علاقات روسيا مع سوريا الجديدة.. إعادة تموضع بضوابط مختلفة

"روسيا ببساطة تحتاج إلى أن تضمن مصالحها في سوريا"
عادت روسيا لإعطاء إشارات جديدة بشأن رغبتها في إعادة تشكيل علاقة "إيجابية" مع الدولة السورية الجديدة التي تريد تحديد شكل التعاون مع موسكو عقب سقوط نظام بشار الأسد.
فبعد هروب الأسد إلى روسيا وسقوط نظامه في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، حاولت موسكو إعادة ترتيب حضورها العسكري في سوريا مع القيادة الجديدة للبلاد.
إذ التقى الرئيس السوري أحمد الشرع في 29 يناير/كانون الثاني 2025 وفدا روسيا برئاسة ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية، وذلك في أول زيارة لدمشق منذ سقوط الأسد الذي دعمته موسكو عسكريا على مدى عقد من الزمن ومنحته حق اللجوء الإنساني لديها.
كما أجرى الشرع مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين مكالمة هاتفية، في 12 فبراير/شباط 2025 في أول تواصل بينهما منذ سقوط الأسد.
وقال الكرملين في بيان حينها: إن بوتين تمنى للشرع النجاح في خوض المهمات التي تواجه القيادة الجديدة للبلاد، لصالح الشعب السوري "الذي تربطه بروسيا علاقات صداقة وتعاون مفيد متبادل على مر التاريخ".

مؤشرات جديدة
وتعد القواعد الروسية بسوريا التي أعطت للكرملين نفوذا على البحر المتوسط ومنه إلى شمال إفريقيا، الملف الأساسي الذي سيحدد طبيعة العلاقة المستقبلية بين دمشق وموسكو.
وتسعى روسيا حاليا للحفاظ على الوضع القانوني لقاعدتها الجوية في حميميم بريف اللاذقية والقاعدة البحرية في طرطوس، وهما القاعدتان العسكريتان الوحيدتان لموسكو خارج الاتحاد السوفييتي السابق، بما يضمن استمرار عملها وفقا للاتفاقيات المبرمة مع نظام الأسد المخلوع.
وبدا جليا أن سقوط نظام بشار الأسد أضر برغبة الكرملين بأن تكون سوريا جزءا من الصورة الأوسع لإعادة رسم هيمنة روسيا في الشرق الأوسط وأوروبا، منذ أن قررت موسكو نهاية سبتمبر/ أيلول 2015 دعمه عسكريا في قمع ثورة السوريين.
لكن بينما تخوض روسيا “مناقشات غير سهلة” وفق المراقبين مع الدولة السورية الجديدة كي تضمن مصالحها في هذا البلد، حاول فلول نظام بشار الأسد في 6 مارس 2025 عزل الساحل السوري، وتهديد الانتقال السياسي في البلاد.
وقد وجهت اتهامات إلى روسيا بدعم حالة التمرد التي وقعت في الساحل السوري حينما هاجم ضباط وعناصر ومليشيات تتبع نظام الأسد المخلوع، في 6 مارس 2025 دوريات الأمن التابعة للدولة السورية الجديدة بمحافظتي طرطوس واللاذقية على البحر الأبيض المتوسط.
إلا أن وزارتي الداخلية السورية والدفاع تمكنتا من إفشال حالة التمرد وقتل واعتقال العشرات من عناصر النظام البائد وفرض الأمن في جميع أنحاء محافظتي طرطوس واللاذقية بأقل من 24 ساعة.
وآنذاك لجأ العشرات من الأشخاص والعوائل من الطائفة العلوية التي ينحدر منها بشار الأسد، إلى قاعدة حميميم الروسية، وعمدت موسكو على تقديم الخيم لهم والطعام والشراب.
وقد رفع أفراد من الطائفة العلوية لافتات داخل قاعدة حميميم طالبوا فيها "بحماية دولية لهم"، بينما ردد آخرون هتافات تؤيد نظام الأسد البائد.
إلا أن إدارة قاعدة حميميم الروسية حثت العوائل في منتصف مارس 2025 على العودة لمنازلهم في طرطوس واللاذقية بعدما تكفلت الدولة السورية بحمايتهم من أي اعتداء ونشرت عناصر أمنية مهمتها التواصل مع الأهالي وتسجيل أسماء الراغبين في العودة لنقلهم إلى مناطقهم.
وعقب أحداث الساحل، وصلت ناقلة النفط "أكواتيكا"، التي تحمل نحو 100 ألف طن من النفط الروسي، إلى ميناء بانياس بمحافظة طرطوس وذلك للمرة الأولى، حسبما أفادت بيانات من شركة "LSEG" (مجموعة بورصة لندن) ومصدر حكومي سوري لوكالة رويترز البريطانية في 21 مارس 2025.
وسبق ذلك تسليم روسيا أول شحنة ديزل إلى سوريا منذ أكثر من عشر سنوات.
كما أرسلت روسيا الناقلة الثانية، "سكينة"، إلى ميناء بانياس، محملة بشحنة مماثلة من النفط تقدر بـ 100 ألف طن، ويتوقع أن تصل إلى الساحل السوري في 25 مارس وفقا لبيانات "LSEG".
وبحسب مشروع "أوسنت تانكر تراكرز"، الذي يتتبع شحنات النفط العالمية، فإن تسليم النفط الروسي لسوريا والذي سيشمل سفينة إضافية "تحمل مليون برميل من النفط الخام" لم يعد مجرد عملية اقتصادية.
بل أصبح جزءا من إستراتيجية تهدف روسيا من خلالها إلى الحفاظ على نفوذها ووجودها العسكري في سوريا.

