"صراع الأسماء".. هل يواصل الثنائي الشيعي تعطيل تشكيل الحكومة اللبنانية؟

"هناك محاولات لمنع الثنائي الشيعي من لعب أي دور معطل لأداة الحكومة اللبنانية"
يواصل “حزب الله” و"حركة أمل" بقيادة رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، اللذان يطلق عليهما "الثنائي الشيعي"، تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة من قبل المكلف نواف سلام، عبر محاولات فرض أسماء وزارية من خارج "قوس الكفاءات".
ومنذ تكليف الرئيس اللبناني جوزيف عون، في 13 يناير/ كانون الثاني 2025 نواف سلام البالغ 71 عاما بتشكيل الحكومة، اصطدم الرجل برفض "الثنائي الشيعي" لسعيه في تطبيق المعايير التي حددها لشكل الحكومة القادمة بعيدا عن المحاصصة.
صراع الأسماء
ويطمح سلام بأن تكون الحقائب الوزارية لحكومته من مستقلين وتكنوقراط، بينما يخوض صراعا ظاهرا مع "الثنائي الشيعي" الذي يريد فرض بعض الأسماء عليه لتولي وزارة بعينها وبأسماء محددة.
وأثيرت تساؤلات بشأن مدى قدرة "الثنائي الشيعي" على الاستمرار بلعبة تعطيل تأليف الحكومة وإبقاء سلام في دوامة الأسماء، وتوجيه ضربة لعون الذي فاز برئاسة البلاد دون قدرة حزب الله على تعطيل انتخابه في البرلمان.
وتشير المعطيات في لبنان، إلى أن محاولة "الثنائي" الحفاظ على نفوذه وقضم ما أمكن من حقائب كحصة كبرى، ولي ذراع الرئيس سلام، يصطدم بتوجه أميركي ترجمه مستشار ترامب للشؤون العربية وشؤون الشرق الأوسط، مسعد بولس، بالتأكيد على عدم إعادة تعيين من كان له دور في المنظومة السابقة من أجل استكمال مسيرة النهوض واستعادة ثقة المجتمع الدولي.
ونقلت وكالة “رويترز” البريطانية في 31 يناير 2025 عن خمسة مصادر مطلعة قولها: إن واشنطن تضغط على كبار المسؤولين اللبنانيين لمنع حزب الله أو حلفائه من ترشيح وزير المالية القادم للبلاد، في محاولة للحد من نفوذ الجماعة المدعومة من إيران على الدولة.
ويبدو أن التدخل الأميركي المباشر بشكل غير اعتيادي في السياسة اللبنانية القائمة على المحاصصة الطائفية يهدف إلى الاستفادة من التحولات في ميزان القوى بلبنان والشرق الأوسط بشكل عام، لا سيما بعد إضعاف حزب الله عقب المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، إلى جانب الإطاحة بحليفه بشار الأسد من السلطة في سوريا.
ودأب “حزب الله” منذ فترة طويلة على تسمية وزراء في الحكومة، بالتنسيق مع حليفه الشيعي “حركة أمل”، التي دعمت جميع وزراء المالية في لبنان منذ عام 2014.
لكن المصادر الخمسة قالت لـ"رويترز": إن المسؤولين الأميركيين حريصون على رؤية هذا النفوذ يتضاءل مع تشكيل رئيس الوزراء المكلف سلام حكومة جديدة.
وقالوا: إن المسؤولين الأميركيين نقلوا رسائل إلى سلام وعون الذي حظي بدعم الولايات المتحدة عندما كان قائدا للجيش وجرى انتخابه رئيسا أوائل يناير 2025، مفادها أن حزب الله لا ينبغي أن يشارك في الحكومة المقبلة.
وقد روج "الثنائي" خلال الأيام الماضية، لقبول أميركي بتسمية ياسين جابر لحقيبة المالية، على اعتبار أن الثنائي الشيعي هو من سماه لتولي هذه الحقيبة.
وذكر موقع "نداء الوطن" المحلي، أن الأجواء الإيجابية خيمت على قصر بعبدا بعد تسليم "الثنائي الشيعي" الأسماء للرئيس المكلف، تضمنت اسم ياسين جابر لوزارة المال، ودكتور من آل رحال لوزارة الصحة، وتمارا الزين للبيئة، وحقيبة رابعة لم يحسم أمرها، وحقيبة شيعية خامسة.
لكن خيار الوزير المحسوب على "الثنائي" يلقى اعتراضا شديدا لدى الغالبية التي سمت سلام، وإلا فإنها تطالب بتسميات تمثلها في وزارات أخرى، وهذا الأمر ينسف فكرة الحكومة التي يريدها سلام من أساسها.
خشية لبنانية
ويبدو أن الأمر مازال يحتاج إلى مزيد من المفاوضات، إضافة إلى تدخل وشيك لأركان اللجنة الخماسية الخاصة بلبنان التي تضم ممثلين عن الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية ومصر وقطر، والتي تشكلت لبحث ملف الرئاسة الشاغر حينما انتهت ولاية الرئيس السابق ميشال عون نهاية أكتوبر 2022.
ومع ذلك، يؤكد رئيس مجلس النواب بري أنه منفتح على النقاش بخصوص الأسماء المطروحة لغير وزارة لمالية واستبدالها إلى حين إسقاط الأسماء النهائية عليها بعد التشاور.
