بعد زيارة قادتهم لـ "أبوظبي" وإسرائيل.. هل تستثمر الإمارات في التمرد الدرزي ضد سوريا؟

تساؤلات عن دور الإمارات في دفع دروز سوريين الى الحضن الإسرائيلي
في 14 مارس/ آذار 2025، أجرى 100 شيخ من الدروز الانفصاليين زيارة للجولان السوري المحتل وإسرائيل بدعوة من حكمت الهجري، رئيس الطائفة الدرزية في سوريا، وبطلب من نظيره الإسرائيلي موفق طريف.
ويعرف عن الشيخ الدرزي حكمت الهجري أنه مناوئ لثورة سوريا، وأنه يرتبط بعلاقات حميمة مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو.
الزيارة جاءت في توقيت غريب وعقب استقبال الإمارات رسميا لرئيس الطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف، بثلاثة أشهر، ثم استضافته مجددا في مارس في مؤتمر مشبوه.
الدروز الذين سافروا إلى إسرائيل في حماية جيش الاحتلال، أعلنوا تمردهم على الحكم السوري الجديد، الذي جاء عقب انهيار نظام الأسد وتولي حكومة إنقاذ ذات توجه إسلامي السلطة، وتعهدت إسرائيل بحمايتهم، ودعمتهم الإمارات.
وجاء تحرك الإمارات للاستثمار في التمرد الدرزي، بعدما فشلت في استغلال تمرد حركة "قسد" الكردية في الشمال السوري، لقيام حكومة دمشق بدمجهم في الدولة بموجب اتفاق بين رئيس سوريا أحمد الشرع، ومظلوم عبدي قائد المتمردين.
ماذا تريد الإمارات من الدروز؟
يوم 7 ديسمبر/ كانون الأول 2024، استقبل محمد بن زايد رئيس الإمارات، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، موفق طريف الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، وسط تساؤلات عن دور الإمارات في دفع دروز سوريين الى الحضن الإسرائيلي.
بحسب وكالة الأنباء الإماراتية "وام" الرسمية، كان هدف دعوة الإمارات له، كلاما إنشائيا عاما، مثل "بحث أهمية تعزيز القيم الإنسانية المشتركة، وتأصيل ثقافة التعايش والحوار الحضاري والسلم بين مختلف الثقافات والشعوب في العالم".
لكن تقديرات لمعارضين إماراتيين رجحت أن يكون اللقاء جزءا من دور أبوظبي المشبوه لإجهاض ثورة سوريا.
حيث تبعه تصعيد درزي ضد القيادة السورية الجديدة، وطلب فصائل درزية الحماية من إسرائيل، بعدما عرضتها عليهم ضمن مخططها "إنشاء دويلة للدروز" لتفتيت سوريا.
كما تبعه هجوم "فلول النظام البائد" في دمشق، وبينهم دروز وعلويون، يوم 9 مارس/ آذار 2025، على الجيش والشرطة السورية، ضمن مخطط مدعوم وسيناريو لـ "الثورة المضادة" على غرار ما جرى في مصر وتونس وغيرها، لمنع أي نظام ذي صبغة إسلامية.
وأعقب ذلك تحرك الشيخ الدرزي المناوئ لثورة سوريا، "حكمت الهجري"، رئيس الطائفة الدرزية في سوريا، بطلب من نظيره الإسرائيلي "موفق طريف"، لترتيب زيارة لـ 100 شيخ درزي انفصالي للجولان المحتل وإسرائيل، يوم 14 مارس/ آذار 2025.
وكان استقبال وترحيب الإمارات برئيس الطائفة في إسرائيل، موفق طريف، ثم دعوته الأخير، نظيره السوري (الهاجري) لزيارة إسرائيل، مؤشرا على سعي أبو ظبي للاستثمار في التمرد الدرزي.
حيث عد سوريون هذا التحرك الإماراتي داعما للانفصال الدرزي لإجهاض الثورة السورية، وضمن مخططات أبو ظبي المعادية لحكم الإسلاميين في الدول العربية.
والمفارقة، أن صحيفة "العرب" الإماراتية التي تصدر من لندن زعمت "أنه من الصعب اتهام شيوخ الدروز (السوريين)، الذين يزورون إسرائيل، بالعمالة كما كان يحصل في السابق"، ودافعت عن تواصلهم مع دولة الاحتلال.
