لم تنته أزمته.. لماذا يصعب عودة آلية العمل في معبر رفح إلى ما قبل 7 أكتوبر؟

حسن عبود | منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

لأول مرة منذ مايو/أيار 2024، أعيد فتح معبر رفح، الشريان الوحيد لقطاع غزة إلى العالم الخارجي، في خطوة ذات أهمية كبيرة لأكثر من مليوني فلسطيني ذاقوا كل أنواع الجحيم على مدار 15 شهرا.

وغادر قطاعَ غزة مطلع فبراير/شباط 2025، أول دفعة من المرضى والجرحى عبر معبر رفح الحدودي مع مصر، متوجهة إلى القاهرة للعلاج، ضمن تفاهمات اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير/ كانون الثاني 2025.

وحال احتلال إسرائيل المعبر الذي يعد رئة الفلسطينيين إلى الخارج، دون تمكن آلاف الأفراد العاديين والجرحى والمرضى من السفر لتلقي العلاج.

لكن إعادة فتحه لا تعني انتهاء أزمة هذا الممر الحيوي والإستراتيجي بالنسبة لغزة وإسرائيل ومصر على حد سواء.

أزمة ممتدة

وفي خضم سنوات طويلة من الحصار الإسرائيلي الذي أعقب تولي حركة المقاومة الإسلامية حماس الحكم في القطاع الساحلي عام 2007، كان معبر رفح، وما يزال المنفذ الوحيد من غزة إلى العالم، دون تحكم إسرائيلي.

فقد غادرت قوات الاحتلال القطاع وفككت مستوطناتها فيه عام 2005، غير أنها كانت تمني نفسها بالبقاء فيه والعودة إليه من خلال العدوان الأخير الذي أعقب عملية طوفان الأقصى.

لكن جميع مخططاتها باحتلال القطاع وتهجير أهله باءت بالفشل أمام صمود السكان وتحت ضربات المقاومة وكذلك ضغط المجتمع الصهيوني الذي يطالب بالإفراج عن أسراها، ما دفع حكومة الاحتلال أخيرا لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

ومنذ بدء سنوات الحصار، لم يكن متاحا للكثير من الفلسطينيين السفر حتى عبر معبر رفح بسبب الأوضاع المادية أو الرفض المصري أو الإغلاقات المتكررة، لكن الاحتمال كان موجوداً على الأقل.

ورغم أن مصر أغلقت المعبر بشكل متكرر منذ عام 2007، مما زاد من عزلة القطاع، فإن الحال الذي شهده هذا المنفذ خلال العدوان لم يسبق له مثيل.

فقد اختلف الأمر تماما مع بداية العدوان، حيث استطاع الخروج فقط جزء من حملة جوازات السفر المزدوجة والعاملين مع منظمات أجنبية أو من لديهم القدرة المالية.

وكانت مصر تطلب 5000 دولار على كل بالغ و2500 دولار على الأطفال، ممن يريدون الخروج، في ابتزاز لم يسبق له مثيل عبر شركة هلا.

و"هلا" من شركات عدة يمتلكها رجل الأعمال المصري إبراهيم العرجاني الذي تحول إلى قائد مليشيا تسمى "اتحاد قبائل سيناء" تخضع لإشراف الجيش والمخابرات العامة.

ويلقب العرجاني بـ "غول سيناء" وحديثا تم تلقيبه بمسمى جديد هو "ملك المعبر"، بسبب نفوذه الفريد على شبه الجزيرة ونقطة الدخول والخروج الوحيدة إلى غزة.

وتأسست شركة "هلا" عام 2019 لتقديم خدمة نقل مميزة VIP من غزة إلى مصر، بتكلفة بين 350 دولارا و1200 دولار، والتي ارتفعت إلى 5000 وأكثر بعد الحرب.

وبسبب هذه الخدمة تمكن من استفادوا منها من تجنب الانتظار الطويل للحصول على الموافقة، وعناء رحلة شاقة تمتد بين يوم وثلاثة أيام عبر شبه جزيرة سيناء للوصول إلى القاهرة يتخللها عدة نقاط تفتيش. 

فضلا عن ذلك، ورغم إدارة السلطات المصرية لهذا المعبر، فإن حكومة الاحتلال تتحكم به وبآلية عمله وبالداخلين والخارجين عبره بشكل كبير، وفق ما أظهرت أحداث ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وجرى تشديد الحصار المصري - الإسرائيلي على القطاع، بعد العملية التي نفذتها حركة "حماس" في 7 أكتوبر بالمستوطنات المحاذية لغزة.

