الإعانة المالية لقطاع النقل في المغرب.. لدعم صغار العاملين أم "الحيتان الكبار"؟

سلمان الراشدي | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

جدل كبير أثاره قرار حكومة عزيز أخنوش في المغرب، بتقديم دعم مالي يتراوح بين 100 و700 دولار لمرة واحدة فقط، للعاملين في قطاع النقل بهدف التخفيف من آثار ارتفاع أسعار الوقود.

ويؤكد محللون وسائقون مهنيون أن هذا الدعم سيستفيد منه بشكل كبير حيتان الشركات الكبرى والمقاولات المشغلة للسيارات ومن ثم النقابات، بدل السائقين الصغار الذين يكتوون بنار زيادة أسعار البنزين التي لا تتوقف.

لكن أمام معطى "الدعم الهزيل"، ارتفعت بشكل جنوني أسعار البنزين في المغرب حيث وصلت إلى 15 درهما (1.5 دولار) للتر الواحد، في زيادة بلغت 100 بالمئة خلال أقل من سنة، وسط آهات وصرخات المهنيين والمواطنين.

دعم غير عادل

وأعلنت الحكومة المغربية، "تقديم دعم مالي يتراوح بين 100 و700 دولار شهريا للعاملين في قطاع النقل، يهدف لمساندة المهنيين (180 ألف مركبة) عبر التخفيف من آثار ارتفاع أسعار المحروقات بالسوق الداخلي بفعل التصاعد المستمر للأسعار دوليا".

وأوضحت في بيان بتاريخ 23 مارس/ آذار 2022، أنها ستصرف منحة بقيمة 2200 درهم (220 دولارا) لسيارات الأجرة الكبيرة، و1600 درهم (160 دولارا) لسيارات الأجرة الصغيرة.

كما ستصرف 1800 درهم (180 دولارا) لعربات النقل المزدوج في الأرياف، و7000 درهم (700 دولار) لحافلات نقل المسافرين بين المدن، و6200 درهم (620 دولارا) لحافلات النقل الحضري.

وفيما يتعلق بالنقل السياحي، سيستفيد المهنيون من دعم مالي يبلغ 2800 درهم (280 دولارا) لحافلات النقل من الدرجة الأولى، و1400 درهم (140 دولارا) لحافلات الدرجة الثانية، و1000 درهم (100 دولار) لحافلات الدرجة الثالثة.

وخصصت الحكومة منصة إلكترونية تسمح للمهنيين بالتسجيل فيها انطلاقا من الأسبوع الأول من أبريل/نيسان 2022.

.

وتأتي هذه "المنحة" بعدما خاض العاملون في قطاع النقل، في 7 مارس، إضرابا عن العمل استمر ثلاثة أيام، رفضا لارتفاع أسعار الوقود.

وشارك في الإضراب العديد من العاملين في قطاع نقل الركاب والبضائع وغيرها، ما تسبب بتضرر مواطنين وارتفاع أسعار المواد الغذائية؛ لعدم توفر شاحنات للنقل.

لكن قرار الدعم المالي، خلق إرباكا لدى السائقين أثناء التقديم على المنصة المخصصة لذلك، وجدلا بين السائق وأصحاب السيارات والحافلات المعنية بشأن الفئة التي يحق لها الاستفادة، حيث تحدثت وسائل إعلام ومعنيون بأن هذا القرار سيستفيد منه أيضا "رجال الأعمال" الكبار.

وقال الصحفي مصطفى الفن، إن "الحكومة خصصت دعما لمهنيي النقل بمختلف أنواعه، وهذا هو المطلوب من أي حكومة تحترم التزاماتها وتحترم مواطنيها وتقف إلى جانبهم خاصة في هذه الظرفية الصعبة التي أعقبت سنتين من كورونا".

وفي تدوينة نشرها في 23 مارس، أضاف الفن "لكن ما هي فلسفة الدعم؟ الأصل في الدعم هو أن يعطى لمن يستحقه، لكن لا أدري ما إذا من الضروري أن نعطي أموال الدعم حتى إلى ملياردير اسمه عثمان بنجلون الذي يستطيع أن يشغل نصف سكان المغرب بأكثر من السميك (الحد الأدنى) لألف سنة مما تعدون..".

بدوره، اعتبر الأمين العام لنقابة الاتحاد المغربي للشغل، الميلودي المخارق، أن "الدعم غير عادل، ستستفيد منه البورجوازية التي تمتلك رخص النقل، خاصة نقل الحافلات التي خصص لها 7000 درهم (700 دولار) لكل حافلة".

وأوضح في كلمة أمام تجمع لنقابته بمدينة وجدة (شمال)، في 28 مارس، أن "الاتحاد المغربي للشغل قدم مذكرة شاملة تتضمن التأكيد على منهجية إعمال حوار اجتماعي حقيقي وليس مغشوشا وشكليا وعقيما، يفضي إلى نتائج ملموسة على الأجراء، وأن النقابة اقترحت في هذا الإطار آليات لمأسسة الحوار".

وأشار المخارق إلى أن "القاسم المشترك للقطاعين العام والخاص، هو الزيادة في الأجور للعمال والسائقين، وهي زيادة ملحة وضرورية للأثر الذي أحدثته التغيرات التي عرفناها بسبب كورونا، وبسبب التطورات الدولية على القدرة الشرائية".

