من الدعم السري إلى الردع العلني.. لماذا كشفت مصر أوراقها في السودان الآن؟

عن مصدر في مستشارية حميدتي: الخطوة إعلان حرب على الدعم السريع
حين تتحدث القاهرة علنا عن «الخطوط الحمراء» في السودان، وتلوّح باتفاقية دفاع مشترك قائمة منذ نحو نصف قرن، فهي لا تبحث عن مغامرة عسكرية، ولا عن توسيع دائرة حرب مشتعلة أصلا، بقدر ما تعلن بوضوح أن الدولة السودانية بمؤسساتها ووحدتها وأمنها، لم تعد ملفا قابلا للمساومة أو الابتزاز المسلح.
وفي لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، ومع انتقال الحرب السودانية إلى طور يهدد كيان الدولة نفسه، يبدو أن مصر قررت نقل رسائلها من الغرف المغلقة إلى العلن، مؤكدة أن حماية السودان ليست خيارا تكتيكيا ظرفيا، بل التزام إستراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري.

لحظة الإعلان
في 8 يناير/ كانون الثاني 2026، قال البرلماني المصري السابق عماد جاد، في تصريح لقناة «العربية» السعودية: إن مصر تتجه إلى تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان، وإنها قد تتدخل مباشرة لدعم القوات المسلحة السودانية.
وأوضح أن هذا التوجه ينسجم مع ما أشار إليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عقب اجتماعه مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بصفته رسالة مباشرة لقوات الدعم السريع وداعميها إقليميا، وفي مقدمتهم الإمارات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأنها تنقل المسألة من إطار التنسيق الثنائي إلى مستوى التوازنات الإقليمية، ورسائل الردع الموجهة إلى الأطراف الداعمة للصراع.
وقبل ذلك بنحو ثلاثة أسابيع، وتحديدا في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025، دعا رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، خلال لقائهما في القاهرة، إلى تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين.
ومع هذه الدعوة، ظهرت للمرة الأولى صياغات رسمية صريحة تتحدث عن حق مصر الكامل في تفعيل الاتفاقية ردا على أي تهديدات تمس الخطوط الحمراء، وعلى رأسها مؤسسات الدولة السودانية والأمن القومي المصري.
بهذا، انتقلت القاهرة من لغة الدعم السياسي العام إلى لغة الالتزام والردع المستند إلى اتفاق قانوني قائم.
وهنا تتبلور نقطة التحول، فرغم أن مصر شاركت في دعم الجيش السوداني منذ اندلاع الحرب، وفق المعطيات المتداولة، فإن هذا البيان يعد أول إشارة علنية إلى احتمال تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك.
وقد التقطت قوات الدعم السريع هذه الرسالة بسرعة؛ إذ نقل موقع “مدى مصر” المحلي، في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2025، عن مصدر في مستشارية الدعم السريع، وصفه الخطوة بأنها "إعلان حرب".
ويرى أن القاهرة نقلت دعمها للجيش من السر إلى العلن، وداعيا قائد الدعم السريع إلى حوار مباشر مع الجانب المصري بدلا مما وصفه بـ "التدخل العسكري في الشأن السوداني".
اتفاقية 1976
تعود اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان إلى 15 يوليو/ تموز 1976، حين وقع البلدان اتفاقا يتضمن ثمانية بنود تؤسس للتعامل مع أي اعتداء مسلح على أحدهما بصفته اعتداء على كليهما، مع الالتزام باتخاذ جميع التدابير اللازمة، بما في ذلك استخدام القوات المسلحة، لرد العدوان وردعه.
كما تنص الاتفاقية على تبادل المعلومات والتشاور في حالات العدوان المفاجئ أو أي طارئ يخشى خطره، وتوحيد الخطط والتحركات، وتنسيق تطوير القوات المسلحة واستيعاب أحدث الأسلحة. إضافة إلى إنشاء الهياكل التنفيذية اللازمة، وعلى رأسها مجلس الدفاع المشترك وهيئة الأركان المشتركة.
واللافت أن الاتفاقية لم تبق حبرا على ورق؛ إذ شهد عام 1976 خطوات تنفيذية مبكرة، تمثلت في اجتماع مجلس الدفاع المشترك بالقاهرة بين 7 و10 سبتمبر/ أيلول، ثم عقد هيئة الأركان المشتركة اجتماعها الأول في الخرطوم في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه؛ حيث وقعت اتفاقية لتعزيز التعاون العسكري.
وفي أبريل/ نيسان 1977، عقد الاجتماع الثاني للهيئة في القاهرة، قبل أن يُعلن في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 1982 ميثاق التكامل العسكري الذي تحدث صراحة عن إستراتيجية دفاعية وأمنية واحدة.
غير أن تصريحا للرئيس السوداني آنذاك جعفر النميري، بعد 15 يوما فقط، أثار مخاوف داخلية حين تحدث عن إدماج مسارح العمليات من الشمال إلى الجنوب، ما غذى أصواتا سودانية طالبت بإلغاء الاتفاقية خشية التدخل في الشأن الداخلي.

