قبل سقوطه.. هل عرضت المخابرات الإيطالية دعمها نظام بشار الأسد؟

"المخابرات الإيطالية لم تنجح في تقييم قدرة قوات النظام السوري على صد تقدم المعارضة"
عقب سقوط النظام السوري، دخل إعلام عربي إلى وسط المقر المهجور لمخابرات النظام السوري في دمشق، وقام بنشر مقطع فيديو تضمن تصوير مذكرة من مكتب رئيس الجهاز، حسام لوقا، مرسلة إلى رئيس النظام المخلوع بشار الأسد في 5 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
وذكر لوقا في المذكرة تلقيه مكالمة هاتفية من مدير المخابرات الإيطالية، جيوفاني كارافيلي، بطلب من الأخير أعرب خلالها عن وقوف "بلاده إلى جانب سوريا في هذه اللحظة الصعبة"، مع تقدم الفصائل المسلحة المعارضة نحو العاصمة.
وأكد كارافيلي، وفق ما جاء في المذكرة، على أن الدعم العسكري الروسي المستمر للقوات الموالية لنظام الأسد "سيكون مهما في هذه المرحلة".
عواقب كارثية
ولتحليل الغاية من هذا الاتصال الهاتفي، أشار قبل- أيام قليلة من سقوط النظام- معهد بحثي إيطالي إلى البيان المشترك لوزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني ونظيره النمساوي ألكسندر شالينبرغ في 22 يوليو/ تموز 2024.
وكانا قد انتقدا فيه خيارات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تجاه سوريا وعدا تهميش النظام بمثابة "الخطأ الإستراتيجي".
وجاء في نص البيان، وفق ما أوردته الصحافة الإيطالية، "نعتقد أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في نهجنا تجاه سوريا، ومستعدون للدخول في مناقشة شفافة ومفتوحة".
ولهذا السبب، وبمناسبة اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، قام تاياني وشالينبرغ "مع وزراء خارجية كرواتيا وقبرص وتشيكيا واليونان وسلوفاكيا وسلوفينيا" بدعوة الممثل الأعلى جوزيب بوريل لمراجعة إستراتيجية الاتحاد الأوروبي بشأن سوريا.
وأوضحا أن "هدفنا هو سياسة أكثر واقعية واستباقية وفعالية تجاه سوريا لزيادة نفوذنا السياسي وفعالية مساعداتنا الإنسانية وتهيئة الظروف لعودة آمنة وطوعية وكريمة للاجئين السوريين".
وجاء في الرسالة التي وقعها الوزيران أنه من الضروري "إعادة سوريا أخيرا إلى جدول أعمال الاتحاد الأوروبي كأولوية مطلقة" لتجنب العواقب "الكارثية" على البلاد والمنطقة وأوروبا نفسها.
وفي 26 يوليو، أعلنت روما تعيين ستيفانو رافانيان في منصب سفير لدى النظام السوري، لتصبح أول دولة من مجموعة السبع تعيد فتح تمثيلها الدبلوماسي في سوريا بعد اندلاع الثورة عام 2011.
وأوضح المعهد البحثي أن "النهج الدبلوماسي الإيطالي، بالإضافة إلى وجود دافع سياسي واضح، جاء في سياق محاولة إعادة تأهيل النظام التي قامت بها بعض دول الشرق الأوسط".
ففي مايو/ أيار 2023، شارك رئيس النظام المخلوع في القمة العربية 32 بالعاصمة السعودية جدة وكانت هناك ثلاثة أهداف من وراء تطبيع العلاقات معه، وفق ما ينقل المعهد الإيطالي.
وهي تقليص النفوذ الإيراني على سياساته، وقف تهريب المخدرات التي غمرت الشرق الأوسط، وكذلك تهيئة الظروف للحوار السياسي مع المعارضة وضمان عودة 14 مليون لاجئ سوري غادروا البلاد منذ عام 2011.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه مازال لديه أمل بلقاء رئيس النظام السوري الأسد، لإصلاح العلاقات بين البلدين.