ذكرت في تبرير عمالتهم وتعاونهم مع الاحتلال أن: "الطائفة التي كانت تلتزم بالموقف السوري والعربي في مقاطعة إسرائيل لم تحصل على مكاسب تحفظ هويتها وتعترف بخصوصيتها الثقافية والدينية، وظل الدروز مهمشين".
كما زعمت الصحيفة الممولة من الإمارات يوم 15 مارس/آذار 2025، أن "الزيارة تهدف إلى البحث عن الأمان من خلال توحيد الطائفة وتمتين الروابط بين أبنائها في إسرائيل وسوريا، حتى وإن تم التعامل معها على أنها تطبيع أو عمالة أو تآمر على الثورة الجديدة"!!
ورأت أنه: "حتى لو تم التعامل مع الزيارة على أنها احتماء بالعدو، فإن هذا لا يدين الطائفة بل يدين من دفعها إلى البحث عن الأمان في مكان آخر يصنف على أنه عدو بينما تتزايد مخاوف الطائفة بسبب سيطرة جماعات إسلامية مسلحة على السلطة في سوريا".
"تريندز" واجهة استخبارية

عقب زيارة موفق طريف رئيس الطائفة الدرزية للإمارات، في ديسمبر 2024، بشكل رسمي، أعلن مركز إماراتي يتبع الاستخبارات الإماراتية، هو "تريندز للبحوث الاستشارات" توقيع اتفاق يوم 7 مارس/آذار 2025 مع مجلس "طريف" الدرزي الإسرائيلي.
وأشارت الصور التي نشرها المركز الإماراتي، إلى أن التوقيع تم في مقره بأبوظبي، ما يعني أن "طريف" عاد ليزور الإمارات للمرة الثانية، ولكن دون إعلان رسمي هذه المرة.
وعلقت "شبكة أخبار سوريا" على توقيع هذا الاتفاق بين المركز الإماراتي، وزعيم الطائفة الدرزية في إسرائيل، بالقول: “هل عرفتم الآن من وراء دعم الدروز للبقاء تحت ظل إسرائيل؟”
وقبل ذلك بأربعة أيام عُقدت ندوة بمركز تريندز الإمارات، يوم 4 مارس 2025، حضرها "طريف" أيضا ضمن من تم تسميتهم "علماء دين وإعلاميين وخبراء" لمناقشة "التسامح والأخوة الإنسانية"، و"قبول الآخر واحترام التنوع الديني والفكري والعرقي".
وبعد يومين من دعوة الإمارات "طريف" لحضور هذه الفعاليات، التي يعتقد أنها غطاء يختلف عما تم مناقشته، حدث تمرد فلول النظام المدعومين من العلويين والدروز في سوريا، وتبعه يوم 14 مارس زيارة الوفد الدرزي السوري لإسرائيل.
وكان لافتا أنه بعدما وقع مركز "تريندز" الإماراتي، مذكرة تفاهم مع زعيم الدروز موفق طريف في إسرائيل، بـ 6 ساعات، خروج مظاهرات درزية في السويداء ضد الرئيس أحمد الشرع، والمطالبة بحماية إسرائيلية.
ووقع مركز تريندز للبحوث والاستشارات، والمجلس الديني الدرزي الأعلى (في إسرائيل)، "اتفاقية تعاون بحثي معرفي، لتعزيز البحث العلمي والتعاون المشترك في مجالات ذات اهتمام مشترك، لتعزيز قيم التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية".
وتم الاتفاق على تنظيم لقاءات إماراتية درزية مشتركة في أبوظبي وإسرائيل، عبر "تنظيم فعاليات علمية، ومؤتمرات، وورش عمل مشتركة" و"وضع إطار رسمي للتواصل والتنسيق بين الطرفين".
ويرجح معارضون إماراتيون، أن يكون هذا المعهد الإماراتي واجهة استخبارية، لدعم انفصال الأقليات في سوريا خاصة الدروز، وأنه عُهد له بتنظيم اللقاءات والتنسيق مع الأقليات في سوريا مثل الدروز والعلويين والأكراد، بحجة البحث العلمي".