ضمن هذا المسار، تبرز محطة مفصلية في 2 أبريل/ نيسان 1989، حين أعلن رئيس الوزراء السوداني آنذاك الصادق المهدي إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر، ويرى أنها وُقعت في عهد النميري، وفقا لتقارير صحفية سودانية، دون صدور بيان مصري رسمي يؤكد أو ينفي الإلغاء.
وبين هذه المحطة ومحطة «ميثاق الإخاء» الموقع في 21 فبراير/ شباط 1987 بين المهدي ونظيره المصري عاطف صدقي، دون نص صريح يلغي الاتفاقية أو يتناولها، يمكن رصد حالة التباس قانوني وسياسي.
هل كان الإلغاء قرارا سياسيا داخليا أكثر منه إجراء قانونيا مستوفيا لشروط الانسحاب؟ وهل ظلت الاتفاقية قائمة من المنظور المصري بحكم عدم استكمال مسارات الإلغاء المنصوص عليها؟
هنا يبرز بند مهم في الاتفاقية، ينص على أن مدتها 25 عاما، وتتجدد تلقائيا لخمس سنوات، ما لم تخطر إحدى الدولتين الأخرى برغبتها في الانسحاب قبل عام من انتهاء المدة، مع اشتراط التصديق وفق الأوضاع الدستورية وتبادل وثائق التصديق.

مسار قائم
بمعزل عن الجدل التاريخي، جاء الحسم من القاهرة في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025، حين أكد رئيس هيئة الاستعلامات المصرية ضياء رشوان أن اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان «قائمة ونافذة»، وتشمل مواجهة أي أخطار أو تهديدات تمس أمن البلدين.
هذا التصريح لا يترك مساحة كبيرة للتأويل، فالمؤسسة الرسمية المصرية تعد الاتفاقية سارية.
ويأتي ذلك في سياق تراكم سنوات من التحديات المشتركة، أبرزها أزمة سد النهضة الإثيوبي منذ 2011، والتي دفعت القاهرة إلى إحياء روح الاتفاقية عبر تكثيف التعاون العسكري والأمني مع السودان.
ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، اتفق الجانبان على تشكيل قوات مشتركة ودوريات حدودية لمكافحة الإرهاب والجريمة العابرة وضبط الحدود، خلال مباحثات عسكرية في الخرطوم. ثم في مارس/ آذار 2021، وقع الجيشان اتفاقية عسكرية لتعزيز الأمن القومي للبلدين، تضمنت التعاون في مواجهة التهديدات، وتقديم مصر دعما تدريبيا وفنيا للجيش السوداني، والتنسيق لحماية الحدود المشتركة.
هذه المحطات لم تعلن تفعيل اتفاقية 1976 صراحة، لكنها أعادت بناء بنيتها العملية، وخلقت سياقا تراكميا يجعل طرح التفعيل اليوم استكمالا لمسار قائم، لا تأسيسا لمسار جديد.
السؤال المحوري هنا: لماذا خرجت القاهرة إلى العلن الآن بالتلويح بالاتفاقية؟ ويجيب السياسي السوداني الدكتور إبراهيم عبد العاطي، في حديثه لـ “الاستقلال”، بأن الأمر يرتبط بثلاثة عوامل متداخلة.
أولا، تغير الجغرافيا العسكرية، مع اندلاع اشتباكات عنيفة منذ أسابيع في ولايات كردفان الثلاث، ووقوع موجات نزوح واسعة. هذه الجبهة تمثل مركز ثقل جديدا في الحرب، وقد تفتح مسارات تهدد تماسك الدولة السودانية ومؤسساتها، وهو ما تعده القاهرة خطا أحمر.
ثانيا، إعادة تعريف التهديد، حيث لم يعد الخطاب المصري يركز فقط على دعم السودان، بل على الحفاظ على وحدة أراضيه، ومنع أي سيناريوهات تفكيك أو انفصال، وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار.
ويقول عبد العاطي: «عندما تتحول الحرب من صراع بين قوتين إلى خطر على وحدة الدولة، يصبح تفعيل الاتفاقية منطقيا ضمن رواية القاهرة والجيش السوداني، بوصفه حماية للدولة لا تدخلا في السياسة».
ثالثا، الرسائل الإقليمية؛ إذ ترى القاهرة أن ما يجرى في السودان جزء من صراع نفوذ أوسع، وأن رفع مستوى العلنية هو محاولة لإعادة ضبط الحسابات مع الأطراف الداعمة لقوات الدعم السريع، وفي مقدمتها الإمارات.

