الكاظمي يواجه تهما بالفساد والتعذيب.. لماذا يصعب تقديمه إلى المحاكمة؟

أثار قرار القضاء العراقي، حجز أموال رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، الكثير من التساؤلات عن مدى إمكانية محاكمة الأخير، والتي لم تحصل من قبل مع شخص شغل نفس منصبه، ولاسيما في ظل النظام السياسي الذي تشكل بعد الاحتلال الأميركي للبلاد عام 2003.
وفي 22 يونيو/حزيران 2023، نقلت وكالة "شفق نيوز" العراقية عن مصدر قضائي (لم تكشف هويته) أن "أمرا قضائيا صدر بحجز الأموال (المنقولة وغير المنقولة) للكاظمي، بعد رصد وجود تضخم فيها، لكن لا يوجد في الوقت الحالي أوامر قبض أو منع سفر بحقه".
تمهيد للاقتصاص
القرار القضائي بحق الكاظمي، جاء بعد يوم واحد من إعلان الحكومة العراقية إحالة 14 شخصا، بينهم مسؤولون أمنيون بارزون شغلوا مناصب مهمة في عهد الأخير، إلى القضاء.
وبحسب القرار، يجري منع هؤلاء من تسلم أي مناصب رسمية في المستقبل، بتهمة تعذيب معتقلين.
وقال المتحدث باسم الحكومة باسم العوادي خلال بيان له في 22 يونيو 2023 إن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني "صادق على توصيات اللجنة التحقيقية للنظر في الشكاوى المقدمة من المواطنين الذين تعرضوا إلى انتهاكات حقوق الإنسان".
وجاءت هذه الشكاوى، ضد الفريق أحمد طه أبو رغيف رئيس لجنة الأمر الديواني (29) الملغاة، وجميع أعضاء اللجنة والضباط والمنتسبين المرتبطين بها.
ومارست اللجنة التي تحمل الرقم الديواني "29" مهامها في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي الذي أطلق في صيف عام 2020 حملة لمكافحة الفساد، وترأسها وكيل وزارة الداخلية السابق الفريق أحمد أبو رغيف.
وجرى خلال الحملة اعتقال مسؤولين كبار أبرزهم: مدير صندوق التقاعد العراقي السابق أحمد الساعدي، ورئيس هيئة استثمار بغداد شاكر الزاملي، ومدير شركة الدفع الإلكتروني "كي كارد" بهاء عبدالحسين.
لكن المحكمة الاتحادية (أعلى سلطة قضائية في البلد) قررت في 2 مارس/آذار 2022 إلغاء اللجنة المعروفة إعلاميا بـ"لجنة أبو رغيف"، عدت تشكيلها غير قانوني.
ولفت المتحدث الحكومي إلى أن "اللجنة التحقيقية أوصت بإحالة الملف والأوراق التحقيقية الكاملة إلى القضاء، لثبوت تقصير الموقوفين والمكفّلين والهاربين وكل من ورد اسمه في التحقيق القضائي"، مشيرا إلى أن السلطات قررت "إحالة الأفراد، الذين أسهموا بتلك الانتهاكات، إلى التقاعد".
كذلك لفت البيان إلى أن اللجنة التحقيقية "أوصت أيضا بعدم تسلّم الضباط والمنتسبين المشاركين في تلك الانتهاكات أي منصب في الخدمة العامة مستقبلا، ومتابعة هيئة النزاهة حالات تضخم الأموال للمتهمين".
ووجه التحقيق الحكومي التهمة لأعضاء اللجنة 29، وهم اللواء أبو رغيف المحتجز حاليا، وثمانية ضباط أحدهم رتبته عميد هارب، وشرطي وأربعة موظفين حكوميين.
ووجهت الحكومة العراقية في بيان المتحدث باسمها، هيئة النزاهة (حكومية) إلى متابعة حالات الإثراء، ممثلة بـ"تضخم الأموال للمتهمين المنسوبين إلى اللجنة (29) الملغاة أو الأفراد المعتقلين وكل من نُسبت إليه تلك الانتهاكات".