وقال أردوغان "مددنا يدنا إلى الجانب السوري للتطبيع ونعتقد أن هذا سيفتح الباب للسلام والاستقرار في الأراضي السورية".
دوامة الأحداث
ورغم الرسالة الإيطالية إلى بروكسل والخطوة العربية والتفاؤل التركي، والتي كان لها قاسم مشترك، بحسب المعهد الإيطالي، وهو تقليص "الوجود الإيراني على الأراضي السورية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين السوريين، لم يتجاوب نظام الأسد عمليا".
وفي توضيحه لذلك، أشار إلى "أهمية الدعم الفني والسياسي الذي كان يقدمه الحرس الثوري الإيراني لاستقرار النظام، وكذلك أهمية الأرباح التي كان يجنيها من تجارة الكبتاغون".
وجزم بأنه كان من المستحيل تحسين الظروف المعيشية للسوريين بعد أن قام النظام باعتقال عدد كبير من اللاجئين العائدين إلى ديارهم.
وبحسب تحليل المعهد، "لم تتلق المخابرات الإيطالية هذه الإشارات وبالتالي لم يتم دمجها في الإستراتيجية الدبلوماسية الإيطالية تجاه النظام".
وانتقد بأن عدم قدرتها على إدراك الوضع الحقيقي على الميدان تجلى في أعقاب تقدم المعارضة السورية السريع وتحريره المحافظات إلى أن أسقطت النظام "وهو سيناريو لم تكن المخابرات الإيطالية قد تجهزت إليه".
وأردف المعهد الإيطالي أن الاتصال الهاتفي بين كارافيلي ولوقا أظهر كيف أن المعلومات التي جمعتها المخابرات الإيطالية لم تسهم "في إجراء تقييم حقيقي لقدرة القوات النظامية السورية على صد تقدم قوات المعارضة" لا سيما أن تطورات الأحداث كانت سريعة للغاية.
وشدد على أنه كان على المخابرات الإيطالية إجراء “تحليل أكثر تعمقا لإطار الشرق الأوسط والتحالف الداعم لرئيس النظام السوري”، في إشارة إلى روسيا وإيران وحزب الله اللبناني، الرعاة الثلاثة الرئيسين للنظام "الذين كانوا يعيشون مرحلة صعبة لأسباب مختلفة".
ولفت إلى “الخسائر الكبيرة التي تكبدتها الحركة الشيعية اللبنانية” نتيجة هجمات الاحتلال الإسرائيلي، فيما كان الروس منشغلون بالصراع في أوكرانيا، كما لم تكن "طهران قادرة أو راغبة في القتال ضد المعارضة المسلحة نيابة عن قوات النظام السوري".
وانتقد المعهد سوء تقدير المخابرات الإيطالية لقدرات قوات المعارضة والفصائل التي كانت منتشرة في محافظة إدلب وإعدادها لعملية "ردع العدوان" بقيادة إدارة العمليات العسكرية وإطلاقها في 27 نوفمبر 2024.
ويرى أن المذكرة التي تم العثور عليها في مكتب رئيس مخابرات النظام السوري في 5 ديسمبر 2024 "برهان على سوء التقييم الإيطالي للأحداث".
واستنتج أن الإستراتيجية السياسية لوزارة الخارجية الإيطالية كانت واضحة وهي تطبيع العلاقات مع نظام الأسد مقابل عودة اللاجئين السوريين الموجودين في إيطاليا.
وقال المعهد إن "أجهزة المخابرات حاولت تطبيق هذا النهج السياسي، لكن التطور السريع للأحداث (التقدم السريع لقوات المعارضة وتحريرها في غضون أيام قليلة عدة محافظات) لم يسمح بإجراء تقييم دقيق للإمكانات الحقيقية للجهات الفاعلة المعنية".