صورة الأتراك والخلافة العثمانية.. هكذا قدمتها المسلسلات المصرية

في آب/ أغسطس 1934، انعقد مؤتمر لغوي حضره أتاتورك، وبصحبته مستشرقان من روسيا هما سامولوفتش وميشينوف، قدما أبحاثا في اللغة واللهجات التترية والتركية القديمة في بلاد التركستان والقوقاز، و"عرضا رغبتهما في مساعدة الأتراك على تطهير لغتهم من شوائب العربية، وإيجاد بدائل أخرى".
ناقش المؤتمر إيجاد حل للمعضلة، لأن نسبة الكلمات العربية في التركية في ذلك الوقت كانت تتجاوز 60% وهنا ذكر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية" أن "عدد المفردات العربية تجاوز بكثير 10 آلاف كلمة".
سعى أتاتورك إلى توجيه دفة تركيا إلى الغرب، والابتعاد عن روابطها التقليدية مع العالم الإسلامي، وهو ذات التوجه الذي استمر عليه من خلفه في حكم تركيا لسنوات طويلة.
الحواجز التي تراكمت بين العرب والأتراك لم تكن عن طريق اللغة، والفرقة السياسية فقط، بل دخلت فيها صناعة الدراما والسينما، التي عززت من أفكار الخلاف بين شعبين تجمعهم الكثير من الروابط، بداية من الدين كميثاق عظيم، ثم العادات والتقاليد، والقرب الاجتماعي والجغرافي.
عاد دور تركيا في العالم العربي والإسلامي للظهور بقوة مع وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في عام 2002، إذ تبنى قادة ومفكرو الحزب منهجا يقوم على ضرورة إحياء دور تركيا الإسلامي الذي تعرض للتجاهل والإهمال منذ عهد أتاتورك.
كما أن النمو الاقتصادي الكبير الذي تمكن الحزب من تحقيقه ساهم في تطلع تركيا إلى علاقات اقتصادية وسياسية أوسع في المنطقة العربية، مع دعمها للربيع العربي.
وفي ظل وجود حكومات عربية تكره الصعود التركي، وموقف أنقرة من الثورات، ومن الأنظمة العسكرية، غير الديمقراطية، بدأت تستخدم فكرة الدراما كحاجز لتطور العلاقة، ولمنع القوة الناعمة التركية من التغلغل، فكان مسلسل "ممالك النار" بإنتاج إماراتي ضخم، وتمثيل مصري سوري.
لكن هل تشويه الخلافة العثمانية، والأتراك، وليد اللحظة، والحالة القائمة، أم أن له جذورا قديمة متغلغلة في أرشيف المسلسلات، والأعمال الفنية؟ وهل العرب وحدهم يسألون عن تلك الحالة، أم للأتراك نظرة مماثلة في أعمالهم للعرب؟.
أرابيسك
في شهر رمضان، الموافق 11 فبراير/ شباط 1994، بدأ عرض المسلسل المصري "أرابيسك"، من تأليف الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، وبطولة الفنان صلاح السعدني، ودارت أحداث القصة حول شخص يمتلك ورشة لصناعة الأرابيسك "فن متعلق بالزخرفة والتشكيل" في حي شعبي، يتميز بالشهامة والرجولة والوقوف إلى جانب الآخرين في أزماتهم.
