تزال تتدفق إلى أفغانستان.

وإلى جانب تنظيم الدولة، تريد موسكو التعاون مع حكومة طالبان في مكافحة المخدرات التي يمكن أن تصل إليها عبر دول آسيا الوسطى.

وفي حين تضخم إنتاج الأفيون مع ترسيخ طالبان لسيطرتها، انهار عندما جرى اعتماد تدابير صارمة، وهو ما أشادت به موسكو أخيرا.

علاقات اقتصادية

وبصرف النظر عن القضايا الأمنية، تعقد موسكو أيضا آمالا على تطوير العلاقات الاقتصادية مع حركة طالبان. 

وقد بدأ المسؤولون الروس مرة أخرى في الحديث عن استخدام أفغانستان كمركز عبور لتصدير الغاز الطبيعي الروسي إلى الهند، والسلع الأخرى إلى الموانئ في باكستان. 

ولكن يقول مركز كارنيغي إن هذا الأمر يتطلب بناء خط أنابيب للغاز عبر الجبال، وتمديد خط سكة حديد، الذي ينتهي حاليا في مزار شريف على الحدود الأوزبكية.

ويعتقد أن الممر الشمالي الجنوبي من روسيا إلى المحيط الهندي عبر أذربيجان وإيران لديه فرصة أن يصبح حقيقة.

 ولكن خط السكة الحديدية من أفغانستان إلى باكستان هو حلم بعيد المنال يسعى إليه الجميع في وقت واحد.

ويقول المركز إن هناك الكثير مما يظل مجهولا عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الاقتصادية بين أفغانستان وجيرانها. 

فوفقا للبنك الدولي، بلغت قيمة واردات أفغانستان 7.8 مليار دولار عام 2023 وصادراتها - 1.9 مليار دولار، وهي مبالغ ضئيلة لبلد يزيد عدد سكانه عن 40 مليون نسمة.

ويقدر مركز الأعمال الروسي في أفغانستان تجارة موسكو مع كابول بنحو مليار دولار (أكثر من خمسة أضعاف ما كانت عليه عام 2021). 

وقدم نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفرشوك رقمًا أكثر تواضعًا وهو 560 مليون دولار. 

ومن المستحيل تقييم موثوقية هذه الأرقام، ليس لأن بيانات الجمارك الروسية سرية فحسب، ولكن الكثير من التجارة مع أفغانستان تنطوي على معابر حدودية متعددة ويتم تسويتها نقدا.

ولكن البيانات الواردة من أوزبكستان، النافذة الرئيسة للعالم على أفغانستان، توفر بعض الوضوح. 

فقد بلغت تجارة أوزبكستان مع جارتها 784 مليون دولار فقط عام 2023، ومن غير المرجح إلى حد كبير أن تكون التجارة مع روسيا أعلى من ذلك.

غير أن الطرفين يسعيان لتطوير هذه العلاقات، ففي مايو 2024، زار وفد من طالبان مدينة قازان الروسية لمناقشة الاستثمار في قطاع النفط والغاز.

وإلى جانب ذلك، أعربت طالبان، نهاية سبتمبر 2024، عن رغبتها في حصول تقارب مع بريكس قبل شهر من قمة مجموعة هذه الدول في روسيا.

وقال نائب المتحدث باسم الحكومة حمد الله فترات للصحفيين إن "الدول ذات الموارد الكبيرة وأكبر الاقتصادات في العالم مرتبطة بمجموعة بريكس وخصوصا روسيا والهند والصين وهم أعضاء رئيسون".

ومن المقرر عقد قمة بريكس بين 22 و24 أكتوبر 2024 في قازان الروسية. وتضم المجموعة الدول الناشئة الكبرى: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وتوسعت لتشمل دولا في الشرق الأوسط منها إيران ومصر.

ويظل الاستثمار يشكل تحديا في أفغانستان، لأنه على الرغم من وجودها في السلطة لمدة ثلاث سنوات، لم تخلق طالبان سوى القليل من مؤسسات الدولة العاملة، وليس من الواضح حتى من يدير البلاد.

ومع ذلك، ليس لدى روسيا وكازاخستان ودول آسيا الوسطى الأخرى خيار سوى رفع القيود المفروضة على طالبان من أجل الحفاظ على أمنها وخلق فرص اقتصادية جديدة مع جيرانها، يخلص كارنيغي.