أرقام وشواهد.. هل تبدأ سوريا مرحلة التعافي سريعا بعد إسقاط الأسد ونظامه؟

مصعب المجبل | منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

في اليوم التالي لسقوط بشار الأسد، حرصت الحكومة الانتقالية برئاسة محمد البشير، على إبقاء الخدمات الأساسية سارية، وسد النقص في بعض الاحتياجات اللازمة للسكان لتحسين الواقع المعيشي وتجاوز الصعوبات التي خلفها النظام البائد. 

فمنذ بداية دخول إدارة العمليات العسكرية للعاصمة دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، جرى فتح المحافظات السورية على بعضها بعضا بعد أن كانت مقطعة الأوصال بحواجز أمنية لمخابرات الأسد الهارب والتي كانت تتحكم بكل ما يدخل إليها.

تسريع الانتعاش

فقد كان لافتا أن مناطق قوى الثورة شمال غربي سوريا، أصبحت بمثابة "جسر بري" لمد المدن والبلدات التي كان يسيطر عليها نظام الأسد المخلوع بكثير من الاحتياجات الخدمية.

إذ دخلت فرق الدفاع المدني السوري "الخوذ البيضاء" وأسهمت على الفور في تقديم الخدمات المتنوعة من إصلاح شبكات الكهرباء وفتح الطرق.

بينما أخذت المنظمات الإغاثية العاملة في مناطق المعارضة سابقا على توزيع الخبز مجانا مع بعض المواد الغذائية الأساسية في المحافظات السورية لمساعدة الأهالي.

كما استفادت المحافظات السورية من وفرة المحروقات في شمال غربي سوريا ما أسهم في سد النقص الكبير  في الوقود الذي كان يعاني منه أهالي المدن والبلدات قبل سقوط الأسد.

وقد حرصت الحكومة الانتقالية على تشغيل جميع دوائر ومؤسسات الدولة عبر دعوة العاملين كافة للعودة إلى وظائفهم ومزاولة عملهم.

كما فتحت الجامعات السورية أبوابها وعاد الطلاب إلى مقاعد الدراسة، وحث دكاترة الجامعات الطلاب على الإقبال على الدراسة وإكمال تعليمهم الجامعي دون أي عوائق.

ومما كان لافتا أن إدارتي مطاري دمشق الدولي وحلب الدوليين تسابقان الزمن لتشغيل المطارين محليا كخطوة أولى، ثم أمام الرحلات الخارجية.

وبالفعل نجح مطار دمشق في 18 ديسمبر 2024، بتسيير أول رحلة طيران داخلية عبر خطوط السورية للطيران (حكومية) من العاصمة إلى حلب.

وقد شهد كثير من المحافظات السورية مبادرات جماعية من السكان لتنظيف الشوارع وإزالة صور آل الأسد ومسح الشعارات والكتابات من على جدران المدارس والدوائر الرسمية في خطوة تعكس سرعة الدخول في عهد سوريا الجديدة.

وشهدت أسواق دمشق نشاطا غير مسبوق في اليوم الثاني من هروب الأسد إلى روسيا وإعلان سقوط النظام من قبل إدارة العمليات العسكرية التي قادت عملية عسكريا في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 تحت اسم "ردع العدوان".

وعقب سقوط نظام الأسد أثيرت مخاوف حول مخزون سوريا من القمح؛ والخشية من صعوبة توفير الخبز للسكان.

إلا أن وزير التجارة في حكومة الأسد المخلوع لؤي عماد الدين المنجد، قال في تصريح تلفزيوني بعد ساعات من هروب رئيس النظام إن "مخزون القمح يكفي السوريين عاما كاملا بينما مخزون الطحين يكفي لثلاثة أشهر"، مبينا أن مخزون السلع الأساسية يكفي لمدة ستة أشهر.

وجرى حل مشكلات النقل للخضار والفواكه وبعض المواد الغذائية بين المناطق السورية من قبل الحكومة الانتقالية وتسهيل انسيابية الحركة منعا لحدوث أي احتكار للمنتجات أو رفع في الأسعار.

من جانبه، أعلن وزير الزراعة السوري في حكومة تصريف الأعمال، محمد الأحمد، أن الوزارة وضعت خطةً لتأمين احتياجات السوريين من الدقيق والخضار، إلى جانب تقديم قروضٍ للمزارعين.

ويعد القطاع الزراعي في سوريا، أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، إذ يوفر فرص عمل لشريحة كبيرة من السكان، خاصة في المناطق الريفية.

وقال "الأحمد" لتلفزيون سوريا المعارض للأسد في 17 ديسمبر، إن وزارة الزراعة وضعت إستراتيجيات لتلبية هذه الاحتياجات، رغم الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع الزراعي في البلاد.