وعلى ضوء القرارات الصادرة بحق لجنة "أبو رغيف"، رأى مراقبون عراقيون أن الخطوة هذه قد تمهد إلى محاكمة الكاظمي والاقتصاص منه على خلفية اتهامات عدة، خصوصا بعد قرار القضاء حجز أمواله.
"انتقام سياسي"
وبخصوص مدى إمكانية إحالة الكاظمي إلى المحاكمة، قال السياسي وعضو البرلمان العراقي السابق، حامد المطلك، إن "الساحة العراقية تشهد في الوقت الحالي مناكفات بين الأقطاب والشخصيات والأحزاب السياسية، وكل منهم يتهم الآخر بشتى الاتهامات".
وأوضح المطلك لـ"الاستقلال" أن "الفساد المالي والإداري أخذ حيزا كبيرا في مجال الحياة اليومية للمجتمع العراقي، لذلك لا يمكن الجزم أن التقصير والاتهامات تنحصر بالكاظمي فقط".
وشدد على ضرورة أن "يطبق القانون على الجميع بشكل عادل، وأن يأخذ الجميع جزاءه وفق ما ارتكبه من تقصير ومخالفات، لا أن تكون الندية السياسية المحرّك لمحاسبة شخص ما وإلقاء كل السلبيات عليه".
ورأى أن "هناك من يريد أن ينتقم من الكاظمي لأسباب العداء والندية السياسية، وربما بالفعل يحال إلى المحكمة، وهذا الامر وارد، لأن القرارات في العراق ليست عادلة وفق القانون حتى ينال كل شخص جزاءه".
وفي 6 مارس 2023، حذر الكاظمي من السياسة الانتقامية التي تنتهجها منظومة الحكم الحالية، في رده على اتهامات بالفساد تلاحق أربعة من كبار المسؤولين في الحكومة السابقة.
وأكد خلال بيان له أن الاتهامات الموجهة للمسؤولين كيدية "تتخذها جهات تحقيقية مرتبطة بقوى وأحزاب وميول سياسية تفتقر إلى الحدود المقبولة من الاستقلالية".
وصدرت في مارس 2023 مذكرات باعتقال وزير المالية السابق علي عبدالأمير علاوي، ومدير مكتب رئيس الوزراء السابق رائد جوحي، والسكرتير الخاص أحمد نجاتي، والمستشار الإعلامي مشرق عباس على خلفية اتهامهم بالتورط في "سرقة القرن".
وأطلق مصطلح "سرقة القرن" في أكتوبر/تشرين الأول 2022 بعد الكشف عن عملية احتيال نفذتها مجموعة شركات وهمية في العراق على مصرف "الرافدين" الحكومي، واستطاعت سرقة مبلغ يصل إلى 2.5 مليار دولار من خزينة الدولة تعود إلى الأمانات الضريبية.
وتولى مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة العراقية في مايو/أيار 2020 حتى أكتوبر 2022، قادما من جهاز المخابرات الذي تولى قيادته في عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي عام 2016، وبقى يديره طيلة مدة إدارته للسلطة في البلاد.
أوراق الكاظمي
وبخصوص التحديات التي قد تحول دون محاكمة رئيس الوزراء العراقي السابق، قال المطلك إن "البلد غارق في وحل الفساد وسوء الإدارة منذ عام 2003 وحتى اليوم، لذلك الكل لديه ملفات على الآخر ويحركها متى يشاء، وشخصية مثل الكاظمي ترأست الحكومة وجهاز المخابرات لا بد أنها تملك الكثير ضد خصومه".
ولفت المطلك إلى أن "الكاظمي لديه أوراق قد يطرحها هو الآخر للحيلولة دون محاكمته، كأن تكون لديه إثباتات وتسجيلات أو مقاطع فيديو ضد شخصيات نافذة في البلد، وربما تحصل مساومة بين الأطراف المتصارعة، وقد نشهد مع عملية الانتخابات المحلية (في 18 ديسمبر/كانون الأول 2023) نشر الغسيل السياسي".
