قرغيزستان وطاجيكستان تنهيان صراعا من زمن السوفيت.. ما القصة؟

منذ ١٠ أيام

12

طباعة

مشاركة

في خطوة تاريخية تعزز الاستقرار الإقليمي، أنهت كل من قرغيزستان وطاجيكستان صراعا حدوديا استمر أكثر من 30 عاما وبلغ ذروته في مواجهات دامية عام 2022. 

فقد وقع الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمان ونظيره القرغيزي صدير جاباروف اتفاقية في 13 مارس/آذار 2025، بشأن ترسيم وتحديد الحدود الطاجيكية-القرغيزية في بيشكيك.

وتقول صحيفة "إزفيستيا" الروسية: إن الاتفاقية أدت إلى فتح الحدود البرية واستئناف الرحلات الجوية بين الجانبين، كما أنها تمهد الطريق لزيادة التجارة والتعاون في إدارة الموارد المشتركة. 

ومن ناحية أخرى، طرح الرئيس القرغيزي فكرة نظام تأشيرات موحد لدول آسيا الوسطى -على غرار "شنغن" الأوروبية- لتعزيز التكامل الإقليمي.

ولكن على الرغم من التفاؤل، تشير الصحيفة إلى وجود تحديات تتعلق بترسيم الحدود فعليا على الأرض، مبينا أن هذه العملية قد تستغرق سنوات.

إخماد للحرب

وقالت: إن حل النزاع الحدودي الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية عام 1991، "كان صعبا بسبب التضاريس المعقدة وتداخل المجموعات العرقية في المنطقة". 

وعلى مدار السنوات الثلاثين الماضية، اندلعت عشرات المواجهات، لكن أكبر الاشتباكات حدثت في سبتمبر/ أيلول 2022.

إذ استخدم الطرفان، ليس فقط الأسلحة النارية وقذائف الهاون، بل أيضا المركبات المدرعة الثقيلة والطيران الحربي. 

وأسفرت تلك الاشتباكات عن مقتل حوالي 100 شخص، كما اضطر أكثر من 140 ألفا من السكان المحليين إلى إخلاء منازلهم.

وفي ذلك الوقت، كان من الواضح -وفق الصحيفة الروسية- أن "المشكلة إذا لم تُحل، فإن حربا شاملة ستندلع عاجلا أم آجلا". ونتيجة لذلك، أبدى قادة البلدين إرادة سياسية وبدأوا مفاوضات معقدة لترسيم الحدود.

وقاد كل من رئيس جهاز الأمن القومي القرغيزي، كامشيبيك تاشييف، ونظيره الطاجيكي سايمومين ياتيموف، الوفود، وعقدا عدة لقاءات شخصية على مدار السنوات الثلاث الماضية.

كما أعلنا، في ديسمبر 2024، العمل على حل جميع القضايا بشكل كامل. ثم فبراير/ شباط 2025، كُشف عن تفاصيل الاتفاقية، حيث رُسمت الحدود الدقيقة لجيب "فوروه" الطاجيكي، المحاط بإقليم "باتكين" في قرغيزستان.

كما مُنحت الطريق التي تربط فوروه بالجزء الرئيس من طاجيكستان وضعا محايدا، فيما اتفقت الدولتان على تبادل بعض الأراضي.

إذ ستنقل بيشكك قرية "دوستوك" إلى طاجيكستان مقابل قرية "سامانيون" وعدة مناطق أخرى، بحيث يمنح كل طرف 142 هكتارا للآخر.

وقال رئيس الوفد الطاجيكي: "ستُقدم هذه الوثيقة القانونية المهمة إلى القيادة العليا في بلدينا، وفي حال المصادقة عليها، فسيُوضع حد للنزاع".

وأكد أن "هذا الاتفاق يلبي التطلعات التاريخية ويخدم المصالح السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية للشعبين الشقيقين".

وبعد مراسم التوقيع، صرح الرئيس القرغيزي جاباروف قائلا: "أنا واثق من أن توقيع هذه الوثيقة سيكون حدثا تاريخيا حاسما، وسينظر إليه كلا الشعبين والمجتمع الدولي بتفاؤل كبير".

علاوة على ذلك، تضيف الصحيفة أن الاتفاقية ستُعرض لاحقا على برلماني البلدين للمصادقة عليها، وبعد ذلك سيوقع الرئيسان رسميا مرة أخرى.

ومن المتوقع أن يتبادل زعماء الدول وثائق التصديق عليها في 31 مارس 2025، خلال قمة ستُعقد في مدينة خجند الطاجيكية، بحضور الرئيس الأوزبكي، شوكت ميرضيائيف. 

وعقب هذه المراسم الرسمية، ستبدأ عملية إعادة توطين القرى المتفق على تبادلها، إلى جانب تركيب العلامات الحدودية وبناء البنية التحتية اللازمة.

تطور اقتصادي

وفي الوقت نفسه، تسلط الصحيفة الروسية الضوء على أن العلاقات بين قرغيزستان وطاجيكستان تشهد تحسنا ملحوظا. 

