رغم ضعف إيران.. لماذا تهتم السعودية بالتهدئة والوساطة بين واشنطن وطهران؟

يوسف العلي | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

وسط تحولات جيوسياسية متسارعة في الشرق الأوسط، برزت تقارير تفيد بسعي السعودية للعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران في مفاوضات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، في خطوة غير متوقعة تطرح العديد من التساؤلات حول دوافع الرياض ومصالحها الإستراتيجية. 

فبينما كانت المملكة تُقدَّم كحليف رئيس لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، جاءت هذه التحركات لتعيد رسم المشهد، خاصة مع الحديث المتزايد عن اقتراب السعودية من التطبيع مع إسرائيل. 

فهل يعكس هذا التحول تبدّلا في موازين القوى؟ أم أن الرياض تسعى لاستغلال تراجع النفوذ الإيراني لتحقيق مكاسب إقليمية أوسع؟

"رغبة في الوساطة"

واليوم، تعد السعودية منفتحة على التوسط بين إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب وإيران سعيا للتوصل إلى اتفاق جديد للحد من برنامج طهران النووي، بحسب ما نشرت شبكة "سي إن إن" الأميركية في  16 فبراير/ شباط 2025. 

وتشعر السعودية بالقلق من أن إيران قد تكون أكثر ميلا إلى السعي للحصول على سلاح نووي الآن بعد أن جرى إضعاف وكلائها الإقليميين- الذين كان ينظر إليهم منذ فترة طويلة على أنهم رادع ضد الهجمات الإسرائيلية- بشكل كبير، وفقا للشبكة الأميركية.

وتأمل المملكة في الاستفادة من علاقاتها الوثيقة مع ترامب لتزويد إيران بجسر دبلوماسي إلى البيت الأبيض.

وبحسب الشبكة، فإنه "من غير الواضح ما إذا كانت السعودية قد قدمت عرضا رسميا، لكن هذه الخطوة تؤكد رغبة الرياض في البناء على علاقاتها المحسنة مع خصمها السابق وتأمين مقعد على طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد محتمل".

ويرى المسؤولون السعوديون أن المشهد الإقليمي الحالي يمثل فرصة تاريخية لتهدئة التوترات مع إيران وتحسين العلاقات، ويصرون على أنهم لا يريدون أي دور في أي مواجهة أميركية أو إسرائيلية مع الجانب الإيراني، وفق الشبكة.

وأردفت أنهم يشعرون بالقلق من أن طهران المحاصرة قد تكون أكثر استعدادا لتطوير قنبلة نووية وينظرون إلى اتفاق نووي جديد كوسيلة لمنع ذلك. وأكدت أنهم “لا يعتقدون أن إيران الضعيفة بشدة تخدم مصالح السعودية”.

ولم يصدر عن الأطراف الثلاثة؛ السعودية، الولايات المتحدة، وإيران، حتى يوم 19 فبراير، أي تعليق بخصوص ما ذكرته الشبكة عن الوساطة التي ترغب الرياض في إجرائها بين واشنطن وطهران. 

ولكن تأتي الخطوة فيما يبدو لزيادة حضور السعودية الإقليمي مع عودة ترامب؛ حيث استضافت الرياض، في 18 فبراير، محادثات بين روسيا والولايات المتحدة، “إيمانا منها بأن الحوار هو السبيل الوحيد لحل جميع الأزمات الدولية وتقريب وجهات النظر بين الطرفين”.

ورحبت السعودية علنا بالاتفاق النووي لعام 2015 بين إيران والقوى العالمية، لكنها كانت غاضبة سرا من إدارة باراك أوباما وقتها.

وذلك بسبب فشلها في معالجة مخاوفها بشأن أنشطة طهران الإقليمية - خاصة برنامجها الصاروخي ومجموعاتها الوكيلة من اليمن إلى العراق ولبنان، والتي عدتها الرياض تهديدا للاستقرار الإقليمي.

لكن الرياض عادت ورحبت لاحقا بانسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، وبعدها بعام تعرضت منشآت النفط السعودية لهجوم كبير بطائرات بدون طيار وصاروخ أدى إلى خفض إنتاجها إلى النصف مؤقتًا.

وأعلنت مليشيا الحوثي اليمنية المدعومة من إيران مسؤوليتها عن الهجوم على منشآت المملكة النفطية، لكن الولايات المتحدة الأميركية ألقت باللوم على طهران - ولم تصل في نهاية المطاف إلى حد تنفيذ عمل عسكري دفاعا عن حليفتها السعودية.

"تخشى التداعيات"

وعن الأسباب التي تدفع الرياض للعب دور الوساطة، والمصلحة التي يمكن أن تحققها من وراء ذلك، قال الكاتب والمحلل السياسي في شؤون الشرق الأوسط، عماد الدين الجبوري: إن "السعودية في سياستها الخارجية لا تتعامل مع الخصم بشكل عدواني وهجومي".

وأضاف الجبوري لـ"الاستقلال" أنه "رغم عدم وجود أي تأكيد رسمي عن الوساطة من الأطراف الثلاثة، فإن هذا لا يمنع من التكهن بأن هناك مبادرة خاصة من السعودية تجاه التهدئة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران".

وتابع: "لو افترضنا أن هناك شيئا في هذا الاتجاه، فإنه كما هو معلوم أن السياسة الخارجية للمملكة غالبا ما تتسم بالهدوء، إذ إنها تفضل المصلحة العامة للمنطقة بشكل عام".