كانت الرسالة الأساسية للمسلسل، تتعلق بتفاصيل "الهوية المصرية"، وتطرق الكاتب في أكثر من موضع إلى فترة الوجود العثماني في مصر، وتحديدا في إحدى الحلقات عندما دار حوار بين بطل المسلسل حسن، الذي جسد شخصيته (صلاح السعدني)، وبين الأستاذ وفائي، الذي جسد شخصيته (حسن حسني)، وكان مسار النص كالآتي:
حسن: كرسي السلطان سليم؟وفائي: آه.. ماتعرفش السلطان سليم يا حسن!حسن: سليم الأول؟ مش ده اللي هزم قنصوه الغوري في مرج دابق وبعدين شنق طومان باي على باب زويلة؟!وفائي: هو بعينه كويس.. والله إنك عارف المعلومات دي يا حسن!حسن: لا ما أنا لسه يا أستاذ مانستش دروس التاريخ بتاعة إعدادي وثانوي لغاية دلوقتي، خصوصا درس الفتح العثماني لمصر.. دي بقى لازقة في دماغي بالغرا.يسأل وفائي: اشمعنى المعلومات دي بالذات يا حسن!فيشرح الأخير: أقولك يا أستاذ، وأنا صغير، كنت دائما أسمع جدي بيحكي لأصحابه وولاده عن جدنا الكبير راس العيلة عبدالرحمن النعماني.. كان بيقول: إنه مات في تركيا وقبره لسه موجود في إسطنبول لغاية دلوقتي، أنا لما كبرت سألت أبويا عن الحكاية دي.. قال لي: إن السلطان سليم الأول لما دخل مصر، لمّ أحسن العمال والصنايعية في كل طوايف المعمار، وسفرهم على تركيا علشان يبنوا له جوامع وخانات وحمامات، علشان يخلوا إسطنبول أحلى من مصر المحروسة، أو على الأقل زيها، وكان جدي عبدالرحمن النعماني من الناس اللي راحوا هناك، بس راح مرجعش.يقول وفائي: مظبوط يا حسن، ودي أكبر جريمة ارتكبها السلطان سليم والسلاطين اللي بعده، جردوا مصر من كل فنانينها اللي عملوا التحف العظيمة في عصر المماليك، وشحنوهم على تركيا، وده الفرق بين المماليك، والتراكوة..ويكمل: المماليك استقروا في مصر، واعتبروها بلدهم، وابتدوا يبنوا ويشجعوا الفنانين والصنايعية، والحقيقة كانوا بيسابقوا بعض ويباهوا بعض وكل واحد فيهم عاوز يعمل حاجة جميلة باسمه، علشان كدة سابوا لنا كنز في العمارة وفنون النقش والزخرفة، لغاية النهاردة مالية مصر..ثم يختتم المشهد بتلك الجملة: "التراكوة ماكانوش كده.. كانوا زي سرب الجراد اللي بيحط على أرض خضراء، يمسحها ومايسيبش فيها عود أخضر".
تعمدت بعض الصحف المصرية، ووسائل الإعلام، إبراز هذا المشهد تحديدا، في الآونة الأخيرة، في ظل إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفضه الانقلاب العسكري الذي قاده عبدالفتاح السيسي على رئيسه المدني المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013.
استحضار التاريخ
الدكتور محمد أبو زيد الأستاذ في جامعة الأزهر قال لـ "الاستقلال": "استحضار التاريخ في هذا السياق الدرامي المغلوط كذب وتدليس واضح، وأخذ الناس معلوماتهم من الأعمال الفنية والدرامية ليس بالأمر الصحيح، فالتاريخ يخضع للبحث، والتنقيح في الكتب المعتمدة، والدراسات العلمية السليمة، وليس للأهواء، والمكايدات السياسية، فعلى سبيل المثال أن الأتراك تسببوا في تدهور مصر خلال فترة الفتح العثماني، معلومة خاطئة، ومعممة".
وأضاف أبو زيد: "الدولة العثمانية حكمت مساحات شاسعة من العالم في القارات الثلاث، وحققت نهضة كبيرة في جميع المجالات، وتحديدا البناء والعمارة، وأقاموا معمارهم على التراث البيزنطي القديم، بل واستحدثوا أسلوبهم الخاص، وهو ما يرى في المساجد والقصور، والقلاع الكبيرة داخل الدولة التركية، فهل كل الدول التي حكمتها الدولة العثمانية تأخرت، وتراجعت!".
وتابع الأستاذ بجامعة الأزهر: "نحن هنا لسنا بصدد التوسع في فضائل الدولة المصرية على العثمانية أو العكس، ولكن في السياق السياسي الذي يستخدم فيه، وبالتالي فالأساس أننا أمة واحدة مصري، وتركي، وهندي، وباكستاني، والمسلمون إخوة في الدين والعقيدة، لا يجوز لهم أن يلجأوا إلى النزعة القومية، في مواجهة بعضهم بعضا، ومن المعلوم أن فترات الاحتلال الإنجليزي، والفرنسي للبلاد الإسلامية، زرعت الفتن، وفرقت الشعوب، لسنوات طويلة، ولا يزال أثرها ممتدا حتى يومنا هذا".
