بعد سقوط نظام الأسد.. لماذا أصبحت الظروف مهيئة للتعاون بين أذربيجان وسوريا؟

العلاقات بين سوريا وأذربيجان بدأت في التطور منذ استقلال أذربيجان عام 1992
بعد سقوط حكومة الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعادت أذربيجان فتح سفارتها في دمشق في 2025، معلنة دعمها الحكومة الجديدة والمشاركة في إعادة الإعمار؛ ما يعكس تحولا في العلاقات نحو التعاون، مع دور متزايد لتركيا وأذربيجان في المنطقة.
موقع "نادي فالداي" الروسي أشار إلى أن العلاقات بين سوريا وأذربيجان بدأت في التطور منذ استقلال أذربيجان عام 1992 رغم التحالف السوري مع أرمينيا. لافتا إلى أن العلاقات تحسنت في العقد الأول من الألفية الجديدة، خاصة بعد زيارة الرئيس بشار الأسد إلى باكو في 2009، حيث وُقعت اتفاقيات اقتصادية.
لكن هذه العلاقات -بحسب ما ذكره الموقع- تراجعت بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، ومع اندلاع حرب قره باغ الثانية عام 2020، تصاعد التوتر بين البلدين، خاصة مع اتهامات متبادلة بدعم الأطراف المتنازعة.

تدهور العلاقات بعد 2011
بالنظر إلى تاريخ العلاقات بين البلدين، يقول الموقع الروسي: إنه مع بداية الحرب الأهلية في سوريا في 15 مارس/ آذار 2011، بدأت العلاقات بين أذربيجان وسوريا تتعقد تدريجيا.
وعلى الرغم من أن أذربيجان، كدولة صغيرة في سياق النظام الدولي المعاصر، سعت إلى عدم التدخل المباشر في الصراع السوري، فإن ما يحدث في سوريا أثر على موقف باكو، على حد قول الموقع.
ومن الناحية الدينية، يلفت الموقع إلى أن أذربيجان دولة إسلامية، على عكس أرمينيا المسيحية. لذلك أثرت الحرب الأهلية السورية وظهور جماعات إرهابية مختلفة مثل "داعش" وجبهة النصرة، التي تحمل أفكارا دينية راديكالية، على المجتمع الأذربيجاني، على الرغم من البعد الجغرافي لسوريا.
وتشير التقديرات إلى أن عددا من 400 إلى 1000 مواطن أذربيجاني شاركوا في القتال ضد بشار الأسد في سوريا، وعلى الرغم من أن عدد المقاتلين الأذربيجانيين في الحرب السورية كان محدودا، إلا أن الأفكار السلفية الجهادية كانت تهدد السلطة السياسية العلمانية في باكو.
ومن جهة أخرى، يتحدث الموقع عن أنه من الناحية السياسية، منذ بداية ثورات الربيع العربي، كانت باكو في حالة من الغموض السياسي، وعلى سبيل المثال، أُزيل تمثال الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك من ضواحي باكو واستبداله بتمثال أكثر حيادية.
وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة والإستراتيجية مع تركيا، لم تتمكن باكو من دعم المعارضة السورية علنا، وفي الوقت نفسه، لم ترغب باكو في دعم حكومة بشار الأسد، الحليف المقرب من أرمينيا وروسيا وإيران. وهذا التناقض -بحسب وصف الموقع- أدى إلى تبني أذربيجان لنهج حذر تجاه الأزمة السورية.
وبالرغم من اضطرارها لدعم قرار جامعة الدول العربية بتعليق عضوية سوريا كعضو غير دائم في مجلس الأمن منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2011، إلا أن أذربيجان استمرت في تبني موقف حذر.
وبالإشارة إلى أن الحكومة الأذربيجانية حافظت على صمتها بشأن الأزمة السورية، يسلط "نادي فالداي" الضوء على أن البلاد عموما كانت ترى الوضع الدموي المتأزم في سوريا تطورا إيجابيا للأحداث.
حيث كانت ترى أن العنف الطائفي الفوضوي الذي تلا الثورة ضد الأسد قد يضعف محاولات تغيير الحكومة في باكو، وفي هذا السياق، يشير الموقع إلى أنه نتيجة للحرب في سوريا، نُقلت سفارة جمهورية أذربيجان في دمشق إلى بيروت.
بالإضافة إلى ذلك، اتهمت باكو سوريا بالتعاون مع أرمينيا في توطين الأرمن السوريين في كاراباخ.
وفي 2 يناير/ كانون الثاني 2018، دعمت أذربيجان العملية العسكرية التركية في عفرين بسوريا ضد القوات الكردية "PKK/KCK/PYD-YPG" و"داعش".
وبعد ذلك، يبرز الموقع أن التباينات بين باكو ودمشق دخلت مرحلة جديدة خلال الحرب الثانية على قره باغ، من 27 سبتمبر/ أيلول إلى 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020.
وفي حين اتهمت أرمينيا وسوريا تركيا وأذربيجان بإرسال مقاتلين سلفيين سوريين إلى جبهة قره باغ، اتهمت باكو وأنقرة سوريا وأرمينيا بوجود الجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا "ASALA" وقوات الدفاع الشعبي "YPG" وحزب العمال الكردستاني "PKK" في المنطقة.
وقد أسفر ذلك -وفق ما ورد عن الموقع- عن تدهور كبير في العلاقات بين دمشق وباكو.