منقول
— صفاء الاسدي (@safaasde3) June 23, 2023
تسريبات لقاء الكاظمي مع مستشاريه
لدي ملفات وتسجيلات بالصوت والصورة لاجتماعاتكم بمكتبي وكيف تتآمرون على الشعب وتسرقون خيراته
2_ قيس الخزعلي وابو فدك هم من اشرفوا على قصف داري بالطائرات المسيرة
3_ نوري المالكي قال لي بالحرف الواحد امريكا وايران هم من يحموني
4_ قاسم مصلح…
وفي هذا السياق، نشر القيادي بالتيار الصدري، صفاء الأسدي في 23 يونيو 2023 ما أطلق عليها تسريبات من لقاء للكاظمي مع مستشاريه (لم يذكر تاريخه) يؤكد الأخير فيه: "لدي ملفات وتسجيلات بالصوت والصورة لاجتماعات سياسيين بمكتبي وكيف يتآمرون على الشعب وتسرقون خيراته".
وبحسب التسريبات فإن الكاظمي يتهم "قيس الخزعلي (زعيم مليشيا عصائب أهل الحق) وأبو فدك (رئيس أركان الحشد الشعبي) بالإشراف على قصف منزله (مقر إقامته في المنطقة الخضراء ببغداد) بالطائرات المسيرة".
وفي 7 نوفمبر/تشرين الثاني، 2021، نجا رئيس الوزراء العراقي السابق من "محاولة اغتيال فاشلة" بواسطة "طائرة مسيّرة مفخّخة" استهدفت مقرّ إقامته ببغداد، في هجوم لم تتبنّه أيّ جهة، وردّ عليه مصطفى الكاظمي بالدعوة إلى "التهدئة وضبط النفس"، ونددت به الولايات المتحدة.
وكشف الكاظمي- بحسب التسريبات المتداولة التي لم يصدر أي تعقيب عليها من الأخير أو الأطراف التي ذكرت فيها- أن "نوري المالكي (رئيس الوزراء العراقي الأسبق) قال لي بالحرف الواحد أميركا وإيران هم من يحموني".
وأكد رئيس الوزراء السابق في التسريبات أن "قاسم مصلح (قيادي في الحشد الشعبي) هو من قتل المتظاهرين في مدينة كربلاء، وأن (إسماعيل) قاآني (قائد فيلق القدس الإيراني) طلب مني عدم كشف المليشيات التي قتلت الشباب في تشرين (الاحتجاجات الشعبية عام 2019)".
ووفقا للتسريبات، فإن الكاظمي أكد أنه "ستكون له كلمة وموقف بحق هؤلاء وسنترك الشعب العراقي يقرر ما سيسمع ويرى".
وأشار إلى أن "المالكي والخزعلي و(فالح) الفياض (رئيس الحشد الشعبي) و(عمار) الحكيم (زعيم تيار الحكمة) ألد أعداء (مقتدى) الصدر (زعيم التيار الصدري) والصدريين يكمنون لهم للقضاء عليهم".
وبحسب ما نقلته التسريبات فإن الكاظمي قال إنهم "طلبوا (الأسماء المذكورة) مني لقمع الصدريين في المنطقة الخضراء ووعدوني بمنصب رئيس جهاز المخابرات".
وفي 29 أغسطس/آب 2022، اندلعت صدامات مسلحة داخل المنطقة الخضراء في بغداد بين مليشيات مسلحة منضوية في الحشد الشعبي وأنصار التيار الصدري، خلّفت نحو 38 قتيلا وأكثر من 300 جريح.
وجاءت الاشتباكات بعد نحو شهر على اعتصام الصدريين في مبنى البرلمان رفضا لمحاولة الإطار التنسيقي تشكيل حكومة برئاسة محمد شياع السوداني.