جملة دوافع
وقد تزامن ذلك، مع إرسال بوتين، في 20 مارس 2025 رسالة إلى الشرع أكد فيها استعداد موسكو لتطوير التعاون مع القيادة السورية، وفق ما ذكرت وكالة تاس الروسية للأنباء.
وقال الكرملين: إن بوتين أكد في رسالته للشرع دعم روسيا لجهود القيادة السورية الرامية لتحقيق الاستقرار بالبلاد في أقرب وقت ممكن.
ونقلت الوكالة عن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قوله إن بوتين أكد "استعداد روسيا الدائم لتطوير التعاون العملي مع القيادة السورية في مختلف القضايا المدرجة على جدول الأعمال الثنائي بهدف تعزيز العلاقات الروسية السورية التي طالما كانت ودية".
وضمن هذا السياق، أكد الباحث في مركز "جسور" للدراسات، وائل علوان لـ "الاستقلال" أن هناك "دوافع كثيرة تدعو روسيا إلى إرسال رسائل طمأنة وبوادر حسن نية إلى الدولة السورية الجديدة خاصة في ظل وجود معلومات عن دعم روسي لتحرك فلول الأسد في الساحل أخيرا.
وبالتالي يتوقع عن أن يكون لدى دمشق ردة فعل سلبية تجاه استمرار القواعد الروسية في البلاد التي توفر لموسكو هيمنة كتلك التي يحظى بها حلف شمال الأطلسي “الناتو” في البحر الأبيض المتوسط.
وأضاف علوان أن “تموضع روسيا في القاعدة البحرية في طرطوس أمر حيوي ومهم جدا بالنسبة لها، ولهذا كان من المستغرب من موسكو أن تكون متورطة في دعم فلول الأسد وألا تكون متعاونة مع الدولة السورية الجديدة في القضاء على أي تمرد”.
وأكد أنه "من مصلحة روسيا إستراتيجيا أن تبني علاقة مع الحكومة الشرعية في دمشق لا أن تكون هناك فوضى في سوريا أو أن يجرى تقسيمها كما يريد الفلول وإيران".
واستدرك “ربما أدركت روسيا أنها لم تكن في الاتجاه الصحيح ولم تقدم التصرف الذي يناسب مصالحها في سوريا، ولهذا من المتوقع ان تبادر بمبادرات حسن نية وترسل رسائل إيجابية للدولة السورية الجديدة كي تبني عليها مفاوضات بقاء مصالحها ضمن الساحل السوري”.
و"خاصة أن دعم الفلول قد يترك أثرا سلبيا على مستوى العلاقة بين سوريا الجديدة وروسيا"، وفق تقديره.

مصالح متبادلة
وأمام ذلك، يبقى لدى سوريا مطالب كثيرة تجاه روسيا تتعلق باستعادة مليارات الدولارات التي هربتها عائلة الأسد إلى موسكو خلال السنوات الماضية.
وكذلك فإن النقطة الأكبر بين دمشق وموسكو تتعلق بمصير بشار الأسد وتسليمه للمحاكمة كما يطالب الشارع السوري.
ولا سيما أن الكثير من التقارير الصحفية تفيد بأن سوريا الجديدة طالبت بتسليم الأسد مقابل السماح لروسيا بالاحتفاظ بقواعدها العسكرية.
ويبدو وفق الخبراء أن القواعد الروسية قد تبقى في مقابل الدعم الدبلوماسي والتعويض المالي من روسيا، التي شاركت بشكل عميق في الاقتصاد والدفاع في سوريا لمدة سبعة عقود خلت.
ويرى هؤلاء أن وضع العداوة جانبا يعود بالنفع على البلدين، فسوريا التي بدأت مرحلة بناء الدولة وإنعاش الاقتصاد تحتاج إلى علاقات إيجابية مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ومنهم روسيا.
وقد يكون استئناف إمدادات روسيا التقليدية من الأسلحة والوقود والقمح بمثابة طوق نجاة لهذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 23 مليون نسمة ويعاني 80 بالمئة من سكانه من الفقر.
على سبيل المثال روسيا لم تصدر حبوبا إلى سوريا عقب سقوط نظام الأسد، حيث تزعم أن هناك مشكلات تتعلق بالدفع.
وكانت المؤسسة العامة لتجارة وتخزين الحبوب السورية، تجري سابقا مناقصات لشراء القمح من روسيا، وذلك بنحو مليوني طن سنويا تغطي فقط المناطق التي كان يسيطر عليها نظام الأسد المخلوع.
وأمام ذلك، قالت آنا بورشفسكايا من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في مطلع مارس 2025: "لا يزال لدى موسكو ما تقدمه لسوريا".
وأضافت لوكالة رويترز أن "روسيا ببساطة تحتاج إلى حكومة في دمشق تضمن مصالحها، وستكون مستعدة لعقد اتفاق معها".