موريتانيا تنضم إلى المشاريع الإستراتيجية للمغرب بإفريقيا.. ما خلفياتها؟

“زيارة ولد الغزواني للمغرب تشكل تحولا نوعيا”
وسط ترحيب مغربي وموريتاني كبير، عبرت فعاليات من البلدين عن ارتياحهما لقرار نواكشوط الانخراط في “المشاريع الإستراتيجية” التي تقودها المغرب بشراكة مع عدد من البلدان الإفريقية.
جاء ذلك إثر استقبال العاهل المغربي محمد السادس، للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث أكد بيان صادر عن الديوان الملكي أن "اللقاء الثنائي يندرج في إطار علاقات الثقة والتعاون القوية بين البلدين، وأواصر الأخوة الصادقة بين الشعبين الشقيقين".
مشاريع إستراتيجية
وذكرت وكالة أنباء المغرب الرسمية في 20 ديسمبر/كانون الأول 2024، أن "قائدي البلدين ثمنا التطور الإيجابي الذي تعرفه الشراكة المغربية - الموريتانية في جميع المجالات".
وأضافت "كما أكدا حرصهما على تطوير مشاريع إستراتيجية للربط بين البلدين الجارين، وكذا تنسيق مساهمتهما في إطار المبادرات الملكية بإفريقيا، خاصة أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، ومبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي".
في المقابل، ذكر بيان للرئاسة الموريتانية، أن قائدي البلدين استعرضا خلال لقائهما في القصر الملكي بالدار البيضاء سبل تعزيز علاقاتهما "من خلال مشاريع جديدة تعزز التبادل والتكامل بين البلدين".
وأضافت الرئاسة الموريتانية، أن اللقاء بين الرئيس والملك محمد السادس جرى "في جو ودي، يعكس عمق ومتانة العلاقات الأخوية بين الشعبين والبلدين الشقيقين وقائديهما".
ووصل ولد الغزواني في 18 ديسمبر إلى المغرب لمتابعة الوضع الصحي لحرمه مريم بنت الداه.
جدير بالذكر أن المغرب يعتزم إطلاق مناقصات لبناء المراحل الأولى لمشروع خط أنبوب الغاز مع نيجيريا خلال عام 2025، بحسب وثيقة "خطة عمل 2025" للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن الحكومي المغربي.
ومن المرتقب أن يشمل المشروع 16 دولة إفريقية أغلبها على واجهة المحيط الأطلسي، انطلاقا من نيجيريا وصولا إلى المغرب.
وسيتم ربط المشروع بأنبوب الغاز المغربي الأوروبي، وبشبكة الغاز الأوروبية، كما ستبلغ السعة القصوى 30 مليار متر مكعب سنويا من الغاز، وستشمل المناقصات المشاريع الواقعة على أراضي المملكة.
وقد تمّ الإعلان عن هذا المشروع بين نيجيريا والمغرب عام 2016 في أبوجا، حين قام محمد السادس بزيارة رسمية إليها التقى خلالها الرئيس آنذاك محمد بخاري.
وأسهم البنك الإسلامي للتنمية وصندوق "أوبك" للتنمية الدولية في تمويل الدراسات الأولية.
وبخصوص مبادرة العاهل المغربي لتمكين دول مجموعة الساحل الإفريقي من الاستفادة من المحيط الأطلسي، فهو مشروع تصفه الرباط بـ"الإستراتيجي والواعد".
وتسعى هذه المبادرة إلى تمكين دول الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) من الدخول مباشرة إلى المحيط الأطلسي لتسويق منتجاتها، وتحقيق تنمية شاملة لمواطنيها.
واتفق وزراء دول الساحل الإفريقي في 23 ديسمبر 2023 بمدينة مراكش المغربية على إنشاء فريق عمل وطني في كل دولة لإعداد واقتراح سبل تفعيل المبادرة.
خطوة حاسمة
ويرى الباحث الأكاديمي بلال التليدي، أنه "بعد الاستقبال الملكي للرئيس الموريتاني، وتأكيده على تنسيق بلده مع المغرب في مشروع أنبوب الغاز والمبادرة الأطلسية، سقطت كليا أطروحة أن موريتانيا تشكل عقدة منشار أمام توجهات المغرب الإستراتيجية تجاه إفريقيا".
وأوضح التليدي لـ"الاستقلال"، أنه عندما أعلن المغرب عن مشروع أنبوب الغاز النيجيري-المغربي، تم الاعتراض بأربع حجج.
واسترسل، هذه الحجج هي كلفة المشروع الكبيرة بحكم مروره بـ13 دولة في غرب إفريقيا، وتعقده تقنيا، وصعوبة تمويله، والتحدي الأمني، وزاد البعض ما يسمى بعقدة موريتانيا، وهل هي جادة في هذا المشروع؟
وتابع، “لذلك انتصر المعترضون للمشروع الجزائري، بكلفته الأقل، وقصر مسافته، لمروره بدولة واحدة هي النيجر، وعدم توقفه على موريتانيا”.
