مستوطنون يدهسون كرامة الصحافة.. اعتداء وحشي على مصورة "واشنطن بوست"

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في فصل متقدم من فصول فرض السيادة الاستيطانية بالقوة العارية في الضفة الغربية، سقطت سترة "الصحافة" الواقية أرضًا، وتناثرت شظايا الكاميرا، لتتحول مهمة توثيق معاناة قاطفي الزيتون إلى مسرح لاعتداء عنيف بحق صحفية أميركية تعمل لصالح صحيفة "واشنطن بوست".

فقد تعرضت المصورة الصحفية الأميركية هايدي ليفين، العاملة لصالح صحيفة "واشنطن بوست"، لاعتداء مبرح على يد عشرات المستوطنين المقنعين في بلدة أبو فلاح شمال شرق رام الله، دون أن يشفع لها درعها الواقي أو تحميها خوذتها التي حملت بوضوح شارة "الصحافة".

وهايدي ليفين مصورة أميركية مخضرمة، يتراوح عمرها بين 63 و64 عامًا، ولها عقود من الخبرة في تغطية الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا وغيرها، وتعمل لصالح "واشنطن بوست".

وأفادت تقارير متعددة، منها الجزيرة ووكالة فرانس برس ورويترز و"واشنطن بوست"، بأن ليفين كانت تغطي أحداثًا قرب قريتي أبو فلاح وترمسعيا في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، عندما هاجم نحو 50 إلى 80 مستوطنًا ملثمًا، يحملون العصي والمقاليع، المزارعين الفلسطينيين والمتضامنين معهم.

وأضرم المستوطنون النار في أشجار الزيتون والمركبات، ورشقوا الحجارة.

وسقطت ليفين أرضًا، وانهالوا عليها بالضرب والركل لأكثر من عشر دقائق، وحطموا كاميراتها واستولوا عليها، وعلى هاتفها وحقيبتها وجواز سفرها. وساعدتها سترتها الواقية وخوذتها في تجنب إصابات أشد، فيما نقلها فلسطينيون وزملاؤها أولًا إلى عيادة محلية، ثم إلى مستشفى في رام الله.

وأظهرت الصور إصابات في ساقها ويدها، وأفادت تقارير لاحقة بوجود كسر في أحد أضلاعها وإصابات في العمود الفقري وجروح تحتاج إلى تدخل جراحي. كما أصيب فلسطينيون آخرون، بينهم عضو مجلس قروي برصاص حي في الفخذ.

وروت ليفين من سريرها في المستشفى: "فجأة هجموا عليّ، ولحسن الحظ كنت أرتدي خوذتي ودرعي الواقي من الرصاص، وبقيت ملتصقة بالأرض لأحاول حماية وجهي".

وأضافت: "واصلوا ركلي مرارًا وتكرارًا.. ربما 50 مرة، وأجبروني على النهوض ثم ركلوني مرة أخرى، واستمر ذلك لمدة لا تقل عن عشر دقائق، وأخذوا كل أغراضي.. لست بخير".

وأكدت ليفين أنها لم ترَ أحدًا يحاول إيقاف الاعتداء في البداية، وأنها كانت ترتدي علامات واضحة تدل على هويتها الصحفية، ووصفت التجربة بأنها "جنون مطلق".

وترقد المصورة الأميركية في المستشفى الاستشاري بمدينة رام الله، إثر إصابتها برضوض وكدمات وجروح في أنحاء متفرقة من جسدها.

تنديد واستنكار

وعقب وقوع الحادثة بساعات قليلة، أصدرت صحيفة "واشنطن بوست" بيانًا عاجلًا على لسان رئيس تحريرها التنفيذي مات مواري، جاء فيه: "نحن مستاؤون ومغتاظون للغاية من هذا الاعتداء البربري وغير المبرر على صحفية محترفة كانت تؤدي عملها بمهنية تامة، رغم وضوح هويتها الإعلامية".

وطالب سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإجراء تحقيق شامل وفوري، ومتابعة القضية حتى تقديم المتورطين إلى العدالة، معلنًا إدانة تعريض حياة طواقم الصحيفة للخطر.

فيما أصدرت الرابطة التي تمثل وسائل الإعلام الدولية بيانًا شديد اللهجة، أكدت فيه أن "الهجوم على هايدي ليفين وسرقة جواز سفرها ومعداتها هو جزء من سلسلة طويلة ومتصاعدة من الاعتداءات العنيفة الممنهجة التي يرتكبها المستوطنون ضد الصحفيين والمدنيين في الضفة الغربية".

