بدعم أميركي.. هكذا تغير "قسد" ديموغرافية منطقة شرق الفرات في سوريا
.jpg)
على قدم وساق، تواصل القوى التي تفرض سيطرتها، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الأساس، على مناطق شرق الفرات في سوريا، عملية تغيير هوية وديموغرافية مدن تقطنها غالبية من العشائر العربية، وتشكل ما نسبته من 93 إلى 100 بالمئة.
تلك المنطقة هي كامل المساحة الجغرافية التي تقع شرق وشمال شرق نهر الفرات بدءا من الحدود الإدارية لمنطقة عين العرب (كوباني) غربا حيث دخول نهر الفرات إلى سوريا من طرف تركيا، وانتهاء بمنطقة البوكمال، التي تقع على الحدود السورية- العراقية.
"كيان شاذ"
أطلق مجلس القبائل والعشائر السورية، تحذيرات خلال مؤتمر عشائري في 25 مايو/ أيار 2021 من عمليات التغيير الديموغرافي والتهجير القسري والتجنيد الإجباري وتغيير مناهج التعليم، التي تمارسها "قوات سوريا الديمقراطية" في مناطق سيطرتها شرقي سوريا.
وأكد المجلس في بيانه أن "المؤتمر يعكس وحدة القبائل والعشائر السورية وانصهارها في بوتقة واحدة وهو أساس قوتها، والحصن المنيع في وجه سعي نظام الاستبداد البغيض لتفتيت بنيتنا الاجتماعية، وهو ما يظهر بجلاء، أهمية صوتنا الواحد في الاستحقاقات السياسية القادمة".
وجاء في البيان أن "مجلس القبائل والعشائر وقيادته، يشجبون بأقسى ما يستطيعون ممارسات مليشيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرق الفرات وغربه، وسعيهم لخلق كيان شاذ يلبي أوهامهم المريضة بدولة انفصالية، تشكل خطرا داهما على الأمن القومي في سوريا وجيرانها".
وحذرت العشائر من "مفاعيل التهجير القسري والتجنيد الإجباري وتغيير مناهج التعليم وعمليات التغيير الديموغرافي، إضافة إلى استنكار استهداف رموز القبائل والعشائر شرق الفرات"، مستنكرة "انتهاكات مليشيا (قسد) ضد المسيحيين وسائر المكونات الأخرى في المنطقة الشرقية، وسعيها لاستغلال الأقلية الأيزيدية لتحقيق أهدافها المشبوهة عبر الرأي العام".
ونددت العشائر "بإجرام إيران في سوريا وسعيها الحثيث لإجراء تغييرات ديموغرافية في عموم البلاد، وعملها الدؤوب لتبديل ملل الناس وتغيير عقائدهم ونشر التشيع في المناطق السنية وخصوصا في دير الزور والمنطقة الشرقية وصولا إلى الحدود العراقية".
واستنكرت "دور روسيا السلبي في استهداف استقرار المناطق المحررة واقتصادها، بقصف المرافق الحيوية والمشافي متذرعين بحجج واهية"، رافضة "قيام الولايات المتحدة الأميركية وإيران وروسيا، بنهب خيرات البلاد وتسخيرها لتمويل الإرهابيين بدلا من تنمية السوريين".
ويرى الكاتب السوري مهند الكاطع خلال مقال نشرته صحيفة "القدس العربي" في 16 فبراير/ شباط 2021، أن "الأحزاب الكردية تعلم أن واقع الأكراد في سـوريا مختلف عن واقع نظرائهم بالعراق".
ففي سوريا لا توجد قضية كردية من الناحية السياسية أو التاريخية، ولا يمكن خلق قضـية بهذا الحجم من العدم، وفق قوله.
وتابع: "كما لا توجد حتى مقومات ديموغرافية لدعم مثل هذا التوجـه، فالوجود الكردي في سوريا محدود في ثلاث بقع سورية منفصلة جغرافيا".
ويرى أنه "بعكس الدعاية التي يتم خلالها ومنذ بدء الثورة استخدام مصطلح (مناطق كردية) لا يشكل الوجود الكردي في أي من مناطق وجودهم في الشريط الحدودي المحاذي لتركيا كثافة سكانية تسمح لنا بالحديث عن مناطق أو أقاليم كردية، إلا في حدود قرى ونواح معينة".
دعم أميركي
تسيطر قوات "قسد" على مناطق تتميز بتنوع التركيبة السكانية التي تتوزعها، حيث يقطنها غالبية من العشائر العربية تشكل ما نسبته 93 بالمئة من سكان الرقة، و80 بالمئة من سكان الحسكة، و100 بالمئة من سكان دير الزور، و94 بالمئة من سكان منبج، ونحو 92 بالمئة من سكان تل أبيض.
وإلى جانب العرب يعيش في المنطقة خليط من القوميات والأعراق الأخرى، منهم: "الأكراد، التركمان، الآشوريون، الإيزيدية، والجركس"، حيث عاشت هذه التركيبة على مدار العقود الماضية حالة من التعايش السلمي، دون وجود مشاكل قومية أو نعرات دينية أو طائفية.
سيطرة قوات "قسد" على هذه المناطق، يأتي بدعم أميركي منذ طرد تنظيم الدولة منها أواخر عام 2017.
ففي آخر وعود باستمرار الدعم أعلن قائد "قسد" مظلوم كوباني في 19 مايو/ أيار 2021 أن "اجتماعه الخاص مع وفد سياسي أميركي كان إيجابيا.