وكشفت أحداث 7 أكتوبر بشكل متزايد عن حجم التحكم الإسرائيلي بالمعبر المصري الفلسطيني ومدى تغول نظام عبد الفتاح السيسي على الفلسطينيين الراغبين بالسفر من خلاله.

فمنذ إطلاق عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر، أغلق النظام المصري معبر رفح أمام الأفراد والبضائع، باستثناء من يريد دفع الأموال.

وهو خيار لم يكن متاحا أيضا بالسرعة المطلوبة، حيث كان على الآلاف الانتظار حتى يأتي دورهم ضمن الكشوفات اليومية للمسافرين.

وفي خضم مجاعة وحالة إنسانية حرجة كان يتعرض لها قطاع غزة، صرح وزير الخارجية السابق سامح شكري ووزير الصحة خالد عبد الغفار في تصريحين منفصلين أن القاهرة لم تحصل على الإذن (الإسرائيلي) لإدخال المساعدات وإخراج الجرحى.

وكان من الغريب إعلان الرئيس الأميركي السابق جو بايدن أكثر من مرة عن فتح معبر رفح إلى درجة تساءل فيها كثيرون عن دور مصر هنا، ليصفوا السيسي بأنه مجرد "بواب".

وقبل اجتياحه، قصفت طائرات الاحتلال بوابة معبر رفح أكثر من مرة مما أدى إلى تضرره من الجانبين، في خطوة لم ترد عليها مصر حتى بالاستنكار.

وبعد اجتياح مدينة رفح ومحيطها في 6 مايو، ظلت الحدود مغلقة حتى في وجه حالات الإجلاء الطبي الأكثر إلحاحا، وحتى من يريدون دفع المال من أجل النجاة أيضا.

الوضع الجديد

وفي الوضع الجديد، أي بعد وقف إطلاق النار، تنص ملاحق الاتفاق على السماح بمرور 50 جريحا يوميا برفقة ثلاثة أشخاص، على أن يتطلب كل عبور تصريحا إسرائيليا ومصريا.

لكن شهدت بعض الأيام التي تلت افتتاحه خروج أقل من هذا العدد، وكذلك حديث عن تأجيل سفر دفعة 4 فبراير من مرضى قطاع غزة عبر المعبر، نتيجة مماطلة جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وكشف مصدر مسؤول في معبر رفح البري لـ"العربي الجديد"، أن المعتاد أن ترسل سلطات الاحتلال الإسرائيلي كشفا بأسماء الأشخاص المسموح لهم بمغادرة القطاع قبل 24 ساعة من موعد السفر، بهدف التواصل معهم وتهيئتهم لذلك.

وأضاف أن الجهات الإسرائيلية لم ترسل كشف السفر حتى صباح 4 فبراير، بما يحول دون القدرة على تسهيل سفر أي مسافر خلال نهار اليوم. 

وأشار إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قلّصت عدد المسموح لهم بمغادرة غزة إلى ما دون 50 مريضا، مع الاكتفاء بمرافق واحد لكل مريض، حتى لو كان باقي المرافقين أطفالا دون سن السادسة.

ووسط حالة من الضبابية وغياب الالتزام الإسرائيلي، قال القيادي في حماس أسامة حمدان في 3 فبراير 2025: إن المعبر يعمل حاليا وفقا لاتفاقية 2005، وهو مخصص للحالات الإنسانية، فيما سيعمل لبقية الحالات وعودة العالقين خلال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.

وهو ما أكده محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي سبق وقال: إن "معبر رفح سيدار وفقا لاتفاق المعابر عام 2005، هذا كل شيء".

وفي 2005 افتتح معبر رفح بعد 3 أشهر على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وفق اتفاق مع تل أبيب يقضي بوجود مراقبين دوليين عليه، إلى جانب مسؤولين فلسطينيين ودون وجود أمني إسرائيلي.

وبناء على الاتفاق “يراقب ضباط أمن فلسطينيون وإسرائيليون الحركة على المعبر بواسطة كاميرات من غرفة تحكم عن بعد، يديرها مراقبون من الاتحاد الأوروبي”.