أمر غير مقبول

وإثر احتجاج مئات السائقين المهنيين لاستثنائهم من الدعم الخاص بالمحروقات، لجأت الحكومة إلى إدخال تعديلات على المنصة المخصصة للدعم.

ووفق التعديلات، باتت تتيح إمكانية استفادة السائق المهني لسيارة الأجرة من دعم المحروقات.

لكن السائق المهني، أسامة الأنصاري قال لـ"الاستقلال" إن "التعديل الوحيد هو إضافة خانة تصريح بالشرف (إقرار) لمنح صاحب السيارة المال للسائق أو تقسيمه بين السائقين في حال اشتغال أكثر من سائق على سيارة واحدة".

وأضاف أن "الإشكالية أن المنصة لا تقدم رقم الملف الخاص بالمتقدم للمتابعة، فضلا عن صعوبة التقديم".

من جانبه، يرى الأمين العام للنقابة الديمقراطية للنقل، سمير فرابي، أن لجوء الحكومة إلى وضع إقرار يتعهد من خلاله مستغل السيارة (صاحب الرخصة) بمنح الدعم إلى السائق "أمر غير مقبول، لكون هؤلاء المستغلين اتخذوا الأمر ذريعة لطرد السائقين والاشتغال مكانهم".

وأضاف النقابي لموقع "هسبريس" المحلي في 28 مارس، أن "هذا القرار عوض أن يساهم في حل إشكالية دعم السائق المهني تسبب في طرد المهنيين، وتعويضهم بالمستغلين الذين لم يكونوا يزاولون هذه المهنة منذ فترة طويلة".

ولفت إلى أن "اللجنة المكلفة بهذا الملف مطالبة بتصحيحه عبر الاعتماد على المعطيات المتوفرة لدى المكاتب المعنية".

وكان ممثلو بعض الهيئات النقابية عبروا عن استيائهم من "الإقصاء الذي طال الكثير من السائقين المهنيين من الدعم الحكومي، في وقت سيستفيد منه مستغلو المأذونيات (أصحاب رخص الاستغلال) رغم كون العديد منهم غير مزاولين للمهنة".

سياسيا، انتقد حزب الحركة الشعبية (معارض) ما أقرته الحكومة من دعم "ضمن البرنامج الاستعجالي المخصص لدعم مهنيي قطاع النقل بهدف التخفيف من ارتفاع المحروقات في السوق الداخلي، بفعل الوتيرة المتصاعدة لثمنه خارجيا".

دعم ينظر إليه الحزب بحسب بيان صادر عنه في 26 مارس، على أنه "يصب في مصلحة أرباب وملاك المركبات، في حين أقصى المهنيين الفعليين (السائقين) واستهدف أرباب وملاك المركبات، كما تم تغييب الإنصاف المجالي (الجهات) في تحديد وتقدير هذا الدعم!".

وطالب الحزب الحكومة بأن "تمتلك رؤية شمولية، على اعتبار أن الأزمة لا ترتبط فقط بمهنيي النقل، وإنما أيضا بمختلف القطاعات والفئات الاجتماعية وبالمواطنين بشكل عام، لا سيما وأن الجميع متضرر من ارتفاع ثمن المحروقات، الأمر الذي يؤدي حتما إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية والخضروات، وجميع المنتجات الأخرى".

إعانة ظرفية

وقال عضو الأمانة العامة لـ"المنظمة الوطنية الديمقراطية للنقل واللوجستيك متعددة الوسائط"، هشام زيزي، إن "قرار الحكومة بشأن الدعم، هو إعانة ظرفية مؤقتة كونها ستسلم لمرة واحدة فقط، ولا يمكن أن نعتبرها دعما".

وأوضح زيزي لـ"الاستقلال" أن "النقابات طالبت بتوجيه الدعم بشكل مباشر لفائدة السائقين باعتبارهم هم المهنيين الممارسين للمهنة وهم من يؤدون الفارق المرتفع في مادة البنزين وليس المستغلين (أصحاب السيارات)".

وأضاف أنه "بعد عدة لقاءات مع الحكومة، تفاجأنا بأن  تم توجيه هذه الإعانة لأصحاب السيارات، ما يعني أنها مخصصة للمركبات وليس للعنصر البشري أي السائق المهني".

وأشار زيزي إلى أن "الحكومة كان عليها أن تصدر بطاقة ائتمان للسائق المهني حتى تقنن وتحصر عملية الاستفادة وتوجه إعانتها للفئة المتضررة بشكل مباشر، أما الآن فتم توجيهها لفئات هي في غنى عن ذلك".

مقابل هذا الدعم المادي للحكومة، انتقد سائقون "الصوت غير المسموع" للنقابات في الدفاع عن مطالب "الطبقة الكادحة"، وعدوا أن لقاءاتها مع الحكومة الحالية تقتصر فقط على الإشادة بمبادراتها وبيانات تنتقد وتشكر في آن واحد، دون الحصول على أي مكتسبات حقيقة.

وقال السائق محمد المرابط في تدوينة عبر فيسبوك في 31 مارس، إن "الحكومة تستفرد بالشعب بعد أن قدمت الدعم المباشر لمهنيي النقل كرشوة للنقابات ليتم تحييد هذه الأخيرة وتكبيلها أكثر مما هي مكبلة...".

وأضاف أن "ذلك يأتي بعد (فرحة) التأهل لكأس العالم.. وفي غياب تام لأية معارضة داخل البرلمان.. وبعد يقينها بأن نضال الفئة المتبقية لا يخرج من فضاء فيسبوك".