وأوضح كوباني أن قواته تلقت وعودا مباشرة من أعضاء الوفد ببقاء القوات الأميركية في منطقة شرق الفرات، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية، إلى حين تحقيق "النصر الكامل" على تنظيم الدولة في تلك المنطقة.
كان وفد سياسي أميركي عالي المستوى قد زار منطقة شرق الفرات، تألف من جوي هود المكلف بمنصب مساعد وزير الخارجية الأميركية، وزهرة بيل مديرة ملف سوريا والعراق في مجلس الأمن القومي الأميركي، إضافة إلى ديفيد براونستين، نائب المبعوث الأميركي إلى سوريا.
تشكيلة الوفد تعتبر أكبر اعتراف سياسي أميركي بقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، لأن لقاءات الوفد الأميركي لم تختصر على القادة العسكريين في "قسد" فحسب، بل شملت أيضا المدراء البيروقراطيين فيما يعرف بـ"الإدارة الذاتية"، وزعماء عشائريين محليين.
وحسب تقارير، فإن نقاشات الوفد الأميركي توزعت على ثلاثة مستويات من الاهتمام: تطرق الأول إلى الدعم العسكري الذي تحتاجه قوات سوريا الديمقراطية، بغية إتمام مهمتها في محاربة الخلايا النائمة لتنظيم الدولة، وأن قوات "قسد" قد تلقت تطمينات واضحة من الأميركيين بأن قوات بلادهم ستحافظ على وجودها في منطقة شرق الفرات.
وأشارت إلى أن مسألتي تدعيم الاستقرار في منطقة شرق الفرات وتمكين الإدارة الذاتية كانتا البندين الجوهريين الآخرين اللذين ناقشهما الوفد الأميركي.
إذ إن الولايات المتحدة وعدت بتكثيف جهودها لخلق توافق كردي/كردي سوري، خصوصا بين المجلس الوطني الكردي السوري والإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، كذلك خلق حوارات كردية عربية سريانية مستقبلا.
كان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أشاد بقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب قوات البيشمركة الكردية العراقية والجيش النظامي العراقي، في بيان بمناسبة الذكرى الثانية للانتصار على تنظيم الدولة.
واعتبر بلينكن أن الأطراف الثلاث هم شركاء موثوق بهم بالنسبة للولايات المتحدة، وأن المعركة ضد التنظيم الإرهابي لم تنته، وأن الولايات المتحدة ستواصل دعمها لهم.
دور وظيفي
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2015 أثار توسع نفوذ تنظيم الدولة مخاوف واشنطن التي أقدمت تشكيل قوات سوريا الديمقراطية - والتي تتهمها أنقرة بأنها واجهة لحزب العمال الكردستاني- وزودتها بالأسلحة والذخائر بحجة محاربة تنظيم الدولة.
تسببت "قسد" في تدمير عشرات المدن خلال حربها على تنظيم الدولة وتعمدت تهجير سكانها الأصليين، إضافة إلى أنها ارتكبت العديد من المجازر بحق المدنيين، واعتقلت المناهضين لها، وساقت عشرات الآلاف من شباب المناطق التي سيطرت عليها إلى التجنيد الإجباري.
منذ ذلك الوقت، عملت قوات "قسد" على تغيير هوية المناطق التي احتلتها، فغيرت أسماءها العربية، كما فعلت في مدن مثل (كوباني – عين العرب) و (كري سبي – تل أبيض) و(سري كانيه – رأس العين) (البوزانية - عين عيسى).
كما أقدمت على تهجير سكان المناطق العربية من مدنهم، وفقا للتقارير.
من جهته، يقول الكاتب مهند الكاطع إنه "في 2015 غيرت قوات حماية الشعب الكردية اسمها ليصبح قوات سوريا الديمقراطية (قسد) واتضح أن ذلك كان بناء على أمر من الأميركان آنذاك، هذا ما أكده الجنرال الأميركي رايموند توماس في تصريحات أدلى بها سنة 2017 خلال (منتدى أسبن للأمن) في ولاية كولورادو الأميركية".
وحسبما نقل الكاتب، فإن رايموند قال: "قلنا لهم بالحرف: عليكم تغيير اسمكم. ماذا تودون أن يكون اسمكم بخلاف وحدات حماية الشعب؟ وفي غضون يوم أعلنوا أن اسمهم أصبح قوات سوريا الديمقراطية.. رأيت في استخدام كلمة (الديمقراطي) لفتة رائعة. أعطتهم بعض المصداقية".
ويشير الكاطع إلى أنه "على أرض الواقع الجميع كان يعرف علاقة هذه القوات بحزب العمال الكردستاني (الأجنبي) وكذلك علاقتها وتعاونها العسكري مع النظام، وبقيت دون مصداقية ودون اعتراف من قبل جميع الفرقاء السوريين".
وبخصوص مستقبل قوات سوريا الديمقراطية، قال الكاتب السوري إنه "مجرد البدء بأي خطوة حل سياسي، سينتهي دور قسد الوظيفي في سوريا، وستنتهي كل الإدارات المؤقتة لها في المنطقة".
وأبعد من ذلك، لن يكون هناك أي دور لقسد بشكلها الحالي وعلاقتها العضوية الراهنة بالعمال الكردستاني في المستقبل السياسي السوري.
بل وقد تكون قيادات "قسد" الحالية عرضة للملاحقة القانونية في جرائم حرب جرى ارتكابها وتوثيقها من قبل منظمة العفو الدولية وهيومن راتيس ووتش، بحسب الكاطع.