خطاب عباس بالأمم المتحدة.. تحول حقيقي أم مجرد محاولة لاستعادة التأثير؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بينما كانت إسرائيل تتابع باهتمام خطاب رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) خطابا مسجلا قالت صحيفة "زمان" إنه "يحمل دلالات أعمق بكثير".

وزعمت الصحيفة العبرية أن عباس، "وللمرة الأولى في خطاباته أمام الأمم المتحدة، بل وفي خطاباته عموما، لم يؤكد على نحو متكرر حدود عام 1967 بوصفها حدود الدولة الفلسطينية، كما لم يذكر القدس عاصمة لفلسطين وحق العودة إلا في ختام خطابه، بوصفهما من المُسلّمات التي تُذكر عادة".

وعلى ضوء ذلك، تساءل الكاتب والمحلل السياسي الإسرائيلي بنحاس الأنباري: “هل تشير هذه الأمور إلى ما يجري خلف الكواليس في المفاوضات الدولية بشأن القضية الفلسطينية؟”

وأضاف أنه "في جميع الأحوال، تتوافق هذه الإشارات مع ما سمعناه من مصادر مقربة من أبو مازن، ومفاده وجود ندم على تشدد الفلسطينيين في المحادثات السابقة مع إسرائيل، وأن هذا التشدد كان، إلى حد كبير، سببا في عدم التوصل إلى اتفاقات حين كانت في متناول اليد"، وفق زعمه.

نهج جديد

وأردف الكاتب الإسرائيلي: "والآن، مع ترقب نتائج الانتخابات في إسرائيل، قد يكون نهج فلسطيني جديد آخذا في التبلور، بدعم من دول عربية".

واستدرك: "لكن قبل الخوض في التفاصيل، ثمة ملاحظة بشأن خطاب نتنياهو، فقد دافع عن إسرائيل التي يعمل هو نفسه على تدميرها، مقدما إياها دولة عادلة وديمقراطية وأخلاقية، تدافع عن قيم الغرب في مواجهة (البرابرة)".

وبعبارة أخرى، "يدرك نتنياهو جيدا أن إسرائيل التي يصفها، بوصفها دولة ديمقراطية تدافع عن قيم الغرب، تكاد لم تعد موجودة، ومع ذلك يواصل تقديم هذه الصورة باعتبارها مصدر الحماية والشرعية لإسرائيل".

وعلق الكاتب: "هل تأتي الحملة الانتخابية قبل كل شيء، لقد تحدث عن نموذج يشبه أثينا بما ترمز إليه من ديمقراطية وقيم مدنية، لكنه يبني في الواقع نموذج إسبرطة القائم على العسكرة والقوة".

وأضاف: "ينبغي أن يثير مشهد مندوبي الجمعية العامة للأمم المتحدة وهم يغادرون القاعة بالتزامن مع صعود نتنياهو إلى المنصة، ثم توجيهه الإهانات إليهم أثناء مغادرتهم، قلق كل مواطن إسرائيلي".

وعزا ذلك قائلا: "فقد أُنشئت إسرائيل بقرار من الجمعية العامة، وحتى الآن حال الفيتو الأميركي دون فرض عقوبات قاصمة عليها، لكن هذا الفيتو ليس مضمونا إلى الأبد".

ولفت إلى سابقة خطيرة مشيرا إلى أنه "في ديسمبر/ كانون الأول 2016، امتنع الرئيس الأميركي باراك أوباما عن استخدام حق النقض، ما سمح بتمرير القرار 2334 في مجلس الأمن ضد المستوطنات".

ومن ثم، نوَّه إلى أن "أي رئيس أميركي يفقد صبره تجاه إسرائيل بقيادة نتنياهو قد يكرر هذا السيناريو، لكن هذه المرة لن يقتصر الأمر على قضية المستوطنات".

واستطرد: "إن تحويل الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى استوديو لحشد مؤيديه ومهاجمة خصومه، على طريقة البرامج الموجهة لجمهوره السياسي في "القناة 14 الإسرائيلية" قد يقرب هذا اليوم".

