"لعبة مكشوفة".. لماذا تنقسم إسرائيل بشأن عملية عباس ضد جنين؟

خالد كريزم | منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

في أكبر اختبار لإثبات الجدارة، تشن السلطة الفلسطينية أشرس عملية مسلحة لها منذ تأسيسها قبل ثلاثة عقود من الزمن، ليس ضد إسرائيل ولكن للقضاء على فصائل المقاومة في جنين شمال الضفة الغربية.

وبدأت قوى أمن السلطة برئاسة محمود عباس، العملية مطلع ديسمبر/كانون الأول 2024، لتحاول أن تثبت قدرتها على إدارة الأمن في المناطق المحدودة التي تسيطر عليها بالضفة الغربية، في حين تسعى إلى حكم قطاع غزة بعد الحرب.

وتمثل هذه الحملة خطوة غير عادية للسلطة المدعومة من الغرب والمنبوذة من الولايات المتحدة الأميركية، والمستبعدة من قبل إسرائيل لأداء دور أكبر في الضفة وغزة.

وتأتي الحملة مع قرب عودة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وما يرتبط بذلك من أمنيات إسرائيلية بضم الضفة الغربية وإعادة احتلال قطاع غزة ونسف خيار حل الدولتين إلى الأبد.

وعلى مدار تاريخها، نفذت السلطة العديد من الحملات الأمنية التي استهدفت المقاومة واعتقال المعارضة، حيث سجنت العشرات من قيادات وكوادر حركة حماس في الضفة وغزة، لكن العملية الجديدة هي مواجهة نادرة بالسلاح في المخيمات والشوارع.

“حماة وطن”

وأطلقت أجهزة الأمن الفلسطينية على العملية التي بدأتها في 4 ديسمبر اسم "حماة وطن"، وكان لافتا في بياناتها توصيف قوى المقاومة بأنها "فئات خارجة عن القانون تستهدف السلم الأهلي وتنشر الفوضى والاضطراب" وأن هدف الحملة "إنهاء الفلتان الأمني".

وقال المتحدث باسم قوات الأمن الفلسطيني أنور رجب إن "كل هذه الإجراءات والسياسات (مقاومة الاحتلال) تقوض عمل السلطة، وهذه الجماعات تعطي إسرائيل ذريعة لتنفيذ خططها في الضفة الغربية".

وقُتل عنصر أمن فلسطيني من حرس الرئاسة أثناء ملاحقته المقاومين وأصيب عنصران آخران من أفراد الأجهزة الأمنية بجروح في 22 ديسمبر، خلال الاشتباكات المسلحة التي يشهدها مخيم جنين.

وهذا هو القتيل الأول من عناصر الأمن، في حين قتل أمن السلطة 14 فلسطينيا، من بينهم ثمانية في جنين، منذ أن نفذت حركة المقاومة الإسلامية حماس عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتصطدم السلطة بشكل دوري مع المقاومين وتحديدا كتيبة جنين التابعة لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي.

وتستخدم في العملية أسلحة متنوعة ومركبات مدرعة وقوات النخبة الملثمة، وهو استعراض غير مسبوق للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

وقال رجب إن "إنجازات" العملية شملت اعتقال أكثر من 20 مسلحا مطلوبا، وإصابة آخرين، وتفكيك العشرات من المتفجرات و"التقدم على محاور مهمة" داخل مخيم اللاجئين، وفق تعبيره. 

وتصاعدت الأحداث بعد أن قتلت قوات الأمن ثلاثة أشخاص: القيادي في كتيبة جنين يزيد جعايصة وشاب يبلغ من العمر 19 عاما كان يسير على دراجة نارية، وفتى بعمر 14 عاما، خلال اقتحامها مخيم المدينة في 14 ديسمبر.

وتنفذ قوات الأمن المقنعة دوريات حول مستشفى جنين الحكومي على حافة المخيم، كما يتمركز القناصة على أسطح المنازل لمنع المقاومين من الدخول أو التخفي.

لكن بعد نحو 3 أسابيع من الحملة، لا يزال المقاومون يتجولون بحرية في مخيم جنين، في وقت تدوي أصوات إطلاق النار ليلا ونهارا. 

في غضون ذلك، دعت سرايا القدس في الضفة الغربية، إلى إعلان الإضراب العام والنفير في المفترقات العامة.

وطالبت "أحرار جنين ومخيماتها والبلدات والقرى المحيطة إلى الخروج بمسيرات حاشدة نحو مخيم المدينة لرفع الحصار عنه وعن أبطاله ولإنهاء هذه الحقبة التي لا تخدم إلا الاحتلال وحكومته المتطرفة طمعا في ضم الضفة والاستيطان".

وقالت السرايا: "إن هذا التحرك يمثل أقل واجب أخلاقي وشرعي يمكن تقديمه دعما لحقن الدماء الفلسطينية، ومساندة لمخيم جنين ومقاومته، وتضامنا مع التضحيات التي يقدمها أبناء قطاع غزة المحاصر، الذين يرزحون تحت ظلم وعدوان الاحتلال الغاشم".