وقالت إن "السلطات الإسرائيلية تتجاهل نداءاتنا المتكررة لوضع حد لهذا الانفلات الأمني، مما شجع المستوطنين على التمادي". وأدانت المنظمة الدولية الاعتداء، ووصفت ما جرى بأنه "عنف سافر".

وأضافت في بيانها: "هذه الحادثة دليل قاطع على الإفلات المطلق من العقاب الذي يتحرك في ظله المستوطنون المتطرفون في الأراضي المحتلة، وغالبًا ما يكون ذلك تحت حماية وبصر جيش الاحتلال، ونطالب بإنهاء سياسة حجب المحاسبة".

ودعت الأمم المتحدة، على لسان نائب المتحدث باسم الأمين العام فرحان حق، إلى إجراء تحقيق شامل في الواقعة، قائلًا: "نحن على علم بالوضع، ومن الواضح أن هذه حالة أخرى يتم فيها انتهاك حق الصحفي في أداء مهامه دون تعرضه للمضايقة".

وأضاف: "نريد التأكد من التحقيق الشامل في هذا الهجوم ومنع أي شكل من أشكال المضايقة ضد الصحفيين".

ودعا حق جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى حماية حقوق الصحفيين، مشيرًا إلى أنهم يناقشون هذا الموضوع مع مختلف الدول، بالتعاون مع هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الصحفيين.

بدورها، أدانت الولايات المتحدة، عبر مسؤول في خارجيتها، ما وصفته بـ"العنف الإجرامي" في الضفة الغربية المحتلة.

وقال مسؤول أميركي: "ندين أعمال العنف الإجرامية التي ترتكبها أي جهة كانت في الضفة الغربية، ونؤيد إجراء تحقيقات ملائمة وملاحقة المسؤولين عنها قضائيًا".

وأضاف: "نشعر بقلق بالغ عندما يقع مواطنون أميركيون ضحايا لأعمال عنف في الخارج، ومستعدون لتقديم الدعم القنصلي الكامل للمصورة".

وجاء هذا الموقف متناغمًا مع بيان السفارة الأميركية في القدس، التي طالبت باعتقال المتورطين وإدانتهم.

ذرائع الاحتلال

وفي محاولة أولية من الاحتلال الإسرائيلي لتخفيف الضغط الدولي، نشر جيش الاحتلال بيانًا مقتضبًا قال فيه: "إن قوات من الجيش وحرس الحدود انتشرت في المنطقة عقب ورود بلاغات عن مواجهة عنيفة بين مزارعين ومستوطنين".

وأضاف: "نؤكد إصابة صحفية أجنبية خلال هذه المواجهات، ونعلن أن ملابسات الحادثة وتفاصيلها تخضع لفحص وتحقيق دقيق".

وأصدر مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بيانًا باللغة الإنجليزية، نقلته القناة 12 الإسرائيلية، حاول من خلاله موازنة خطابه الإعلامي لإرضاء حلفائه في اليمين المتطرف، تزامنًا مع اقتراب جولة انتخابية، وجاء فيه: "تل أبيب تدين العنف، وسيجري التحقيق في تفاصيل ما وصفه بالاعتداء المفترض على الصحفية الأميركية".

وزعم البيان أن "نحو 200 عربي وناشط واجهوا قرابة 40 شابًا إسرائيليًا وتبادلوا الرشق بالمقذوفات".

واختتم نتنياهو بيانه بتشديد واضح على حماية القاعدة الاستيطانية، قائلًا: "في الوقت نفسه، لن نسمح بشيطنة المستوطنين".

خنق الحقيقة

ويرى مراقبون أن الاعتداء العنيف على المصورة الأميركية ليفين، وسرقة كاميراتها وجواز سفرها، لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا معزولًا، بل يأتي ضمن استراتيجية استيطانية وعسكرية ممنهجة تهدف إلى فرض التعتيم الإعلامي على ما يجري في ريف الضفة الغربية.

ففي مطلع أكتوبر/ تشرين الأول ذاته، تعرض مصور وكالة فرانس برس الصحفي جعفر أشتية لاعتداء مماثل من قبل المستوطنين.