ويعمل المركز، ضمن أنشطته، على إقناع الدول الأوروبية خاصة بريطانيا، بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية" وحظرها في بريطانيا، وذلك حسبما قال رئيس المركز في ندوة نظمها في لندن خصيصا لهذا الغرض يوم 16 مارس/آذار 2025، عبر تويتر (إكس).
زيارة إسرائيل بتنسيق إماراتي

ويوم 14 مارس/آذار عبر وفد يضم نحو 100 رجل دين من الدروز السوريين خط الهدنة في مرتفعات الجولان المحتل إلى إسرائيل، في أول زيارة من نوعها منذ حوالي خمسين عاما.
وأثارت الزيارة ردود فعل كبيرة داخل الطائفة الدرزية، وعارضها كثيرون، حيث وصل الوفد في ثلاث حافلات بحراسة مركبات عسكرية إسرائيلية إلى بلدة مجدل شمس في الجولان السوري، للقاء زعيم الدروز في إسرائيل موفق طريف
وقد أصدر أهالي قرية حضر التي يسكنها سوريون دروز بيانا أدانوا فيه زيارة الوفد، وقالوا: "نستنكر زيارة بعض المشايخ إلى فلسطين المحتلة تلبية لدعوة جهات موالية للاحتلال وأن إسرائيل تستغل زيارة دينية لزرع الانقسام في الصف الوطني."
وحاول "موفق طريف" التخفيف من خطورة الزيارة بزعم أن "زيارة رجال الدين الدروز السوريين هي زيارة دينية بحتة لرجال دين من أجل أداء الصلوات في مقام النبي شعيب فقط، ولا يوجد لها أي بعد سياسي".
وقال لموقع التلفزيون الإسرائيلي i24NEWS يوم 17 مارس/آذار 2025 إن "المزاعم التي تقول إن بعض الدروز في سوريا يتماهون من أجل إنشاء كيان درزي أو ضم جبل الدروز في سوريا تحت السيادة الإسرائيلية، عارية عن الصحة".
لكن زعيم دروز سوريا، حكمت الهجري، أعلن بالمقابل عداءه لبلاده وللرئيس السوري الجديد، وهاجم يوم 12 مارس الإعلان الدستوري المؤقت، زاعما أنه "يسلم البلاد كلها لشخص واحد بصلاحيات مطلقة تؤسس لسلطة استبدادية جديدة".
قال: "نرفض ما سمي بالإعلان الدستوري، لأنه في مضمونه إعلان ديكتاتوري ونطلب العمل الجاد والسليم وعبر خطة واضحة لتنظيم إعلان دستوري سليم أصولا وقانونا يؤسس لنظام ديمقراطي تشاركي من جهات مختصة وطنية من خيرة الأبناء".
ووصف الهجري، في بيان نشرته الصفحة الرسمية للرئاسة الروحية للطائفة الدرزية، ما يحصل بأنه "فرض لسياسة الأمر الواقع بلونٍ واحد، يحاول تغطية الأحداث عبر عناوين ملثمة تحاول الظهور على شاشات العالم بصورة الوطن".
ووصف مؤتمر الحوار الوطني بأنه أصدر فور انتهائه "توصيات متداخلة جاهزة مخيبة للآمال".
لكن دروزا في السويداء قابلوا دعوة نتنياهو لحمايتهم وقيام وفد من الدروز بزيارة إسرائيل، برفض قاطع ونظموا مظاهرات منددة بما قاله.
الدروز منطقة نفوذ
وكانت كل تحركات وخطابات زعيم دروز سوريا الانفصالية، وهجومه على حكومة بلاده، وطلبه الحماية ضمنا من إسرائيل، تلقى رواجا وحفاوة في وسائل الإعلام الإماراتية.