وأضافت: "لقد آن الأوان أن تصل الرسالة، وأن ننتفض حقنا للدم الفلسطيني ورفضا لحصار مخيم جنين، وتضامنا مع أهلنا في غزة".

وقد علقت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" الدراسة في المدارس، وأغلقت العديد من المحلات والشركات أعمالها على إثر هذه الحملة التي تترافق مع حصار مشدد للمخيم. 

ما الهدف؟

وفي حين أطلقت السلطة اسم "حماة وطن" على حملتها العسكرية، يرى محللون وناشطون أن هذه العملية لا تحمي سوى الاحتلال.

وازداد الغضب المرتفع بالأساس في الشارع الفلسطيني على إثر الحملة العسكرية للسلطة التي تعمل وفقا للاتفاقيات الأمنية مع إسرائيل على محاربة المقاومة في حين لا تتدخل لوقف هجمات المستوطنين أو الغارات الإسرائيلية القاتلة. 

ومنذ عملية طوفان الأقصى، يشن الجيش الإسرائيلي اعتداءات واسعة في الضفة بذريعة إحباط العمليات الفلسطينية المسلحة في مهدها.

وأسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد أكثر من 800 فلسطيني وإصابة نحو 6500 واعتقال ما يزيد على 11 ألفا آخرين، وفقا لبيانات رسمية.

ويرى العديد من الفلسطينيين أن قوات أمن السلطة هم مجرد مقاولين لإسرائيل وأداة عباس للفساد وقمع المعارضة الداخلية.

ورأت معظم القوى السياسية الفلسطينية، باستثناء حركة التحرير الوطني "فتح" (التابعة للسلطة)، أن الهدف الحقيقي للحملة هو تفكيك حركات المقاومة العسكرية في مخيم جنين.

وهو ما فشلت إسرائيل في تحقيقه على الرغم من المداهمات المتكررة والاغتيالات والاعتقالات و"العمليات العسكرية" البرية والجوية.

وعن أهدافها، قالت صحيفة واشنطن بوست الأميركية في 22 ديسمبر: "تحاول السلطة الفلسطينية، بدعم من الدول الغربية، إثبات قدرتها على إدارة الأمن في الضفة الغربية، كتذكير للعالم بأنها تسعى أيضا إلى السيطرة على قطاع غزة في اليوم التالي لانتهاء الحرب".

وقال مسؤول فلسطيني مقرب من الرئيس للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هويته، إن عباس قرر أن السلطة "ستفرض سلطتها ولا عودة إلى الوراء".

ويعتقد المحلل السياسي إبراهيم المدهون أن “ما تفعله السلطة هو محاولة لإرضاء الاحتلال، لكن هذا لن يرضيهم وسيزيد من غيهم وجشعهم وسيعجّل ضم الضفة الغربية”.

وأوضح في حديث لـ"الاستقلال" أن هذه المحاولة ستدفع الاحتلال لمطالبة السلطة بالمزيد، “ويبدو أن إسرائيل تبتزها عبر تهديد قادتها والضغط عليهم”.

وقد استبعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عودة السلطة إلى غزة، في وقت تدفع شخصيات رئيسة في ائتلافه اليميني المتطرف إلى ضم جزء أو كل الأراضي الفلسطينية. 

ولكن في الجولة الأخيرة من مفاوضات وقف إطلاق النار، وافقت إسرائيل على السماح للسلطة بتولي إدارة معبر رفح بين غزة ومصر لفترة قصيرة، وفقًا لمسؤول مصري سابق تحدث لواشنطن بوست بشرط عدم الكشف عن هويته.

ويبدو أن السلطة تحاول تقديم أوراق اعتمادها لدى الإدارة الأميركية الجديدة وإسرائيل معا، عبر العملية الأخيرة لإثبات أنها شريك يمكن الوثوق به، وذلك في ظل التردد والانقسام الإسرائيلي بشأنها.

ومنذ بدء العدوان على غزة، ربطت حكومة نتنياهو عملية طوفان الأقصى بالسلطة الفلسطينية وأكدت أنها "لا تختلف عن حماس في ممارسة الإرهاب" وأنه لن يكون لها أي دور في مستقبل القطاع بعد تنفيذ المهمة.

وهو ما دفع السلطة للسير في مسارات عديدة كان آخرها محاولة لملمة البيت الفتحاوي وتعيين حكومة جديدة بالضفة الغربية للإيحاء بوجود تغيير، وإيجاد حل مع حماس من أجل تنحيتها من إدارة غزة، ولكن دون الوصول إلى نتائج حقيقية حتى الآن.

الرضا الإسرائيلي

وفي ظل هذه التحركات، تنقسم إسرائيل إلى طرفين، أحدهما يؤيد عملية جنين كونها تساعدها في أداء مهمتها، والآخر يرى أنها لعبة مكشوفة من عباس للحصول على قبول ومباركة واشنطن ومن خلفها تل أبيب.

ونقلت صحيفة إسرائيل هيوم استنكار أعضاء حزب الليكود (برئاسة نتنياهو) والوزراء اليمينيين في الحكومة الإسرائيلية للدور الذي تحاول أن تلعبه السلطة الفلسطينية في مواجهة ما أطلقت عليها "الخلايا التخريبية".