وجرى تعليق عمل بعثة الاتحاد الأوروبي بعد سيطرة حركة "حماس" على غزة عام 2007، لكنها عادت اليوم ضمن الاتفاق الجديد.

وأعلن الاتحاد الأوروبي، في 31 يناير 2025، استئناف عمل بعثته المدنية في معبر رفح الحدودي.

وفي منشور عبر منصة إكس، قالت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس: "أوروبا هنا للمساعدة، وتنتشر بعثة الحدود المدنية التابعة للتكتل في معبر رفح بناء على طلب الفلسطينيين والإسرائيليين".

ووفقا لكالاس، فإن البعثة "ستدعم موظفي الحدود الفلسطينيين، وتسمح بنقل من يحتاجون لرعاية طبية إلى خارج قطاع غزة".

وضمن الاتفاق، أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي، في 31 يناير، انسحاب قوات الجيش من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، وبقائها في محيطه، بمحور فيلادلفيا الحدودي.

وقالت الإذاعة نقلا عن مصدر أمني لم تسمه، إنه بحسب اتفاق وقف إطلاق النار، فإنه جرى تسليم المعبر إلى قوة دولية من الاتحاد الأوروبي وفلسطينيين "ليسوا أعضاء في حماس، وكذلك قوة من الجانب المصري".

وأضاف أن "الفلسطينيين الموجودين على المعبر ينتمون لحركة (التحرير الوطني) فتح والسلطة الفلسطينية، وأن دورهم يقتصر على ختم تصاريح الخروج من غزة".

وعلى الرغم من عدم وجود إسرائيل في المعبر، فإن الجهات الأخرى فيه لا تسمح بخروج أي شخص دون موافقة سلطات الاحتلال.

وقال مراسل إذاعة الجيش دورن قادوش في منشور عبر حسابه بمنصة إكس، إن جميع المغادرين (سواء الجرحى ومرافقوهم) يجب أن يخضعوا لتشخيص أولي من قبل جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك”، وكذلك موافقة مصرية.

ولدى أجهزة الأمن والمخابرات المصرية قائمة طويلة بآلاف الفلسطينيين الممنوعين من السفر من قطاع غزة، على خلفية انتماءاتهم السياسية.

وعن آلية العمل فيه، أشار قادوش إلى أن "الوسطاء سينقلون الأسماء إلى إسرائيل لغرض فحصهم، حتى يحدد الشاباك من يمكن خروجه من القطاع، وكذلك مع موافقة القاهرة على ذلك، على أن يتم تسليم القائمة النهائية إلى العاملين على المعبر نفسه".

مستقبل المعبر

ويشير العديد من المعطيات إلى عدم وضوح مستقبل معبر رفح، أبرزها تضارب المعلومات القادمة من إسرائيل بشأن من يديره من الفلسطينيين، وما يرتبط بذلك بسؤال: من يحكم قطاع غزة؟

وكذلك غياب أي سياسة مصرية واضحة بشأن التعامل مع المعبر، في ظل التحكم الإسرائيلي الكامل والتخوفات من عودة الابتزاز المصري بالمال مقابل الخروج حال استمرار حكم حماس.

وترفض إسرائيل السماح لحماس باستئناف إدارة المعبر، متهمة إياها بتهريب الأسلحة عبر الأنفاق تحت الحدود، على الرغم من النفي الفلسطيني والمصري، حيث تقول القاهرة إنها دمرت تلك الممرات الأرضية من جانبها وأوقفت التهريب منذ سنوات. 

وكشفت صحيفة يديعوت أحرونوت أن معبر رفح يُدار بالتعاون مع مسؤولين في السلطة الفلسطينية، على عكس تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرافضة لأي دور للأخيرة في قطاع غزة.

وقالت الصحيفة في تقرير استقصائي: إن مسؤولين كبارا من السلطة يديرون المعبر بالتعاون مع قوة أوروبية خاصة، ومع مسؤولين أمنيين مصريين يساعدون في تأمين الموقع، في حين تتولى إسرائيل الموافقة على من سيتمكن من الخروج منه.

وأوردت الصحيفة تصريحات للناطق الرسمي باسم شرطة السلطة، العقيد لؤي ارزيقات أنه "تم تعيين فارس الريفي لإدارة مركز الشرطة الذي سيقام في معبر رفح".