تفعيل الاتفاقية
بحسب تقرير لصحيفة «التغيير» السودانية في 25 ديسمبر/ كانون الأول 2025، فإن الخلط بين تفعيل الاتفاقية والتدخل العسكري الفوري يخدم رواية الدعم السريع أكثر مما يعكس الواقع.
فالتفعيل عملية متدرجة، تبدأ بردع سياسي وأمني يعلن أن سقوط الدولة السودانية أو تقسيمها خط أحمر مصري، ثم ترتقي إلى رفع مستوى التنسيق العسكري العلني، من معلومات وتخطيط وتدريب ودعم لوجستي، بما يعزز قدرة الجيش السوداني على حماية مؤسسات الدولة.
أما المستوى الثالث، أي التدخل العسكري المباشر، فيبقى خيارا مشروطا، لا يُلجأ إليه إلا إذا تعرض الأمن القومي المصري أو وحدة السودان لتهديد مباشر لا يمكن احتواؤه بوسائل أخرى.
وبهذا المعنى، لا يعني التفعيل توسيع رقعة الحرب، بل محاولة لضبطها ومنع تحولها إلى فوضى إقليمية مفتوحة.
في خلفية هذا المشهد تقف الكارثة الإنسانية، عشرات الآلاف من القتلى، أكثر من 13 مليون نازح، اقتصاد منهار، ومؤسسات على حافة التفكك.
ومن هذا المنطلق، ترى القاهرة أن دعم الجيش السوداني ليس انحيازا لطرف عسكري، بل انحياز لفكرة الدولة نفسها، بصفتها الإطار الوحيد القادر، رغم كل الاختلالات، على وقف الانهيار الشامل.
ولهذا تواصل مصر لعب دور دبلوماسي ضمن اللجنة «الرباعية» المعنية بالمسار السياسي، وتسعى إلى وقف إنساني لإطلاق النار، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أي مسار سياسي بلا توازن قوة وبلا ردع حقيقي للمليشيا المتمردة سيظل بلا جدوى.
وفي خضم هذا التصعيد المتدرج، أثارت تغريدة مطولة للمحلل السياسي السوداني مكاوي الملك على منصة «إكس» اهتماما واسعا؛ إذ حذر من أن «ما يجري خلف الكواليس أخطر بكثير مما يظهر على السطح».
وأشار إلى أن المنطقة تقف أمام «تحول إستراتيجي كامل في ملف السودان والقرن الإفريقي»، متحدثا عن تدفقات عسكرية متسارعة، بينها شحنات جوية تصل إلى بورتسودان من دول عدة، بينها مصر وتركيا، مقابل شحنات تصل إلى الدعم السريع وإثيوبيا من الإمارات، مع نقل مرتزقة بطائرات إماراتية خلال الأيام الماضية.
تساؤلات مفتوحة
وأضاف الملك أن صفقة تسليح ضخمة تمر عبر باكستان بتمويل سعودي يقدر بنحو 1.5 مليار دولار، تشكل جزءا من إعادة ترتيب موازين القوة، بالتوازي مع بيان مصري «شديد اللهجة» صدر عقب تنسيق مع السعودية، أكد رفض أي سيناريو لتقسيم السودان، ودعم الجيش بوصفه المؤسسة الوطنية الشرعية.
وفي ختام تغريدته، طرح تساؤلات تعكس حجم القلق من المرحلة المقبلة: هل نحن أمام استعداد لمعركة كبرى؟ أم أمام دخول فعلي لمصر والسعودية لكسر المشروع الإماراتي في السودان وإغلاق الملف عسكريا وسياسيا؟
وختم بالتحذير من أن “ما يحدث خلف الكواليس أكبر وأعمق من السودان وحده”، وأن المنطقة بأسرها تقف على أعتاب منعطف تاريخي قد يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات لسنوات طويلة.