وأضاف التليدي “عندما أعلن الملك محمد السادس في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 عن المبادرة الأطلسية لولوج دول الساحل إلى المحيط، تم الاعتراض بأن هذه المبادرة لا أفق لها بدون موريتانيا، وأن الأخيرة لن تقبل الانخراط في هذه المبادرة لسبب بسيط؛ لأنها لا تقبل أن يكون ثمن قوة المغرب إقليميا هو إضعافها”.
وأبرز الباحث الأكاديمي، أنه "بعد انقلاب النيجر، ودخول العلاقة بينها وبين الجزائر دائرة التوتر والخلاف، سقط مشروع أنبوب الغاز النيجيري-الجزائري، ولم يعد فوق الطاولة إلا مشروع أنبوب الغاز النيجيري-المغربي".
وقال التليدي إن "الجزائر توجد اليوم في مأزق غير مسبوق، لأن موريتانيا التي تشكل المنطقة الوحيدة المأمونة على حدودها، اختارت التنسيق مع المغرب، فسقطت بذلك خيارات الجزائر جميعا، وفي مقدمتها مغرب عربي بدون مغرب، ولم يعد لها سوى العودة لإعادة قراءة خطاب مد يد الحوار، والاستجابة السريعة له، وذلك قبل فوات الأوان".
من جانبه، قال المعارض الجزائري وليد كبير، إن نظام بلاده غاضب بشدة من الرئيس الموريتاني ولد الغزواني، ويرى أن اختيار المغرب لعلاج حرمه "السيدة الأولى" كان فقط للتغطية على زيارته المهمة التي حظي عبرها باستقبال الملك بقصره في الدار البيضاء.
وأكد كبير لـ"الاستقلال" أن الرئيس الموريتاني عبر بشكل واضح للملك محمد السادس عن نية موريتانيا تعزيز "الشراكة الإستراتيجية" مع المغرب.
ونبه إلى أن "هذا الأمر أثار صدمة حكام الجزائر، خصوصا أن الرئيس عبد المجيد تبون زار قبل أيام قليلة نواكشوط، مما يدل على عدم معرفتهم بعمق العلاقات المغربية الموريتانية".
وقال كبير إن "النظام الجزائري حاول استمالة موريتانيا بتقديم بدائل غير مجدية، على غرار إقامة منطقة تبادل حر حدودية، وإنجاز طريق "تندوف الزويرات" مقابل الذهاب إلى قطيعة مع المغرب، لكن محاولاتهم باءت بالفشل"، وفق تعبيره.
وأكد الناشط السياسي والإعلامي أن "موريتانيا رفعت خمس لاءات أمام النظام الجزائري، وهي لا لغلق معبر الكركرات الحدودي مع المغرب، ولا لأي تكتل إقليمي دون الرباط، ولا للوقوف ضد مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، ولا للوقوف ضد مبادرة المغرب لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، ثم لا لفتح سفارة البوليساريو بنواكشوط".
ورأى كبير أن "النظام الجزائري يعيش حاليا ورطة حقيقية، فكل دول الجوار تقريبا (باستثناء تونس) لم تنخرط في مخططاته الفاشلة لعزل المغرب إقليميا"، وفق تعبيره.
ودعا "النظام الجزائري إلى التكيف مع التطورات الأخيرة، والبحث عن السبل المجدية التي ترفع عنه الحرج، وتخرجه من الورطة"، مشددا على أن استمراره في نفس النهج "سيكلفه المزيد من الأخطاء".
وفي قراءته للحدث، يرى نائب رئيس حزب "الصواب" الموريتاني، أحمد ولد عبيد، أن "زيارة الرئيس ولد الغزواني إلى المغرب، وإن كانت ذات طابع خاص لعيادة السيدة الأولى لموريتانيا، فقد حملت في جوهرها رمزية سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية".
وأشار ولد عبيد لجريدة "الصحيفة" المغربية في 21 ديسمبر 2024، إلى أنها “تأتي في سياق العلاقات التاريخية العريقة بين المغرب وموريتانيا، التي تتسم بتداخل ثقافي واجتماعي عميق، فضلا عن روابط أخوية راسخة تجمع بين قيادتي البلدين”.
وأكد القيادي في الحزب الموريتاني المعارض، أن هذه الزيارة الخاصة "حققت ما يمكن عده نجاحا يتجاوز النتائج التقليدية للزيارات الرسمية بأشواط".
واسترسل: "ذلك أنها أسفرت عن دفعة قوية لمشاريع إستراتيجية محورية، أبرزها مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري، الذي يمثل شريانا اقتصاديا يمتد عبر القارة الإفريقية، ومبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي".
وشدد على أن "انخراط موريتانيا في هذه المشاريع دليل على رؤية مشتركة بين البلدين لتعزيز التكامل الإقليمي والتنمية المستدامة، مما يجعل هذه الخطوات مقدمة لبناء شراكة أكثر متانة في المستقبل".