تغييرات في السياسة الخارجية
وبالعودة إلى الوقت الحالي، يبرز الموقع أنه بعد السقوط المفاجئ لحكومة بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تغيرت الأوضاع وأُعيد النظر في العديد من السياسات الخارجية.
على سبيل المثال، التقى وفد أوكراني رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية، أندريه سيبيغا، بالقائد الفعلي لسوريا ورئيس هيئة تحرير الشام "HTS" في دمشق، أحمد الشرع، في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
كما التقى نائب وزير الخارجية الأذربيجاني، يالشن رافيف، مع وزير الخارجية السوري الجديد، أسعد الشيباني، أثناء زيارة له إلى سوريا في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
وبناء على ذلك، يشير الموقع الروسي إلى أن أذربيجان، في 18 فبراير/ شباط 2025، أعادت فتح سفارتها في دمشق بعد انقطاع دام 13 عاما.
وفي هذا الصدد، ينقل الموقع تأكيد رافيف أن "أذربيجان، إلى جانب تركيا، تتضامن مع سوريا في هذه الفترة الحاسمة التي تهدف إلى ضمان استقرار البلاد ورفاهية شعبها". كما وعد بأن أذربيجان ستقدم الدعم الكامل لعملية إعادة إعمار سوريا.
وتشير هذه التصريحات -في رأي الموقع- إلى أن أذربيجان تنوي لعب دور أكبر في سوريا ما بعد الأسد بالتعاون مع حليفتها التقليدية تركيا؛ حيث يبدو أن العلاقات الوثيقة بين تركيا والقادة الجدد في سوريا وضعف وجود أرمينيا في سوريا بعد سقوط الأسد قد أتاح لأذربيجان فرصا جيدة.
علاوة على ذلك، يضيف الموقع أن أذربيجان قد تتشارك مع تركيا في عملية إعادة إعمار سوريا، مما سيزيد من تأثير الشركات الحكومية والخاصة الأذربيجانية في البلاد.

استنساخ تجربة إعادة الإعمار
ومن النقاط الجديرة بالملاحظة -كما وصفها الموقع- هي العلاقة الخاصة بين سقوط حكومة بشار الأسد واستعادة جمهورية أذربيجان لمنطقة ناغورنو كاراباخ.
وخلال لقاء مع وزير الخارجية السوري الجديد أسعد الشيباني، أشار نائب وزير الخارجية الأذربيجاني، يالشن رافيف، إلى أن "تجربة أذربيجان في استعادة وتجديد الأراضي المحررة يمكن تطبيقها على جهود سوريا في إعادة إعمار البلاد".
ويُقصد بذلك كاراباخ، المنطقة الواقعة في جنوب القوقاز، التي حُررت في الفترة من 2020 إلى 2023 بعد احتلال دام حوالي ثلاثين عاما، بحسب ما قاله رافيف.
ومن جانبه، صرح الشيباني قائلا: "إن تحرير أذربيجان لأراضيها من الاحتلال كان ذا أهمية حاسمة في تعزيز السلام والاستقرار العالمي. تهانيّ للشعب الأذربيجاني".
وفي هذا الإطار، يتحدث "نادي فالداي" عن أنه بينما كانت سوريا تحت قيادة بشار الأسد في ذروة التوترات في علاقاتها مع أنقرة، كانت دمشق تحاول رسم موازاة بين مجزرة الأرمن على يد تركيا وأفعال المعارضة السورية.
وفي هذه النقطة، يقول الموقع: إنه "ليس من المستغرب أن تصبح سوريا ثاني دولة عربية بعد لبنان تعترف، في 13 فبراير/ شباط 2020، بمجزرة الأرمن كإبادة جماعية".
وفي الوقت نفسه، يذكر الموقع أنه في 14 فبراير/ شباط 2025، هنأ رئيس جمهورية أذربيجان، إلهام علييف، أحمد الشرع بتولي منصب رئيس الجمهورية العربية السورية لفترة انتقالية.
وفي رسالته، قال علييف: "اليوم هناك فرص كبيرة لرفع العلاقات بين أذربيجان وسوريا إلى مستوى نوعي جديد وإثراء تعاوننا بمحتوى جديد. وبمناسبة هذه الفرصة، أود دعوتكم لزيارة أذربيجان".
ولذلك، من المتوقع -بحسب الموقع الروسي- أن يزور الزعيم السوري الجديد- الذي زار بالفعل المملكة العربية السعودية وتركيا- باكو في المستقبل القريب.
وهنا، يختتم الموقع تقريره بالتأكيد على أن مواقف قادة سوريا الجدد تختلف بشكل كبير عن مواقف نظام بشار الأسد فيما يتعلق بدعم الأرمن وأرمينيا، مما يعني تغييرات جوهرية في نهج سوريا تجاه جمهورية أذربيجان.
ومن العواقب المهمة والطويلة الأمد لذلك هو زيادة التوازن في المواقف بين سوريا وتركيا وأذربيجان، بحسب ما يراه الموقع.