ووفقًا لتوثيقات لجنة حماية الصحفيين، شهد عام 2026 وحده تسجيل ومراجعة أكثر من 16 حادثة اعتداء واستهداف مباشر، شملت ما لا يقل عن 35 صحفيًا محليًا ودوليًا في الضفة الغربية. وتنوعت الاعتداءات بين الضرب الجسدي والتهديد بالسلاح ومصادرة المعدات وتحطيمها والاعتقال والاحتجاز التعسفي.

ويسعى المستوطنون من خلال هذه الهجمات المنسقة إلى إرهاب الصحفيين الأجانب ودفع الوكالات الدولية إلى الانسحاب من مناطق التماس وبؤر قطف الزيتون، ليخلو لهم المجال لتنفيذ مخططات التهجير القسري والسيطرة على التلال، بعيدًا عن التوثيق الفوتوغرافي والتلفزيوني الذي يمكن استخدامه دليلًا على الانتهاكات أمام المحاكم الدولية.

اعتداءات أوسع

وجاء الاعتداء على الصحفية الأميركية ضمن اعتداءات عدة نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنون في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة.

وأفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، في بيان، بأنها وثقت 34 اعتداء منذ صباح الجمعة، شملت 6 محافظات بالضفة الغربية، وأدت إلى إصابة 19 شخصًا على الأقل، بينهم أطفال ونساء ومسنون وصحفيون وعاملون في طواقم الإنقاذ.

وأوضحت الهيئة أن الاعتداءات تركزت في محافظتي رام الله والبيرة وسط الضفة، بواقع 15 اعتداء، ونابلس شمالًا بـ13 اعتداء، فيما سجلت سلفيت وجنين اعتداءين في كل منهما، وطولكرم والخليل اعتداءً واحدًا في كل منهما.

وبينت أن الاعتداءات شملت مهاجمة مزارعين وقاطفي زيتون وضربهم وطردهم من أراضيهم واحتجازهم، فضلًا عن سرقة المحاصيل والمعدات وإحراق المركبات والأشجار.

وأضافت أن الاعتداءات أسفرت أيضًا عن إحراق 5 مركبات، بينها واحدة تابعة لجهاز الدفاع المدني الفلسطيني.

موسم دموي

وتصاعدت هذه الاعتداءات مع موسم قطف الزيتون السنوي الذي يمتد خلال شهري أكتوبر/ تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني، ويشكل مصدر رزق أساسيًا لآلاف العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، كما يعد ركيزة سيادية واقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية.

ومع ذلك، تحول هذا الموسم في السنوات الأخيرة إلى ذروة ما يوصف بـ"الموسم الدموي"، وبؤرة مشتعلة للمواجهات بفعل التخطيط المسبق من قبل جماعات الاستيطان المتطرفة.

ويعمد المستوطنون، المنحدرون من البؤر الاستيطانية المحيطة بالقرى، خلال هذا الموسم إلى النزول بشكل جماعي ومسلح، وإضرام النيران عمدًا في بساتين الزيتون المعمرة لمنع الفلسطينيين من جني محصولهم.

وفي هجوم أبو فلاح وترمسعيا وحده، جرى توثيق إحراق عشرات الأشجار بالكامل وتدمير وإحراق 3 مركبات فلسطينية، بينها مركبة تابعة لمتطوعي الدفاع المدني الفلسطيني، الذين تعرضوا للضرب أثناء محاولتهم إخماد الحرائق.

ولا تقتصر الاعتداءات على الحرق، بل تمتد إلى سرقة محاصيل الزيتون التي جمعها المزارعون بقوة السلاح، والاستيلاء على معدات القطاف، وتحطيم المركبات، والاعتداء الجسدي على المزارعين الأكبر سنًا والنساء والأطفال، بهدف ترهيبهم ومنعهم من العودة إلى أراضيهم المحاذية للمستوطنات.

ووفقًا لتقارير حقوقية صادرة عن منظمة "يش دين" الإسرائيلية، سُجل أكثر من 170 اعتداءً استيطانيًا منسقًا منذ بداية موسم قطف الزيتون الحالي، في الفترة الممتدة من 27 سبتمبر/ أيلول وحتى منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2026.

في حين تؤكد إحصاءات الأمم المتحدة أن اعتداءات هذا الموسم أسفرت عن مقتل مزارع فلسطيني وإصابة أكثر من 120 آخرين بجروح مختلفة في أنحاء الضفة الغربية.