دراما الكراهية
في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، بدأ عرض مسلسل "قاسم أمين" بطولة الفنان كمال أبو رية، ومن إخراج إنعام محمد علي، وهي مخرجة لها موقف معارض للإسلاميين، وناهضت بشدة حكم الرئيس محمد مرسي، أما المسلسل فتدور أحداثه، خلال الفترة التاريخية، المتعلقة بحياة المفكر قاسم أمين الذي أصدر في النصف الأول من القرن العشرين العديد من الكتب المثيرة للجدل، مثل "تحرير المرأة"، و"المرأة الجديدة".
ولكن سياق العمل الدرامي، ظل يؤكد على أن تخلف المرأة راجع إلى تقاليد ومبادئ، ما أطلقوا عليه "الاستعمار العثماني"، ومثل الفنان المصري "أحمد فؤاد" شخصية والد قاسم أمين (محمد بك أمين)، بصورة التركي الفظ العنيف، صاحب السطوة والسلطان، الذي يظلم الناس، حتى أهل بيته المقربين لم يسلموا منه.
والعجيب في هذا العمل الدرامي، الذي حظي بانتشار واسع، أنه أغفل عن عمد، حقيقة تاريخية، مفادها أن "قاسم أمين" من أصول تركية ثابتة، وهذا ما أورده الدكتور ماهر حسن فهمي، في كتابه "قاسم أمين"، وذكر أن والده "محمد بك أمين" ضابط تركي، جاء من الأستانة إلى مصر، وخدم في الجيش العثماني برتبة "أميرالاي".
وفي 5 ديسمبر/ كانون الأول 2002، عرض على شاشة التلفزيون المصري مسلسل "فارس بلا جواد"، بطولة الفنان محمد صبحي، ورغم أن العمل ارتكز في الأساس على، عهد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وتناول المؤامرات التي أعدها اليهود المقيمين في مصر ضد المصريين، وذلك عن طريق تعليمات كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون).
لكنه لم يخلو من التعرض للعثمانيين، وذلك في الحلقة الأولى، حيث مشهد الباشا العثماني، الذي قام به الممثل المصري "عبد الرحيم حسن"، وفيه يقوم بضرب أهل القرية "بسوطه" ويأخذ أحد أبنائهم عنوة، ويستعبدهم، ويمعن في إذلالهم، وكإحكام للدور، كان الباشا يتكلم بالمصطلحات التركية وسط كلماته، مثل استخدامه المتكرر لكلمة (Cahiller/ وتعني جهلاء).
تلك نماذج محدودة من عشرات الأعمال الفنية، التي صورت الشخصية العثمانية، والتركية بهذه الصورة النمطية المسيئة، وفي الآونة الأخيرة يوجد أبعاد تتجاوز الشكل النمطي للصياغة الكلاسيكية المصرية المتعلقة بالعثمانيين، فالدراما التركية دخلت بقوة إلى العالم العربي، وأصبحت حاضرة، تعبر عن الأتراك بلسان حالهم، وأصبحت قوة ناعمة منافسة للدراما المصرية، والسورية.
قوة ناعمة
في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، أظهرت دراسة أجرتها شركة "إنتربريس ميديا سرفسز" العالمية، أن تركيا تحتل المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية في تصدير الدراما بإيرادات قدرها 350 مليون دولار.
وتُشاهد الدراما التركية في حوالي 100 بلد على الأقل، وانتشرت المسلسلات التركية الروائية الطويلة المعروفة باسم "أوبرا الصالون"، بشكل خاص في بلدان الشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، حيث تعد من أفضل 15 برنامجا يبث في تلك البلدان في السنوات الأخيرة، وفقا لصحيفة "حرييت ديلي نيوز" التركية.
وأوضحت الدراسة أن الناس في دول الشرق الأوسط يميلون غالبا لمشاهدة المسلسلات التركية التي تدور حول الأثرياء ونمط الحياة الحديثة، بينما يفضل مشاهدو أميركا اللاتينية مشاهدة المسلسلات التاريخية، كما تتمثل أهداف الدراما التركية الجديدة في الانتشار بالصين والهند واليابان.