واسترسل: "وحتى من دون ذلك، فإن بريطانيا "المعادية للسامية" باتت قريبة من فرض عقوباتها الخاصة، فيما يدفع استفزاز دول العالم إسرائيل نحو المسار الذي سلكته جنوب إفريقيا، أو نحو إسبرطة نتنياهو".

وعقّب الكاتب: "إن انتهاج سياسة الشتم والتحقير الدبلوماسي ليست وليدة اللحظة؛ فقد سبق أن وجه يائير نتنياهو شتائم بذيئة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما وصف بريطانيا بأنها "معادية للسامية"، إلى جانب أمثلة أخرى مماثلة".

وأضاف محذار: "في الوقت الراهن، لا يزال العالم يميز بين إسرائيل ونتنياهو، لكن إذا اختار الإسرائيليون نتنياهو مجددا بعد شهر، فسوف ينهار هذا الحاجز: ستصبح إسرائيل هي نتنياهو، وسيصبح نتنياهو هو إسرائيل".

اتجاه معاكس

بالعودة إلى حديث أبو مازن، يقدر الكاتب أن "ما لم يقله لا يقلّ أهمية عما قاله، فقد اختفت صيغة "دولة فلسطينية على حدود عام 1967"، وحل محلها الحديث عن حل الدولتين "على أساس الشرعية الدولية"، كما ذكر القدس الشرقية عدة مرات من دون وصفها بأنها "عاصمتنا الأبدية"، ولم تظهر صيغة "دولة عاصمتها القدس الشرقية" إلا في الفقرة الختامية".

ومن هنا، تساءل: "هل يتبلور توافق عربي بشأن القدس، في وقت تكافح فيه منظمة التحرير الفلسطينية للحفاظ على موقعها؟ ففي عام 2018، رفض عباس من على منصة الأمم المتحدة فكرة إقامة العاصمة الفلسطينية في أبو ديس (بلدة فلسطينية تقع في الضفة الغربية وتبعد عن مركز مدينة القدس حوالي 4 كيلومترات شرقا)، فهل تعود هذه الفكرة الآن؟"

علاوة على ذلك، زعم المقال أنه "جرى تهميش حق العودة، فرغم أن عباس ارتدى دبوس "مفتاح العودة"، وتحدث مطولا عن النكبة، ودافع عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، فإن عودة اللاجئين غابت تحديدا عن هذا الجزء من الخطاب، ولم تظهر سوى مرة واحدة في نهايته بصيغة أقرب إلى العبارة البروتوكولية، وهي (وفقا للقرار 194)".

وعلى أرض الواقع، يرى الكاتب أن "مخيمات اللاجئين لم تعد قائمة بصورتها السابقة، ففي سوريا دمرت الحرب المخيمات، وفي غزة شاهدنا ما حل بها، وفي شمال الضفة الغربية دمرت إسرائيل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، أما في لبنان فقد طالب الرئيس جوزيف عون بنزع سلاح المخيمات، ووافق عباس على ذلك".

ومن ثم يعتقد أن "المطالبة بإعادة الأونروا إلى مكانتها السابقة لن تتحقق؛ لأنها تتعارض مع إقرار إقليمي بأن حق العودة، بمعناه الأصلي، وصل إلى نهايته". على حد قوله.

وتابع: "أيضا، قال عباس: إن الفلسطينيين وحدهم هم من سيقررون مستقبلهم، لكنه أكد في الوقت نفسه أن السلام سيفتح الطريق أمام الاندماج الإقليمي".

الأمر الذي زعم المقال أنه يعني أن "التسوية ستندرج ضمن إطار التطبيع المتوقع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، فيما يطالب عباس بأخذ موقفه في الحسبان، خلافا لما حدث في ترتيبات "اليوم التالي" في غزة".

ووفق وجهة نظره، "فإن جاء خطاب عباس المشدد على أن الفلسطينيين وحدهم هم من سيقررون مستقبلهم، جاء في وقت يجري فيه، في حالة غزة، نقل قضايا الحدود والقدس واللاجئين إلى "مجلس السلام"، بعدما كانت تعد تقليديا من ملفات الحل النهائي التي يفترض أن تحسم عبر مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين".