ومن الشواهد على محاولات رفع العقبات أمام معاملات السوريين من كل المناطق هو قبول التعامل في دمشق بالبطاقة الشخصية الصادرة عن مناطق المعارضة سابقا والتي تختلف عن نظام الأسد البائد.

إذ أتاحت البطاقة الشخصية الصادرة من مناطق المعارضة على سبيل المثال في فتح خطوط هواتف نقالة على الفور في العاصمة دمشق.

ضبط الاقتصاد

كذلك أعلن مصرف سوريا المركزي إعادة تشغيل الصرافات الآلية، مع إضافة ‏خدمات الدفع الإلكتروني.

ودعا المصرف السوريين، خلال بيان في 18 ديسمبر، إلى التعاون مع المصارف ‏للحصول على المستحقات المضمونة قانونيا للموظفين الحكوميين.

وأشار إلى توجيه المصارف في أنحاء سوريا لمتابعة عمليات السحب وضبطها، بوصف ذلك إجراء مؤقتا تقتضيه المتغيرات الاقتصادية الأخيرة.

بدوره أعلن مصرف سوريا المركزي اعتماد سعر صرف موحد رسمي للعملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، وذلك في خطوة تهدف إلى تحقيق الاستقرار في الأسواق.

وأصدر المصرف أول بيان له خلال العهد الجديد في 16 ديسمبر، جرى تحديد فيه سعر صرف الدولار الواحد أمام الليرة السورية عند 12500 ليرة، أما سعر صرف اليورو عند 13300.

وانخفضت قيمة العملة السورية من حوالي 50 ليرة مقابل الدولار بداية عام 2011 إلى حوالي 12500 ليرة أمام الدولار راهنا.

ولاحظ الأهالي التوزيع العادل لتغذية الكهرباء بين المدن السورية، بعد سنوات عاقب فيها الأسد السكان وبرر الانقطاع المتكرر بنقص الفيول المغذي للمحطات.

أما في مدينة حلب عاصمة اقتصاد سوريا، فقد عادت مياه الشرب بشكل تدريجي إلى بعض الأحياء في 18 ديسمبر 2024 بعد انقطاع استمر أياما بسبب تعطل التغذية الكهربائية لمحطتي الخفسة والبابيري بريف المحافظة الشرقي.

وبحسب وكالة رويترز البريطانية، فإن خزائن مصرف سوريا المركزي بها حاليا نحو 26 طنا من الذهب، وهي الكمية نفسها التي كانت موجودة عند اندلاع الثورة السورية في 2011.

ونقلت الوكالة عن أربعة مصادر مطلعة في 16 ديسمبر 2024 قولهم إن دمشق تملك مبلغا نقديا صغيرا من احتياطيات العملة الأجنبية.

وذكر مجلس الذهب العالمي أن احتياطيات سوريا من الذهب بلغت 25.8 طن في يونيو/حزيران 2011، مستندا في بياناته إلى المصرف المركزي للبلاد.

وأظهرت حسابات رويترز أن تلك الكمية تساوي 2.2 مليار دولار بأسعار السوق الحالية.

لكن أحد المصادر قال إن احتياطيات النقد الأجنبي في المصرف تصل إلى نحو 200 مليون دولار نقدا فقط، بينما قال آخر إن احتياطيات الدولار تبلغ "مئات الملايين".

وعلى الرغم من عدم الاحتفاظ بكل الاحتياطيات نقدا، فإن الهبوط ضخم مقارنة بفترة ما قبل عام 2011. 

وقال صندوق النقد الدولي إن مصرف سوريا المركزي أفاد في أواخر 2011 بأنه يملك احتياطيات أجنبية تبلغ 14 مليار دولار. 

وأشارت تقديرات الصندوق في 2010 إلى أن الاحتياطيات في سوريا سجلت 18.5 مليار دولار.

وكشف مسؤولون سوريون حاليون وسابقون لرويترز أن احتياطيات الدولار مستنفدة تقريبا لأن نظام الأسد استخدمها في الإنفاق على الأغذية والوقود وتمويل جهود الحرب ضد الشعب السوري.

وأوضح أحد المصادر أن الخزينة مقاومة للقنابل وتحتاج لثلاثة مفاتيح، كل منها يحمله شخص مختلف، ورمز مركب لفتحها.

لكن رئيس الحكومة الانتقالية محمد البشير، قال خلال تصريحات صحفية في 15 ديسمبر 2024 إن خزائن المصرف لا تحتوي إلا على أوراق نقدية بالليرة السورية، مع الافتقار إلى السيولة بالعملات الأجنبية، مشيرا إلى أن الحكومة ما تزال تجمع بيانات حول القروض والسندات.

