هجوم البوليساريو على "السمارة".. هل تصعّد الولايات المتحدة ضد الجزائر؟

في أعقاب هجوم جبهة "البوليساريو" على مدينة السمارة، الواقعة في إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه مع المغرب، أثيرت مخاوف من أن الجبهة والدول الداعمة لها تعمل على تقويض المصالح الأميركية.
وتعرّضت مدينة السمارة، في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لأربعة انفجارات أسفرت عن مقتل شاب وجرح ثلاثة آخرين.
وأعلنت جبهة "البوليساريو" مسؤوليتها عن الهجوم، لكنها ادعت أنها استهدفت قوات مغربية متمركزة في مناطق المحبس والسمارة والفرسية.
خلف الكواليس
وأورد "معهد أبحاث السياسة الخارجية" الأميركي أن "بعض المحللين يرون أن الأحداث الأخيرة تتطلب تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، الأمر الذي ترفضه الجبهة وأنصارها بشدة".
وفي تقرير له، قال المعهد الأميركي: "لفهم هذه التطورات، من المهم أن نفهم ما يحدث خلف الكواليس في العلاقات بين الولايات المتحدة والجزائر من جهة، وبين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا من جهة أخرى".
وتابع: "عند النظر إليها من هذا المنظور، تبرز أسباب تنافسية جديدة تدفع حكومة الولايات المتحدة وحلفاءها إلى دعم وتعزيز سيادة المغرب على الصحراء الغربية".
ويرى المعهد أن "هذه التحولات السياقية لا تهدد فقط وجود جبهة البوليساريو واستقلال الشعب الصحراوي، بل يمكن أن تخلق توترات في العلاقات بين الولايات المتحدة وكل من الجزائر وجنوب إفريقيا".
واستطرد: "هذه التوترات، بدورها، يمكن أن تستغلها جهات فاعلة أخرى، مثل الصين أو إيران أو روسيا".
وأشار إلى أنه "في الوقت نفسه، هناك تحولات سياقية تدفع في الاتجاه المعاكس، أهمها التحسن الأخير في العلاقات بين الولايات المتحدة والجزائر".
ويقود هذا التحسن في العلاقات الأميركية-الجزائرية سفارة الولايات المتحدة في الجزائر، ومجلس الأمن القومي الأميركي، وفق التقرير.
وقال معهد أبحاث السياسية الخارجية إن "هناك تحولات كبرى في السياق الإقليمي للصراع الطويل الأمد بين المغرب وجبهة البوليساريو، وكلها تزيد المخاوف في واشنطن".
وأفاد المعهد أن أول هذه التحولات هو أن "هناك تصورا واسع النطاق بأن علاقات روسيا مع كل من الجزائر وجنوب إفريقيا أصبحت أقوى منذ غزو أوكرانيا".
وأضاف أنه "إذا ما أضفنا ذلك إلى توسيع مجموعة البريكس، فإن ذلك يثير تساؤلات حول تفضيل البلدين لوجود نظام عالمي جديد".
وأوضح المعهد أن "هناك مخاوف بشأن الدور الذي يُعتقد أن الحكومتين لعبتاه في تعليق وضع إسرائيل كمراقب في الاتحاد الإفريقي، وعلاقتهما مع إيران والجماعات المسلحة الفلسطينية، وخاصة في أعقاب هجوم (حركة المقاومة الإسلامية) حماس على إسرائيل".
واستطرد: "وفي الصحراء الغربية، أدى هجوم البوليساريو على السمارة إلى زيادة المخاوف بشأن رعايتها لجبهة البوليساريو، في تصعيد للصراع مع (المغرب)، حليف الولايات المتحدة".
ونتيجة لذلك، "هناك تصور بين بعض المحللين بأن الجزائر وجنوب إفريقيا تعملان على تقويض المصالح الأميركية، لكن يعمل البيت الأبيض جاهدا لتغيير تلك التصورات".
وأفاد المعهد بأن "السفارة الأميركية بالجزائر ترى تصدعات في العلاقة الإستراتيجية بين الجزائر وروسيا ترغب في استغلالها".
كما أن السفارة تعترف بخطر دفع الجزائر إلى التقارب مع الصين وإيران وروسيا، إذا دعمت علنا تعزيز السيادة المغربية على الصحراء الغربية، حسب التقرير.
ولذلك، أوضح المعهد أن إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، تبحث عن نهج يحقق للولايات المتحدة أقصى مصلحة ممكنة، لكن في المقابل، تخشى الحكومة المغربية أن يأتي ذلك على حساب مصالحها الخاصة.
اللاعبون الرئيسون
وحاول المعهد الأميركي تقييم رؤى كل الأطراف الفاعلة في هذا المشهد.
فبالنسبة لجبهة البوليساريو، فإن هذا التحول في السياق يحمل آثارا مهمة على مستقبل كفاحهم المسلح من أجل إقامة دولة مستقلة في الصحراء الغربية، وفق المعهد.
وأضاف أن "في بعض الأحيان، كانت هناك رغبة بين أعضاء الكونغرس الأميركي في فرض عقوبات على الجزائر وجنوب إفريقيا؛ بسبب تقويض المصالح الإقليمية للولايات المتحدة".