فبعد توقيع الاتفاقية، فتح إمام علي رحمن وصدر جاباروف الحدود البرية بين البلدين عبر مكالمة فيديو. 

كما أُعيد تشغيل نقطتي عبور كانتا مغلقتين منذ عام 2021، عندما اندلعت اشتباكات عنيفة بين الطرفين.

وإلى جانب ذلك، رافقت مراسم إعادة فتح الحدود أجواء احتفالية مميزة، حيث شاهد الحضور من الجانبين، وهم يرتدون الأزياء التقليدية، رفع الحواجز الحدودية، متبادلين المصافحات والعناق تعبيرا عن الترحيب بهذه الخطوة التاريخية.

وأقلعت في صباح 14 مارس، طائرة تابعة للخطوط الجوية الطاجيكية من دوشانبي إلى بيشكك، واُستقبلت في العاصمة القرغيزية بقوس مائي احتفالي. ومن المنتظر أن تُستأنف قريبا خدمات النقل بالحافلات.

وفي ظل هذه الأجواء الإيجابية، تبرز الصحيفة الروسية أن الجانبين ناقشا آفاق التعاون الاقتصادي المستقبلي. 

إذ اتفق الرئيسان على "إنشاء مجلس حكومي مشترك لوضع إستراتيجيات التعاون المستقبلي". 

كما اتفقا على "تشكيل لجنة لإدارة الموارد المائية، بهدف تنظيم قضايا الطاقة الكهرومائية". 

وأعلن الطرفان عن نيتهما رفع حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 500 مليون دولار، بعدما بلغ فقط 12 مليون دولار خلال عام 2024.

ومن ناحية أخرى، دعا رئيس قرغيزستان دول الجوار للتفكير في "إنشاء نظام تأشيرات موحد لدول آسيا الوسطى"، مشابه لنظام "شنغن" الأوروبي. 

وهنا، أوضح جاباروف أنه "بعد تسوية النزاع الحدودي بين بيشكك ودوشانبي، لم تعد هناك مشاكل حدودية قائمة في المنطقة".

وفي هذا السياق، صرح قائلا: “يجب أن تبدأ دول آسيا الوسطى الآن عملية إقرار نظام بدون تأشيرات فيما بينها”.

وبالنسبة للزوار من الدول الأخرى، يمكن إصدار تأشيرة موحدة تتيح لهم التنقل بحرية في جميع دول المنطقة، على غرار تأشيرة “شنغن”، وفق جاباروف.

انعكاسات دولية

وعلى الساحة الدولية، توضح الصحيفة أن المراقبين الدوليين رحبوا بتحسن العلاقات بين قرغيزستان وطاجيكستان.

ومن جانبها، أعلنت وزارة الخارجية الروسية دعمها لتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود، مؤكدة أن "روسيا، بروح التحالف، قدمت دائما الدعم السياسي والدبلوماسي لشركائها في بيشكك ودوشانبي".

ومن ناحية أخرى، أشارت أمانة منظمة معاهدة الأمن الجماعي "CSTO" إلى أن “حل القضايا الحدودية سيسهم في التطور التدريجي لمنطقة آسيا الوسطى”.

وفيما يخص هذه التطورات، يرى المحلل السياسي، رستم بورناشيف، أن "النزاع المسلح بين قرغيزستان وطاجيكستان عام 2022 كان له دور حاسم في حل مسألة الحدود".

ويقول الخبير: "في ذلك الوقت، كانت الدولتان على وشك حرب كبرى، وأصبح من الواضح أنه لا يمكن تأجيل القضية أكثر".

وفي هذا السياق، يشير بورناشيف إلى أن "القيادة السياسية للبلدين كانت بناءة في مواقفها، بينما كانت الخلافات أكثر وضوحا على المستوى المحلي". 

ويتابع: “الآن لدينا اتفاق سياسي، لكن لا يزال أمامنا خطوة ترسيم الحدود فعليا على الأرض، وهو أمر معقد ويستغرق وقتا طويلا”.

فعلى سبيل المثال، رُسّمت الحدود بين كازاخستان وأوزبكستان عام 2002، لكن عملية التحديد الميداني انتهت فقط عام 2024.

وتنقل الصحيفة عن خبير شؤون الشرق، أجدار كورتوف، سرده عدة أسباب وراء نجاح تسوية النزاع الحدودي.

أولها أن "قادة البلدين أدركا أن الوضع المتوتر في المناطق الحدودية كان يعيق جذب الاستثمارات، حيث لا يرغب أحد في الاستثمار في دول تواجه خطر اندلاع صراعات واسعة النطاق".

ثانيا، أظهرت الحكومة القرغيزية الحالية إرادة لحل القضايا الصعبة، حيث تمكنت عام 2023 من ترسيم حدودها مع أوزبكستان، والآن حققت نفس الأمر مع طاجيكستان. 

وثالثا، يعتقد الخبير أن "روسيا والصين لعبتا دورا في دفع الطرفين نحو تسوية سلمية، إذ تسعيان إلى الحفاظ على الاستقرار في آسيا الوسطى، وقد ضغطتا بشكل غير مباشر على بيشكك ودوشانبي للتوصل إلى اتفاق".