ويصل معدل الإنتاج السنوي من المسلسلات في تركيا إلى أكثر من 70 مسلسلا سنويا، ويتم تصدير ما بين 10 إلى 15 مسلسلا من بقية المسلسلات التي تحقق نجاحا كبيرا إلى خارج تركيا، وتتم دبلجتها إلى عدد من اللغات، من بينها العربية.
ودبلج إلى العربية ما يزيد عن 100 مسلسل تركي خلال السنوات الماضية، ومن أشهرها مسلسلات "وادي الذئاب" و"العشق الأسود" و"عودة مهند" و"بنات الشمس" و"أنت وطني" و"حب أعمى" و"قيامة أرطغرل"، والأخير وجد انتشارا كبيرا بين فئات مختلفة من شعوب الوطن العربي، لما حمله من معاني إسلامية واضحة.
وعلى الرغم من توقف دبلجة المسلسلات التركية وعرضها على شبكة MBC، بعد الخلافات ما بين تركيا، والسعودية والإمارات ومصر، إلا أن الدراما التركية ما زالت تلقى إقبالا واسعا في العالم العربي.
ولم تعد متابعة المسلسلات التركية تقتصر على شاشات التلفاز والمحطات المحلية والفضائية فحسب، بل إن مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدا موقع يوتيوب، تقدم فرصة للجمهور العربي لمشاهدة الدراما التركية.
ذلك النفوذ المتسع للقوة الناعمة التركية عبر المسلسلات، جاء بمثابة حلقة مفقودة، لتاريخ طويل من الانقطاع بين الأناضول والعالم العربي، منذ الحرب العالمية الأولى في يوليو/ تموز 2014، ثم سقوط الخلافة العثمانية في 3 مارس/ آذار 1924، وهو ما تسبب بشكل، أو بآخر في فجوة عظيمة بين العرب، والأتراك.
صورة العربي
من أشهر مشاهد تناول الشخصية العربية، في الأعمال الفنية التركية القديمة، ما جاء في مشهد كوميدي ل "كمال صونال" أسطورة الكوميديا في تركيا، وهو يتعلم اللغة العربية في سلسلة أفلامه المقدمة تحت اسم "شعبان"، وجاء المشهد ضمن فيلم يصور العربي في صورة شخص انتهازي، وغير ذكي، يمتلك الكثير من المال، لينفقه في غير محله.
ومع ذلك لا يمكن إغفال، أن فنانا مصريا مثل، فريد شوقي، تصدر "أفيشات" الأفلام التركية في ستينيات القرن الماضي.
وكان الجمهور التركي يذهب إلى السينما لمشاهدة الفنان المصري، فريد شوقي، أحد أهم الممثلين شعبية في العالم العربي في ذلك الوقت.
وقدم مجموعة أفلام من إنتاج تركي مصري مشترك، وحينها، كانت تُصنَع من الفيلم نسختان، إحداهما مصرية، والأخرى تركية، تتم فيها دبلجة صوت "شوقي" باللغة التركية.
ومن أهم أفلام فريد شوقي التركية: فيلم "مغامرات في إسطنبول" عام 1965، وفيلم "شيطان البوسفور" عام 1968، وفيلم "عثمان الجبار" عام 1968، مع الممثلة التركية المشهورة "هوليا كوتشيت"، وكان خطايا الآباء آخر فيلم قدمه في تركيا عام 1973 قبل أن يعود إلى مصر.
المصادر
- بالأرقام: كيف وصلت الدراما التركية إلى 140 بلداً... وما هي عائداتها المالية؟
- مسلسل "ممالك النار".. الإمارات تشوه تاريخ تركيا
- قاسم أمين
- الدراما التاريخية.. سؤال التوظيف السياسي وحدود المعالجة
- "جراد بيحط على أرض خضرا".. كيف فضح مسلسل "أرابيسك" أجداد أردوغان؟
- رغم دعوات مقاطعتها..المصريون يعشقون الدراما التركية
- نفوذ تركيا في المنطقة: قوة للبناء أم للهدم؟
- كيف قطع أتاتورك اللسان العثماني للأتراك؟
- فريد شوقي في السينما التركيّة