وأشار إلى أنه "رغم أن إيران اليوم وضعت في زاوية حرجة وتلقت ضربة موجعة في سوريا ولبنان، وأن مشروعها الطائفي بالمنطقة أصبح في حالة تقلص، فإنه ليس من فلسفة الرياض أن تستغل الفرصة وتزيد الهجوم عليها؛ لأنه قطعا ستكون هناك ردة فعل، وبالتالي لن تستقر المنطقة".

وبحسب الجبوري، فإن "السعودية تفضل الذهاب باتجاهين؛ الأول التهدئة وإيجاد الحلول، وأيضا أن تترك الأمر إلى الشأن الداخلي، إن كان هناك شيء داخل الشارع الإيراني لا تتدخل فيه المملكة".

ولفت إلى أن "السعودية اتخذت مسارا في سياستها الخارجية التي اتبعها ولي العهد محمد بن سلمان، يتمثل في الاتجاه نحو العولمة، ومن هنا يأتي التقارب الذي جرى مع روسيا والصين والهند والبرازيل، والدخول في عضوية بريكس"، التكتل السياسي الاقتصادي الدولي.

وخلص الجبوري إلى أن "كل هذه مؤشرات على أن الرياض لا تريد أن تدخل في نزاعات جانبية وإن كانت تؤذي المنطقة، وأنها تفضل الذهاب إلى الاستقرار الدائم لصالح شعوب المنطقة العربية والإسلامية، وتنعكس على المناخ الدولي".

وفي 10 مارس/ آذار 2023، رعت الصين مصالحة بين السعودية وإيران، أنهت قطيعة بدأت منذ عام 2016، بعد هجوم متظاهرين إيرانيين على سفارة الرياض في طهران وقنصليتها في مشهد، احتجاجا على إعدام المملكة رجل الدين الشيعي البارز نمر النمر بتهمة "الإرهاب".

تفاؤل إيراني

ومع غياب أي تعليق رسمي إيراني عن أنباء وساطة سعودية مع الولايات المتحدة، سلطت الصحف الإيرانية في 17 فبراير، الضوء على القضية.

وفي وقت أبدت بعضها تفاؤلا واضحا، لم يتجاوز اهتمام صحف أخرى أكثر من نقل ما أوردته الشبكة الأميركية.

واحتفت صحيفة "آرمان أمروز" بالخبر، وعنونت في صفحتها الأولى: “السعودية.. الوسيط الجديد بين إيران وأميركا”.

ونقلت عن الخبير في الشؤون الدولية علي بيكدلي، قوله: إن “ابن سلمان يسعى إلى تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط، وإن مبادرته تأتي من هذا المنطلق".

الصحيفة الإصلاحية، رحبت في تقريرها بوساطة الرياض، بالقول: إن "علاقة السعودية بترامب ورغبتها في تعزيز العلاقات مع إيران والحد من التوترات الإقليمية من شأنها أن تجعلها وسيطا جيدا".

من جهتها، قالت صحيفة "دنيا الاقتصاد" اليومية: إن نجاح الرياض في استضافة اجتماعين مقبلين هذا الأسبوع (لم تسمهما) من شأنه أن يعزز مكانة المملكة كلاعب "محايد أخيرا" يمكنه التوسط بين طهران وواشنطن.

لكن صحيفة "جام جام" التي تديرها هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية الإيرانية، كانت أقل تفاؤلا، وذكرت أن "دولا في المنطقة لديها سجل أفضل في التوسط بين إيران والولايات المتحدة".

وعلى الصعيد ذاته، فإن صحيفة "سازندكي" الإصلاحية، عنونت بخط عريض فوق صورة كبيرة لولي العهد السعودي: "جهود من أجل الوساطة"، دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وفي مطلع فبراير 2025، قال ترامب: إنه يفضل إبرام اتفاق مع إيران على شنّ هجوم عسكري واسع عليها، مؤكدا أن "إسرائيل لن تنفذ أي ضربة إذا تم التوصل إلى اتفاق".

ورفض ترامب التطرق إلى تفاصيل أي مفاوضات محتملة مع طهران، قائلا: "بطريقة ما، لا أحب أن أقول لكم ما سأقوله لهم. هذا ليس مناسبا... يمكنني أن أخبرهم بما يجب عليهم سماعه، وآمل أن يقرروا عدم المضي قدما فيما يفكرون فيه حاليا. وأعتقد أنهم سيكونون سعداء بذلك".

وردا على ذلك، قال المرشد الإيراني علي خامنئي، في 8 فبراير، إن المحادثات مع الولايات المتحدة ليست “ذكية ولا حكيمة ولا مشرفة”. 

وقال: إنه "يجب ألا تكون هناك مفاوضات مع مثل هذه الحكومة"، لكنه لم يصدر أمرا مباشرا بعدم المشاركة في محادثات مع واشنطن.

وأشار خامنئي، خلال اجتماع بقادة سلاح الجو في الجيش، إلى أن المفاوضات مع الولايات المتحدة لن تحلّ مشاكل البلد.

وشدد على ضرورة "فهم المسألة على نحو صحيح.. ينبغي ألا يدّعوا أنه إذا ما جلسنا على طاولة المفاوضات مع هذه الحكومة (الأميركية)، فإن المشاكل ستحلّ"، مؤكّدا أنه "ما من مشكلة ستحلّ بالتفاوض مع أميركا".