وتابع أنه "بالنسبة للجزائر وجنوب إفريقيا، توفر القومية الصحراوية منصة فاعلة لإظهار القيادة العالمية في سياسات مناهضة الاستعمار والفصل العنصري".
أما بالنسبة للحكومة الأميركية، فإن تعزيز السيادة المغربية من شأنه أن يحرم الجزائر وجنوب إفريقيا من أولويات السياسة الخارجية الأميركية، لكنه مع ذلك، قد يخاطر بدفع الجزائر وبريتوريا نحو منافسي واشنطن من القوى الكبرى".
وانطلاقا من هذا القلق الأميركي، فإن إدارة بايدن تحاول مقاومة الضغوط التي تدعوها لاستخدام ملف الصحراء الغربية كسبب لمعاقبة الجزائر وجنوب إفريقيا، حسب التقرير.
ويعتقد معهد أبحاث السياسة الخارجية أنه "بالنسبة لواشنطن، هناك مجموعة من التدخلات السياسية التي قد تكون مفيدة في السعي لتعزيز سيادة المغرب على الصحراء الغربية".
وأضاف أنه "يمكن أيضا للولايات المتحدة وحلفائها زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية المتعلقة بجبهة البوليساريو مع المغرب، ونقل المزيد من القدرات المتقدمة لمكافحة التمرد إليهم".
وأردف أنه "يمكن للحكومة الأميركية الضغط على الدول الإفريقية الشريكة لسحب الاعتراف الدبلوماسي بـ"الجمهورية الصحراوية الديمقراطية".
"بل ويمكنها حتى إنهاء الوضع الذي تستفيد جنوب إفريقيا من خلاله، بموجب قانون النمو والفرص في إفريقيا (أغوا)"، وفق المعهد.
حسابات الأميركيين
وأوضح المعهد أنه "بالنسبة لإدارة بايدن، يتطلب اتخاذ القرار بشأن الصحراء الغربية دراسة متأنية للحقائق السياسية التي لها اتجاهات متعددة".
واستطرد: "على سبيل المثال، من شأن توطيد السيادة المغربية على الصحراء أن يعزز المصالح الوطنية المتصورة للمغرب وإسرائيل".
وأشار إلى أن "عددا كبيرا من الأميركيين يعتقدون أن حكومتهم يجب أن تأخذ مصالح الحلفاء في الحسبان، حتى لو كان ذلك يعني تقديم تنازلات".
ونوه إلى أن بايدن تعهد خلال حملته الانتخابية بحماية النظام الدولي الليبرالي، ويتطلب النظام الدولي الليبرالي أن "يقيد القانون الدولي تصرفات الدول".
علاوة على ذلك، هناك تصور واسع النطاق مفاده أن الحفاظ على النظام الدولي الليبرالي يعتمد على "نظام التحالفات الأميركي".
وفي حين أن بعض أعضاء الكونغرس قد يرغبون في فرض عواقب وخيمة على الجزائر وجنوب إفريقيا، يبدو أن البعض الآخر لديه الرغبة في "إعادة إلزام الولايات المتحدة بالسعي إلى إجراء استفتاء حول تقرير المصير للشعب الصحراوي في الصحراء الغربية"، وفق التقرير.
وفي وقت سابق من العام 2023، أشار البيت الأبيض إلى تحول عملي نحو التعامل مع "المنطقة بطرق تتفق مع قوانيننا حتى نستمر في تأكدنا من أن المنطقة آمنة".
ونتيجة لذلك، فمن شبه المؤكد -وفق التقرير- أن أي عملية صنع قرار في السياسة الخارجية بشأن الصحراء الغربية ستأخذ في الحسبان التأثير على المهام ذات الأولوية للأمن القومي الأميركي.
ويتضمن ذلك المنافسة بين القوى الكبرى، وحماية الوضع العسكري الخارجي للولايات المتحدة وحلفائها في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
وأشار المعهد إلى أنه "من الصعب القول ما إذا كانت إدارة بايدن ستتخذ خطوة جذرية لدعم تعزيز السيادة المغربية على الصحراء الغربية".
وأوضح أنها "بدلا من ذلك، تفضل إدارة بايدن التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض من خلال العملية السياسية التي تجريها الأمم المتحدة".
وبدأ النزاع بين المغرب وجبهة "البوليساريو" حول إقليم الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده بالمنطقة، ليتحول الخلاف إلى نزاع مسلح استمر حتى 1991، بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.
وأعلنت "البوليساريو" بشكل أحادي، قيام ما سمته "الجمهورية العربية الصحراوية" في 27 فبراير/ شباط 1976، اعترفت بها بعض الدول بشكل جزئي، دون الحصول على عضوية في الأمم المتحدة.
وتصر الرباط على أحقيتها في إقليم الصحراء، وتقترح كحل حكما ذاتيا موسعا تحت سيادتها، فيما تطالب "البوليساريو" بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تؤوي لاجئين من الإقليم.
وتشرف الأمم المتحدة على مفاوضات بين المغرب و"البوليساريو" بحثا عن حل نهائي للنزاع حول الإقليم، منذ توقيع الطرفين اتفاق وقف إطلاق النار.