ووصف  البشير الوضع المالي للبلاد بأنه "بالغ السوء" في إشارة إلى حجم الانهيار الكبير للاقتصاد السوري إبان حكم بشار الأسد الذي دام 24 عاما.

ومع ذلك، عاد مصرف سوريا المركزي، وهو مبنى أبيض عريض في وسط دمشق، إلى العمل بشكل كامل في 15 ديسمبر.

وعج المصرف بالموظفين وبأشخاص راغبين في الحصول على دولارات، وبآخرين يحملون حقائب مليئة بالليرات السورية.

وقال مصدر إن المصرف المركزي يستطيع حاليا الاعتماد على الليرات السورية الموجودة في احتياطياته وتساوي عدة مئات من ملايين الدولارات، وذلك بالإضافة إلى احتياطياته الضئيلة من الدولار.

ولا يوجد أي احتكاكات أمنية بين فصائل المعارضة وفلول نظام الأسد ومليشياته مع بدء بعضهم بتسليم سلاحه.

وجاء ذلك بينما فتحت إدارة العمليات العسكرية مراكز في المدن لتسليم عناصر وضباط الأسد سلاحهم وإجراء تسوية أمنية ومنحهم بطاقات جديدة.

ولا تزال حركة تنقل المدنيين السوريين بين المدن من شمال البلاد إلى جنوبه سلسة ودون أي عوائق.

مؤشرات إيجابية

وضمن هذا السياق، قال الصحفي السوري المقيم في دمشق تمّام صيموعة لـ "الاستقلال" إنه تجول في بعض المحافظات بكل سهولة عقب سقوط نظام الأسد.

وأضاف أن "الأوضاع في سوريا عموما مريحة وتحمل مؤشرات إيجابية إذ إن السلع الأساسية متوفرة في كل المحافظات".

لكنه أشار إلى وجود "نقص في السيولة من العملة السورية لدى الأهالي وهذا طبيعي نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت سائدة قبل سقوط الأسد".

ولفت صيموعة إلى أن "الأمن مستتب على الرغم من وجود بعض التخوفات في مناطق محددة"، في إشارة إلى وجود أحياء داخل حمص يقطنها عناصر من النظام السابق.

ونوه إلى أن "الناس بدأت تتنفس الصعداء وتعود لأعمالها ونشاطاتها التجارية ومزاولة المهن".

وأردف: "أسواق دمشق تشهد حركة تجارية نشطة وكبيرة أفضل من السابق لا سيما مع عودة عمل الموظفين والمؤسسات والدوائر الحكومية الموظفين وفتح المدارس والجامعات وتحسن التحويلات المالية من السوريين في الخارج إلى أقاربهم".

بدورها، أصدرت "الإدارة الذاتية" الكردية شمال شرقي سوريا، في 18 ديسمبر 2024 قرارا يقضي بإلغاء الرسوم الجمركية والضرائب بين مناطق سيطرتها وبقية المحافظات السورية.

وهذا الإجراء يؤكد "حرصها على وحدة الأراضي السورية"، بالإضافة إلى كونه استجابة “للتغيرات الراهنة المتمثلة بسقوط النظام السوري السابق”، وفق بيان صادر عنها.

وبشأن عمليات التبادل التجاري بين البلدان المجاورة، أكد وزير الصناعة والتجارة الأردني، يعرب القضاة، في 17 ديسمبر 2024، السماح للشاحنات الأردنية بالدخول عبر معبر "جابر" الحدودي، إلى معبر “نصيب” السوري المقابل، بدءا من اليوم التالي.

وأضاف في تصريح لوكالة الأنباء الأردنية، أن هذه الخطوة من شأنها المساعدة في "انسياب البضائع وحركة الشحن بين الأردن وسوريا".

بينما قالت هيئة الطيران المدني الأردني، إن عودة الحركة الجوية من عمان إلى دمشق ستكون قريبا ولكن الموضوع مرتبط بالتطورات وجاهزية المطار لاستقبال الرحلات.

بدورها أعلنت الخطوط الجوية التركية في 18 ديسمبر ولأول مرة منذ 13 عاما أنها أدرجت مطاري حلب ودمشق الدوليين ضمن وجهاتها من مطار إسطنبول، في مؤشر على إعلان تحديد مواعيد وتوقيت الرحلات.

وتشكل تركيا المجاورة لسوريا والقريبة من أوروبا محطة مهمة للمسافرين القادمين من الدول الأوروبية ولا سيما من السوريين الراغبين بالعودة لبلدهم. 

وقد طالبت الإدارة السورية الجديدة برفع العقوبات الدولية لإنعاش الاقتصاد وإعادة إعمار المدن التي دمرتها آلة الأسد العسكرية مع حليفيه روسيا وإيران وتشجيع ملايين اللاجئين السوريين على العودة.