ورأى ولد عبيد أن هذه الزيارة "لا تمثل مجرد تأكيد للعلاقات الثنائية القائمة، بل تشكل تحولا نوعيا يمكن أن يكون له تأثير عميق على مجمل العلاقات المغربية-الموريتانية".
وساطة سياسية
بعض الباحثين والمراقبين تحدثوا عن خلفيات أخرى للزيارة، وهي الوساطة بين المغرب والجزائر.
وفي هذا الصدد، قال الإعلامي الموريتاني شنوف مالوكيف، إنه "بحكم علاقته المثالية مع العاهل المغربي والرئيس الجزائري واحترامهما له، يمكن أن يكون لولد الغزواني دور فعال وإيجابي في تحسين العلاقات بين المغرب والجزائر الشقيقين".
وأضاف مالوكيف في تدوينة عبر "فيسبوك" في 20 ديسمبر، أن "أول خطوة يمكن أن تكون في هذا المجال، هي السعي إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية، وفتح الحدود والأجواء بين البلدين".
وتابع: "أتوقع أن دبلوماسية ولد الغزواني الهادئة ولكن الفعالة، تمتلك مقومات النجاح في مثل هذه المساعي".
أما المحلل السياسي محمد شقير، فقال إن الرئيس الموريتاني ربما جاء بمقترحات للوساطة بين المغرب والجزائر، والتي قد تسهم في التخفيف من حدة التوتر بينهما.
واسترسل شقير لموقع "صوت المغرب" في 21 ديسمبر، "خاصة في ظل الحديث عن إمكانية المصالحة المغاربية"، مرجحا في هذا الصدد أن تكون الجزائر قد حملت الرئيس الموريتاني مقترحات لبحث سبل إيجاد حلول للخلافات مع المغرب.
وأضاف، "لا سيما أن الجزائر أصبحت تعاني من عزلة دبلوماسية كبيرة، خصوصا بعد الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، والذي أسفر عن تداعيات كبيرة، كان آخرها استدعاء الجزائر سفيرها من فرنسا".
من جانب آخر، شدد شقير على أن "موريتانيا تسعى للحفاظ على توازن علاقاتها بين المغرب والجزائر، خاصة بعد الجدل الذي أثير حول الزيارة الأخيرة التي قام بها تبون إلى موريتانيا، والتي اعتبرها البعض محاولة من الجزائر لضم موريتانيا إلى التحالف الثلاثي مع تونس والجزائر وليبيا".
وأكد شقير أن "ما يعزز هذا الطرح هو أن موريتانيا، خلال زيارة تبون لها، كانت قد أرسلت رئيس البرلمان الموريتاني محمد ولد مكت في زيارة عمل إلى المغرب، وهو ما يعكس بحسبه سعي موريتانيا المستمر للحفاظ على هذا التوازن في العلاقات".
بدوره، يرى الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي محمد نشطاوي، أن "زيارة الرئيس الموريتاني وإن كانت ذات طابع خاص، إلا أنها تحمل في طياتها عددا من المهام".
وأوضح نشطاوي لـ"الاستقلال"، أن "أهمها حسب اعتقادي، هو وساطة ممكنة بين المغرب والجزائر، خصوصا أنه لم تمض أيام كثيرة على استقبال الرئيس ولد الغزواني لنظيره الجزائري في موريتانيا".
واستطرد: "أكيد أن السياق الجيو-إستراتيجي، وعودة دونالد ترامب إلى الحكم، وما وقع في سوريا، وتقهقر الوجود الروسي في الشرق الأوسط، يدل على أن الجزائر تحاول الخروج من عزلتها، وأكيد أن خروجها من هذه العزلة يبدأ من المغرب"، وفق تعبيره.
وسجل نشطاوي أن "الرئيس الموريتاني ربما يحمل في جعبته مبادرة للتوسط بين المغرب والجزائر بمبادرة من الأخيرة"، مشيرا إلى أن هذه الوساطة "سيتم الإبقاء عليها في الوقت الحالي طي الكتمان".
كذلك الشأن بالنسبة للأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية والجيو-سياسية، لحسن أقرطيط، والذي لم يستبعد بدوره "تحركا من نواكشوط لتهدئة الأوضاع بين الرباط والجارة الشرقية للمملكة".
وذكر أقرطيط لموقع "هسبريس" المغربي في 22 ديسمبر، أن “الوساطة ممكنة في هذا السياق، وذلك رغم غياب تأطير رسمي لهذه الزيارة، حيث لم يتم تحديد أي أجندة سياسية لها”.
وأضاف: "إلا أنه يمكن القول إنها لن تكون مجرد زيارة عادية، فهي تروم إعادة بناء قنوات جديدة للتواصل ما بين نواكشوط والرباط".
وأوضح أقرطيط أن "الزيارة تحمل إشارة يمكن عدها سياسية، بأن موريتانيا تريد الحفاظ على التوازن ما بين المغرب والجزائر، خصوصا بعد زيارة الرئيس تبون الأخيرة".