طفرة استيطانية

ومنذ احتلال إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، عام 1967، أقامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مستوطنات يقيم فيها حاليًا أكثر من 500 ألف مستوطن، إلى جانب نحو 3 ملايين فلسطيني.

ورغم أن جميع هذه المستوطنات تُعد غير قانونية وتخالف مقتضيات القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، فإن السنوات الأخيرة شهدت طفرة هائلة فيما يُعرف بـ"البؤر الاستيطانية الرعوية والعشوائية" المقامة على قمم التلال.

وتُعد هذه البؤر، وعلى رأسها مجموعات "شباب التلال"، النواة الصلبة والأكثر عنفًا في شن هجمات شبه يومية منظمة ضد البلدات الفلسطينية المجاورة، بهدف محاصرة المزارعين وتهجيرهم قسريًا للاستيلاء على أراضيهم.

ويأتي الاعتداء الحالي في سياق تصاعد حاد وغير مسبوق في وتيرة عنف المستوطنين منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وقد منحت التطورات السياسية الأخيرة في البيئة الدولية والإسرائيلية غطاءً إضافيًا لهؤلاء المتطرفين؛ إذ كان من بين القرارات الأولى التي اتخذتها الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب فور عودته إلى البيت الأبيض رفع العقوبات الاقتصادية التي كانت إدارة جو بايدن قد فرضتها سابقًا على عدد من المستوطنين المتطرفين والكيانات المرتبطة بهم.

وهذا التغيير السياسي، إلى جانب وجود حكومة إسرائيلية تدعم الاستيطان علنًا ويرفض رئيسها "شيطنة المستوطنين"، خلق بيئة من الحصانة والإفلات من العقاب، دفعت المستوطنين إلى عدم التردد في ضرب الصحفيين الدوليين والاعتداء عليهم، حتى حاملي الجنسيات الأميركية، أمام كاميرات العالم وعيون جنود الجيش.

دليل وحشية

وأشعلت الصور ومقاطع الفيديو التي توثق اعتداء المستوطنين على المصورة الأميركية وسحلها موجة غضب عارمة على منصات التواصل الاجتماعي، وأبدى ناشطون ومحللون ذهولهم من الجرأة والعنف اللذين بات المستوطنون يمارسونهما.

وأشاروا، عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها #هايدي_ليفين و#رام_الله و#أبو_فلاح و#الضفة_الغربية، إلى أن المعتدين لم يكترثوا مطلقًا لكون الضحية مصورة تعمل لصالح واحدة من أكبر الصحف الأميركية، وهي "واشنطن بوست".

جريمة نكراء 

وعد علماء وإعلاميون وناشطون الاعتداء السافر والهمجي الذي تعرضت له الصحفية والمراسلة الأميركية على يد مجموعة من المستوطنين، جريمة نكراء وانتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية.

ورأروا أن هذه الجريمة دليل دامغ على أن وحشية الاستيطان بلغت مرحلة لم تعد تقيم وزناً للحلفاء الغربيين أو الرأي العام الدولي، مذكرين بأن ضرائب الشعب الأميركي تذهب لدعم الكيان المحتل المتهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة.

فرض عقوبات

وطالب ناشطون بفرض عقوبات رادعة على الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، مؤكدين أن ما حدث أكثر من مجرد اعتداء وأنه سياسة حكومة وإرهاب منظم يستدغي إجراءات حماية ومحاسبة دولية عاجلة. 

وتساءلوا عن دور الجهات المعنية بحماية الصحفيين ومحاسبة المعتدين على ناقلي الحقيقة، مؤكدين أن الهدف من استهداف المستوطنين للصحفيين هو إرهابهم ومنعهم من تغطية جرائمهم بحق الفلسطينيين في الضفة، وعدوا الهجوم جزءاً من حملة ترهيب لمنع التوثيق.

تطرف وإرهاب

وندد ناشطون بالعنف ضد المزارعين والصحفيين وتداولوا صورا ومقاطع فيديو توثق ما يتعرض له الفلسطينيينون على يد المستوطنين خاصة خلال موسم الزيتون، مع مقارنات بحالات سابقة لاعتداءات على فرق إعلامية أميركية في الضفة، ودعوات للمحاسبة.