وأضاف أن الريفي من سكان مدينة غزة، وكان ضابط شرطة في وسط قطاع غزة نيابة عن السلطة الفلسطينية.

وهو حاصل على درجة البكالوريوس في القانون ودبلوم عال في علوم الشرطة من أكاديمية الشرطة باليمن، ويعد من أعضاء حركة فتح في غزة.

وخلافا لنفي مكتب نتنياهو، قالت الصحيفة إن القوة الفلسطينية المتمركزة في الموقع تضم 7 من رجال الشرطة وشرطيتين، وجميعهم كانوا يعملون في السابق لصالح السلطة في المعابر الحدودية لقطاع غزة، ويعودون الآن إلى الدور نفسه.

وكشفت الصحيفة أن السلطة الفلسطينية بدأت بالفعل استعدادات للسيطرة على المعبر خلال يناير، وذلك على الرغم من رفض نتنياهو حكمها لقطاع غزة واتهامها برعاية الإرهاب.

وحضر رئيس سلطة المعابر التابعة لها نظمي مهنا، ونائب المدير العام لوزارة الشؤون المدنية أيمن قنديل، لقاءات مكثفة مع مسؤولين أمنيين مصريين من أجل فتح وإدارة معبر رفح.

ونقلت يديعوت أحرونوت عن مسؤول فلسطيني رفيع المستوى أنه صدرت تعليمات للسلطة الفلسطينية بعدم ذكر الإدارة والإجراءات الجديدة في معبر رفح حتى لا تزعج إسرائيل.

وجاء ذلك بينما قالت صحيفة "ميدل إيست" البريطانية: إن السلطة الفلسطينية عرضت خطتها للسيطرة على قطاع غزة، وأبدت استعدادها للاشتباك وقتال حماس بغزة.

ويقول عقيد متقاعد في سلطة عباس من غزة لـ"الاستقلال" رافضا الكشف عن هويته، إن سيطرة الأخيرة على معبر رفح بجانب وجود بعثة أوروبية، ستحل ملفه بالكامل، لكن هذا الأمر يصطدم بعقبتين.

الأولى تعنت نتنياهو ورفضه العلني لدور السلطة وكذلك غياب دور القاهرة الضاغط، حيث بات الاحتلال يتحكم بالمعبر من الجهة الفلسطينية “وكأنه إسرائيلي مصري”.

واستذكر العقيد السابق الذي تقاعد بعد سيطرة حماس على غزة فترة وجود البعثة الأوروبية قبل عام 2007، حيث كان المعبر يعمل بانتظام.

ولفت إلى أن الحل الوحيد لقطع الطريق أمام خطط نتنياهو لعرقلة المرحلة الثانية والثالثة من صفقة التبادل، يكمن في عقد اتفاق سريع وجدي بين حماس والسلطة الفلسطينية من أجل المصالحة وإنهاء الانقسام.

واستبعد نجاح الوضع الحالي في إدارة المعبر على المدى البعيد، “فلا يمكن للسلطة أن تستمر في أداء هذا الدور على الحدود دون أي قوة فعلية لها بقطاع غزة”.

ورأى أن مستقبل المعبر لن يتضح بشكل كامل قبل استكمال المراحل الثلاث لاتفاق وقف إطلاق النار ودخول غزة إلى بر الأمان وانتهاء التهديدات المتكررة بعودة الحرب، وما يرتبط بذلك من مناقشات محتملة مع السلطة.

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية، في 10 أغسطس/آب 2024، نقلا عن مصادر مطلعة، بأن مباحثات "مهمة" تجرى بين نظام مصر والسلطة الفلسطينية تقضي بسيطرة الأخيرة على المعبر.

وفي هذا السياق، عُقد وقتها لقاء بين رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية الفلسطينية حسين الشيخ، المقرب من الرئيس الفلسطيني محمود عباس وممثل مصر الموجود في رام الله.

وأوضحت هيئة البث الإسرائيلية، أن الشيخ وممثل مصر في رام الله، "رسما المخطط بدعم كبير وقوي من مصر والولايات المتحدة".

كما أن الهدف المصري منه هو أن يصل ممثلو السلطة إلى غزة بشكل رسمي وواضح، دون أي هوية غير معروفة أو غير واضحة.

وذكرت أن “الخطة المصرية تقضي بأن يكون المعبر هو الخطوة الأولى لعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة”.