وطالب كل من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، الحكومة الإسرائيلية بالضغط لإيقاف العملية فورا لأنها "تضر بمصالح إسرائيل السياسية والأمنية".

وأوضحت وزيرة الاستيطان أن السلطة الفلسطينية تسوق نفسها لأخذ دور مستقبلي غي غزة من خلال حملتها ضد المسلحين في جنين.

وقال بن غفير إن على الحكومة وقف دعم عملية السلطة وعلى رأسها رئيسها محمود عباس، الذي يحاول من خلالها أن يحجز مكانا توافقيا له مع إسرائيل في قطاع غزة مستقبلا، في اليوم التالي للحرب.

وبدورها، قالت القناة 14 العبرية في 22 ديسمبر إن إسرائيل أرسلت تحذيرا للرئيس الفلسطيني باقتراب انتهاء المدة الممنوحة للمهمة في مخيم جنين.

في المقابل، أقرت الحكومة الأمنية المصغرة في تل أبيب إجراءات تفضي إلى تعزيز التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية.

وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن قرار المجلس الوزاري ينص على دعم أجهزة السلطة لزيادة فاعليتها وحزمها في التعامل مع “التنظيمات الإرهابية”، وفق تعبيره.

ونقلت الصحيفة عن مصدر أمني في الجيش الإسرائيلي القول، إن الحكومة تدرس إمكانية “نقل معدات عسكرية دفاعية إلى قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية لمساعدتها في التعامل مع الجماعات الإرهابية”، وهو مقترح رفضه الوزراء الثلاثة أعلاه.

وتعد قوات الأمن من بين الخيوط الأخيرة التي تربط اتفاقات أوسلو لعام 1993 مع إسرائيل لإنشاء دولة فلسطينية من الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة وشرق القدس، وهو خيار نسفته تل أبيب بالكامل.

 وفي العقود التي تلت ذلك، وسعت إسرائيل ورسخت سيطرتها على الضفة الغربية، مما أدى إلى تآكل اختصاص السلطة وصلاحياتها.

وكانت آخر مرة واجهت فيها الفصائل الفلسطينية بعضها البعض في الشوارع عام 2007، عندما أطاحت حماس، المنافس الرئيس لفتح، بالسلطة في غزة وأقامت حكومتها الخاصة. 

ومنذ ذلك الحين، استثمرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل كبير في إصلاح وتدريب قوات الأمن الفلسطينية. 

ومع ذلك، تظل قوات الأمن تعاني من نقص التمويل المزمن وهي غير مجهزة لتحمل المسؤوليات التي تتصورها واشنطن للضفة الغربية وقطاع غزة بعد الحرب، فضلا عن رفض إسرائيل لتوسيع أدوارها واتهامها بالإرهاب.

ويقول المحلل السياسي إبراهيم المدهون: “للأسف السلطة الفلسطينية تواصل الانحدار وتهرب من محاربة ضم الاحتلال للضفة الغربية إلى مواجهة فصائل المقاومة في جنين وهذا يؤدي إلى فوضى داخلية”.

وأكد في حديث لـ"الاستقلال" أن السلطة “تتحول إلى أداة تواجه شعبها وهو أمر يتأكد برفضها للجنة الإسناد المجتمعي بشأن غزة ودورها السلبي في الحرب على القطاع وعجزها أمام توحش الاحتلال ثم فرد جناحها على الفصائل ما يضعها في موضع سلبي جديد”.

ويعتقد أن هذه الحملة تطوعت فيها السلطة لأداء دور الاحتلال عبر شن العدوان على جنين بدلا منه.

وقالت كتيبة جنين خلال بيان لها في 22 ديسمبر إن "تصريحات الناطق باسم أجهزة أمن السلطة (أنور رجب) ضد المقاومين منسجمة مع الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال. رسالتنا للعساكر أن عودوا إلى رشدكم فقد حذرناكم ولا تختبروا صبرنا”.

وفي وقت تبحث السلطة عن تثبيت أركان حكمها في الضفة والعودة على ظهر الدبابة الإسرائيلية إلى غزة، يواصل الاحتلال تنفيذ مخططات الضم وزيادة وتيرة الاستيطان وسط تشرذم فلسطيني ولامبالاة عربية دولية.

وقالت صحيفة هآرتس في 22 ديسمبر: إسرائيل تهدم مباني لفلسطينيين في مناطق ج بالضفة ومستوطنون يقيمون نقاطا استيطانية فيها.

وصنفت اتفاقية أوسلو أراضي الضفة إلى 3 مناطق: "أ" تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، و"ب" تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية ومدنية وإدارية فلسطينية، و"ج" تخضع لسيطرة مدنية وإدارية وأمنية إسرائيلية.

وأضافت هآرتس: “بضغط من المستوطنين وتصديق المجلس الأمني المصغر، بدأ الضم يزحف نحو أراضٍ مصنفة في المنطقة ج بالضفة الغربية”، وهو حلم تمني إسرائيل نفسها باكتماله مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض.