تعرف على أسباب الهبوط الحاد للدولار كعملة متفردة

12

طباعة

مشاركة

فقد الدولار الأميركي ما يقارب 12 ٪ من قيمته مقابل اليورو وذلك منذ شهر مارس/آذار 2020، وهو ما تعزوه صحيفة فرنسية إلى "عدم الوضوح السياسي السائد داخل الولايات المتحدة الأميركية وسوء تعامل إدارة دونالد ترامب مع وباء كورونا". 

وتقول صحيفة لوموند في تقرير لها: إنه في وقت الأزمات الكبرى، تملي الحكمة المالية اللجوء إلى القيمة الثابتة، ألا وهي الدولار، لكنها تستدرك أن "العكس صحيح هذه المرة".

ويشير التقرير إلى أن الدولار بدأ يهبط منذ مارس/آذار، في حين انخفض من 1.06 إلى 1.19 دولار في نهاية يوليو/تموز، حيث سجل في هذا الشهر الأخير وحده معدل انخفاض بقيمة 5 ٪.

على العكس من ذلك، يقول الخبير الاقتصادي بيزاني فيري: إن اليورو وصل إلى مستوى منخفض وبلغ 0.82 دولار في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2000 وسجل ارتفاعا تاريخيا بمعدل 1.60 في يوليو/تموز 2008، ومنذ ذلك الحين يتأرجح ما بين 1.05 و1.2، وهو أمر لا يزال معقولا كما يقول.

 وترى الصحيفة أن هناك الكثير من التغيرات في عالم التبادل شبه الثابت للعملات والذي انتهى بفوز اليورو على الدولار، حيث يتحدث التقرير عن انعكاس انعدام الثقة على ارتفاع قيمة الذهب الذي حطم أرقاما قياسية وارتفع بنسبة 30 ٪ منذ بداية العام 2020.

جرى ذلك من خلال تداول الأونصة عند معدلات 1،975 دولار وهي علامة على تراجع الثقة في العملات التقليدية والخوف من عودة التضخم.

تتساءل لوموند في هذا السياق عما إذا كان سقوط الدولار سيسرع ويهدد هيمنته، مستدركة: "لا يوجد بديل له".

وتشير في نفس الصدد لأقوال المستثمرين التي يرددونها منذ سنوات بأنه لا يوجد خيار آخر سوى الدولار، مستشهدين بالتصلب الصيني والضعف الطبيعي لليورو.

يذكر التقرير أنه وفقا للفاينانشيال تايمز، لا يزال الدولار العملة الاحتياطية المرجعية (62٪ بالنسبة لمعدل الاحتياطيات، بانخفاض نقطتين فقط منذ عام 2008) بينما انخفضت حصة اليورو من 28٪ إلى 20٪ منذ عام 2008.

"امتياز باهظ"

ستيفن روتش، الأستاذ في جامعة ييل والمدير التنفيذي السابق لمورجان ستانلي (مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أميركية متعددة الجنسيات) لا يتفق تماما مع القول السائد بأنه لا بديل عن الدولار.

ونقلت الصحيفة الفرنسية عن إحدى مقالاته المنشورة في بلومبرج والتي  يقدر فيها بأن "الامتياز الباهظ للدولار قد انتهى" ويتنبأ في نفس السياق بانخفاض قيمته بنسبة 35 ٪ . 

كما يتوقع كبير الاقتصاديين في بنك ناتيكسيس الإستثماري باتريك أرتوس حدوث انحدار في قيمة الدولار. وحسب الصحيفة هناك عديد التفسيرات لذلك، من بينها أن الولايات المتحدة تعد الأولى في  طباعة النقود.

فوفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي من المرجح أن يصل عجز الميزانية إلى 23.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، وهو ضعف ما كان عليه في منطقة اليورو (11.7٪).

 يضاف إلى ذلك، سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي خفضت الفائدة أكثر من البنك المركزي الأوروبي، والتي لم تعد قادرة على تحمل أسعار الفائدة السلبية.

كما يشير التقرير إلى أن المعدلات الرئيسية قصيرة المدى في الولايات المتحدة تتراوح الآن ما بين 0٪ و0.25٪ ، بمعدل نقطة واحدة أقل مما كانت عليه في بداية الوباء.

ولفتت لوموند إلى تدخل الاحتياطي الفيدرالي بشكل مكثف من خلال شراء السندات المالية للشركات الأميركية، وذلك لضمان سيولة السوق في الظاهر، وهو في الواقع لتجنب الإفلاس.

يضاف إلى ذلك، حسب الصحيفة، الشكوك السياسية التي تزيد من انعدام الثقة داخل السوق. وتتمثل هذه الشكوك في الفوضى الدائرة في واشنطن وعدم قدرة البلاد على القضاء على وباء كوفيد 19، وأيضا برنامج المرشح الديمقراطي للرئاسة في نوفمبر/تشرين الثاني جو بايدن.

بحسب الصحيفة، من المتوقع أن يرفع هذا المرشح الضرائب عن الشركات، ويفرض ضريبة ضمان اجتماعي على الأغنياء ويدعو إلى إنهاء الترامبية (نسبة إلى سياسة الرئيس الحالي دونالد ترامب) في وول ستريت.

وهذه الأحداث أتت على خلفية عجز تجاري كبير ونقص في المدخرات الهيكلية وبسبب سياسات الإغلاق.

بذلك تقول الصحيفة: إن الأميركيين قد دخلوا في حركة الكماشة: إذ كيف يمكنك فرض امتيازك بالدولار إذا فصلت نفسك عن الاقتصادات الأخرى حول العالم، في وقت خسر الدولار امتيازاته الأساسية؟

ردة فعل أوروبية

وفي تقدير لوموند، فإن الدولار مهدد من قبل ثلاثة عوامل خارجية أخرى، وأنه من خلال ظاهرة التراكمات المتواصلة، تكون قيمة عملة واحدة مقابل قيمة عملة أخرى هي المعيار. 

أولا: على عكس الأزمة المالية لعام 2008، استجابت منطقة اليورو بسرعة للأزمة من خلال إطلاق خطة للانتعاش الاقتصادي، وقد جرت العادة، بأن تمول المدخرات الأوروبية الخزانة الأميركية. 

لكن في هذه الحالة وفقا لباتريك أرتوس سيتم توجيه هذه المدخرات إلى أوروبا، مما يضعف الطلب على الدولار بصفة آلية.

العامل الثاني: هو مواصلة الصين تنميتها الاقتصادية على الرغم من الحرب التجارية والتكنولوجية بينها وبين الولايات المتحدة.

هناك أيضا عامل آخر: وهو جذب الأسواق الناشئة، فمع استمرار معدلات قريبة من الصفر في البلدان المتقدمة، يبحث المستثمرون عن الربح في دول الجنوب.

أدت هذه الوضعية إلى تقدير غير مفهوم، بالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية والسياسية للبلد، حيث سجل الريال البرازيلي مثلا معدل ارتفاع بقيمة 10 ٪ مقابل الدولار منذ شهر مايو/أيار.

تقول الصحيفة: إن انزلاق الدولار يصاحبه ظاهرة أخرى ألا وهي ارتفاع سعر الذهب، ولكن أيضا العملات غير الحكومية، مثل البيتكوين، التي زادت قيمتها التداولية بنسبة 55٪ منذ بداية السنة بقيمة تقارب 11250 دولارا.

وفي عالم حيث تعمل البنوك المركزية والدول على استحداث الرساميل (رؤوس الأموال) في جميع الاتجاهات، من الضروري العثور على ملاذات آمنة.

وترى لوموند أن هذا السوق رمزي، حيث تمتلك البنوك المركزية 33000 طن من الذهب، مما يجعل من المستحيل العودة إلى معيار الذهب، لكن تظهر هذه الوضعية خوفا على قيمة الأصول في السنوات القادمة.

وتضيف: "على غرار ذلك، يعتمد المشغلون على  تسييل الديون، حيث أنه بسبب عدم  تسديد الشركات لديونها، قد يؤدي ذلك إلى تضخم الأصول، وهو ما يمكننا رؤيته في الارتفاع الصارخ لقيمة الأسهم، ولكن أيضا في العقارات حيث يقبع التضخم".

وبحسب الصحيفة، لا يمكننا استبعاد ظاهرة الركود، واقتران التضخم به كما حدث في السبعينيات، فاليوم كانت التكلفة ناتجة عن الخسائر الإنتاجية التي سببها وباء كورونا.

ومن المُسلّم به أن الارتفاع في أسعار الاستهلاك لا تزال منخفضة للغاية وذلك بمعدل 1.6 في الولايات المتحدة و0.9 في منطقة اليورو في نهاية عام 2021، مع افتراض حدوث أزمة بسيطة، وفقا لمنظمة التنمية التعاون الاقتصادي.

يذكر التقرير أن الاحتياطي الفيدرالي يعد نفسه بالفعل لمواجهة الأزمة. ويشير أنه وفقا لوول ستريت جورنال، يجب على المؤسسة أن تستبعد رسميا رفع أسعار الفائدة الوقائية لتتمكن من كبح هذه الأزمة.

تقول الصحيفة: إن أوروبا محمية بشكل أكبر من خلال المغامرات غير التقليدية، مع تفويض صارم من البنك المركزي الأوروبي واستقلاله المحدود فيما يخص المعاهدات.

ولا تزال منطقة اليورو تكافح من أجل احترام الحد الأدنى من الانضباط المال، ومن خلال هذا المقياس، يبدو أن قيمة الدولار مبالغ فيها، وفق لوموند.