وهو ما عدّه "يثير تساؤلا بشأن ما إذا كان الاتجاه نفسه سيمتد إلى الضفة الغربية، بحيث تصبح هذه القضايا جزءا من تسوية دولية أو إقليمية أوسع بدلا من بقائها في إطار التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي المباشر".

بالإضافة إلى ذلك، لفت الكاتب إلى أن "عباس ميز بين إسرائيل وحكومتها، فطالب بفرض عقوبات على المستوطنين وتوفير حماية دولية من اعتداءاتهم، لا من إسرائيل نفسها، ولا حتى من (الاحتلال)".

وأردف: "وهو التوجه نفسه الذي ظهر في إشادته ببريطانيا والدول الـ12 الغربية التي حظرت استيراد منتجات المستوطنات، من دون توسيع الإجراءات لتشمل إسرائيل ككل".

واستطرد: "والأكثر أهمية من ذلك أنه أعلن رغبته في إقامة دولة (منزوعة السلاح، تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل)".

وعليه، يرى أن "من يخوّف الإسرائيليين من "جيش لمنظمة التحرير سيقلب فوهات بنادقه" سيضطر إلى البحث عن تهديد آخر".

طرف مؤثر

ونوّه المقال إلى شيء آخر، قائلا: "في مقابل نتنياهو، الذي لم يذكر "اتفاقيات أبراهام" في خطابه للمرة الأولى منذ سنوات، وتجاهل خطة الرئيس دونالد ترامب بشأن غزة، أيد عباس الخطة وبرامج مجلس السلام المتعلقة بالقطاع، شريطة ربطها بحل في الضفة الغربية والقدس الشرقية، كما أكد أنه نفذ مطالب الإصلاح، ولذلك ينبغي الإفراج عن 6 مليارات دولار تحتجزها إسرائيل".

غير أن الكاتب "يضع علامة استفهام على ادعاء عباس بأنه نفذ مطالب الإصلاح؛ إذ لم تقتنع الدول المانحة بذلك؛ حيث بررت مساعدات الطوارئ التي قدمتها للسلطة الفلسطينية بالحصار المالي الذي فرضه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على موازنتها، وليس باقتناعها بأن الإصلاحات المطلوبة قد نفذت".

وأشار إلى أن "أكثر ما يثير استغرابه هو حديث عباس عن إصلاح المناهج الدراسية (بالتعاون مع اليونسكو)".

وعزا ذلك إلى أن "مشاركة المنظمة لم تبدأ سوى في أبريل/ نيسان 2026، فيما لم تتغير الكتب المدرسية التابعة للسلطة الفلسطينية حتى الآن، ولا تزال التغيرات لا تستوفي المتطلبات التي تطالب بها الدول المانحة".

بصورة أوضح، "تعهد عباس في خطابه عام 2025 بمواءمة المناهج مع معايير اليونسكو خلال عامين، لكن هذه العملية بالكاد بدأت، ولذلك لا يمكن وصفها بأنها (إصلاحا مكتملا)".

في المحصلة، يرى الكاتب أنه "بينما يدفع نتنياهو مندوبي دول العالم إلى مغادرة قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة ويوجه إليهم الإهانات، يتحدّث عباس باللغة التي يريد العالم سماعها".

وتابع: "وإذا كانت هناك بالفعل مقاربة فلسطينية جديدة تتبلور خلف الكواليس، فسوف يتضح ذلك بعد الانتخابات الإسرائيلية، أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فسيتبين أن الخطاب كتب بالأساس من أجل الجهات المانحة التي تطالب بالإصلاح وإجراء الانتخابات".

"وهو ما يطرح تساؤلا بشأن ما إذا كان الخطاب والانتخابات يستهدفان الغاية نفسها، وهي إعادة جعل السلطة الفلسطينية طرفا ذا صلة وتأثير"، قال الكاتب.

وأكمل: "المفارقة المحزنة بالنسبة إلينا، هي أن عباس يسعى إلى استعادة أهميته، بينما نتخلى نحن عن أهميتنا، وفي هذه المرحلة الانتقالية نجد أنفسنا نحن والفلسطينيين في الوضع نفسه، فنحن وهم لم نعد أطرافا ذات صلة".