وضمن هذا السياق، ترى كبيرة باحثي معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، حنين غدار، أن "مشاركة حزب الله أو حلفائه في حكومة سلام ستعني بالنسبة لأميركا أن لبنان لم يبتعد عن محور إيران".
وأضافت غدار خلال تصريحات تلفزيونية في 31 يناير 2025، أن "الثنائي الشيعي يدرك أهمية وزارة المالية بالنسبة لهم، واستخدام هذه الوزارة للاعتراض على مشاريع حكومية تضر بمصالحهم في البلاد، أو مساهمة الوزير المحسوب على هذا الثنائي في تمويل مؤسساتهم الخاصة".
ولفتت إلى أنه "بعد الحرب على لبنان وتدمير حزب الله فعليا، فإن إعادة الثنائي الشيعي لأي وزارة كانت فيه رسالة لواشنطن أن لبنان لم يتغير وأن التبعية لمحور المقاومة ما تزال قائمة".
وأردفت: "هناك خشية من وقف الولايات المتحدة المساعدات إلى لبنان، ما يعني أن الإفلاس سيكون مصير لبنان في حال أصر الثنائي الشيعي على تسمية وزير المالية".
وتؤكد مصادر صحفية، أن كتل سياسية في لبنان هددت بالنزول إلى الشارع في حال تسمية الثنائي لوزير المالية في حكومة سلام.
إذ إن السماح لحزب الله أو حركة أمل بترشيح وزير المالية سيؤذي فرص لبنان في الوصول إلى الأموال الخارجية لمساعدته في سداد فاتورة إعادة الإعمار الضخمة الناتجة عن الحرب مع إسرائيل، التي دمرت أجزاء كبيرة من البلاد.
وفي هذا الصدد، فإن الولايات المتحدة لا تعترض على أن يكون المنصب من نصيب شيعي، ولكنها لا ترغب في رؤية حركة أمل أو حزب الله يسميان الوزير مباشرة.
وقد نقلت واشنطن رسالة إلى سلام مفادها أن لبنان في مرحلة جديدة، وأنه من غير المقبول أن يتمتع حزب الله وحلفاؤه "بنفس الامتيازات" التي كانت لديهم في السابق، بما في ذلك "الحصول على وزارات حساسة مثل المالية".
ووزارة المالية لها دور مهم في تحديد الإنفاق العام في لبنان، الذي انهار نظامه المالي بشكل كارثي عام 2019 تحت عبء الديون الضخمة التي تراكمت بسبب الإنفاق المفرط من قبل الطبقة الحاكمة.
تحذيرات خارجية
وتفيد صحيفة "الجمهور" اللبنانية نقلا عن مصادر قولها: "نحن أمام عائقين أساسيين: أولا، الإبقاء على وزارة المال في يد الثنائي قد يؤدي إلى تفجير الحكومة في أي لحظة، سواء في الجلسة الأولى أو العاشرة، عند مواجهة أي قرار لا ينسجم مع توجهات الثنائي".
وثانيا، "إذا تمسك الثنائي بـ5 وزراء شيعة، فقد يستخدم ذلك لفرض شروطه وتهديد الحكومة، مما يعطل عملها عند أي استحقاق؛ لذلك الحل يكمن في تقليص هذا التمثيل لمنع استغلاله كأداة تعطيل، وضمان عدم احتكار وزارة المال".
وبينما تتواصل التعقيدات بين أكثر من طرف في لبنان بشأن تأليف الحكومة، تتجه الأنظار إلى نتائج زيارة الموفد السعودي يزيد بن فرحان لبيروت في الأسبوع الأول من فبراير/ شباط 2025، حيث تعول مصادر سياسية على أن تعجل هذه الزيارة عملية التأليف الحكومي.
وأشار النائب غياث يزبك وعضو كتلة "القوات اللبنانية" (مناهض لحزب الله)، إلى أن "الموفد السعودي يزيد بن فرحان سيوجه عندما يحضر إلى لبنان كلاما لرئيس الحكومة المكلف شبيها بالتحذير الذي أطلقه مستشار الرئيس الأميركي بولس".
وأفاد يزبك لقناة "الجديد" اللبنانية، بأن "على الرئيس عون وسلام حسم تشكيلتهما الوزارية وخلي اللي بدو يخرب يخرب"، في إشارة إلى الثنائي الشيعي.
وضمن هذا الإطار، يرى الكاتب السياسي اللبناني فارس خشان، أن "الثنائي الشيعي يصر على فرض معادلاته السابقة على الحكومة الجديدة؛ حيث يصر الثنائي على اسم واحد لمنصب وزير المالية وليس طرح عدة أسماء".
وأضاف خشان في تصريحات تلفزيونية، أن "العقدة اليوم في لبنان هي أن الثنائي الشيعي لن يوافق على حكومة من دون تضمينها بوزراء يتبعون له، وإلا فإن افتعال المشاكل في لبنان سيكون حاضرا".
ولفت إلى أن "الحكومة اللبنانية قد تتأخر في الولادة أمام تعطيل الثنائي لها، إلا في حالة واحدة إذا قرر رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تمرير الحكومة رغما عن الجميع، وهذا يعني انكشاف الطبقة السياسية التي تريد إعاقة استعادة ثقة الخارج بلبنان وإعادة إعمار البلد".