ما أثار تساؤلات المراقبين من قبيل، هل المصالح مشتركة بين دولة الإمارات والدروز في إسرائيل؟ وهل هناك علاقة بين إعلان نتنياهو حمايته لدروز سوريا وبين دعوة الزعيم الروحي لدروز إسرائيل لأقرانه الدروز السوريين للتطبيع مع إسرائيل والزيارة التي قام بها مشايخهم برعاية الاحتلال؟ وما أهداف الإمارات؟
هل هي الترويج المجاني لتطبيع درزي سوري إسرائيلي؟ أم استغلال الورقة الدرزية، كما تفعل مع الورقة الكردية، من أجل تفتيت سوريا وإجهاض ثورتها والحكم الإسلامي فيها ضمن أدوراها المشبوهة في دول الربيع العربي، التي انقلبت لثورات مضادة؟
أم أن الإمارات تلعب بالورقة الدرزية، نيابة عن إسرائيل، وتستغل ذلك لخلق منطقة نفوذ لها في سوريا، تتدخل من خلالها لإجهاض الحكم الإسلامي الجديد؟
حيث تسعى، مع الحليف الإسرائيلي، إلى خلق كيان درزي في الجنوب السوري، يكون بمثابة منطقة نفوذ جديدة تتيح لها التحكم في مستقبل سوريا.
وكان الوزير اللبناني السابق "وئام وهاب" قال في حوار مع "قناة الجديد" اللبنانية، إن الشيخ موفق طريف، شيخ دروز إسرائيل، لعب دورا حاسما في تأمين الحماية لمناطق السويداء وجبل الشيخ، ووجه تحذيرات مباشرة للحكومة السورية بعدم التدخل في الشؤون الدرزية.
وأكد أنه لا يمكن عزل هذا الأمر عن زيارة طريف المعلنة للإمارات في ديسمبر 2024، والتي هدفت إلى تعزيز نفوذ نظام بن زايد في المناطق الدرزية في محاولة لضمان وجود حلفاء موثوقين في المنطقة.
وضمن هذه الأهداف، يرجح محللون أن تكون الإمارات تسعى بالتعاون مع إسرائيل لتوفر الغطاء السياسي واللوجستي للدروز؛ مما يفتح الباب أمام احتمالية تحولهم إلى قوة مستقلة تحت رعاية إسرائيلية إماراتية.
وكان د. محمد شمص، أستاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية، ورئيس تحرير موقع "الخنادق"، كشف يوم 13 مارس/آذار 2025، دور الإمارات في أحداث الساحل السوري حين انقلب علويون ودروز ضد حكومة دمشق وقتلوا رجال شرطة وجيش وكيف فشل انقلاب الإمارات؟
وقال: إن الإمارات أصابها التوتر والقلق من تنامي حكم الإسلام "الراديكالي" وتمدد مشروع الإخوان المسلمين في سوريا والمنطقة، عقب سقوط الأسد، وهي التي وضعت الخطط وبنت الآمال على علاقات واسعة سياسية واقتصادية مع النظام السوري السابق.
وأكد أن مدير المخابرات الإماراتية طحنون بن زايد جند ضباطا علويين لتنفيذ انقلاب عسكري ضد حكومة الشرع في الساحل السوري، والسيطرة على الساحل السوري، وزعزعة الاستقرار في سوريا، ولمنع ترسيخ حكم إسلامي في دمشق، وتمدد المشروع التركي في المنطقة.
وأشار لتواصل المخابرات الإماراتية مع ضباط علويين من الساحل السوري لتأطيرهم ضمن قوة عسكرية بهدف السيطرة على المدن الرئيسة في الساحل السوري اللاذقية طرطوس بانياس جبلة، وإنشاء كانتون علوي تستطيع الامارات من خلاله بسط نفوذها والحيازة على حصة من الكعكة السورية (الغاز والنفط في المتوسط).
ونقل "شمص" عن "مصدر أمني مطلع" لموقع الخنادق، أن مستشار الأمن القومي طحنون بن زايد، أنشأ غرفة عمليات لفريق من الاستخبارات الإماراتية بدأت بتجنيد ضباط سوريين سابقين لتنفيذ الانقلاب، وذكر أسماء من شاركوا في ترتيبات الانقلاب.
وأشار لرغبة الإمارات في جعل منطقة الساحل السوري منطقة نفوذ إماراتية، ومنع تركيا من الاستحواذ على مصادر النفط والغاز فيها، ومشاركتها إسرائيل في الهدف الأبعد وهو تقسيم سوريا إلى كانتونات متناحرة وإضعافها.
وشدد على أن أحداث الساحل أوضحت للرأي العام أن لاعبين إقليميين كالإمارات والسعودية ومصر والأردن قلقون من حكم "الإخوان" والإسلام "الراديكالي" في دمشق، وسيبذلون جهودهم لزعزعته والإطاحة به.