قبرص الجنوبية تتخلى عن سيادتها مقابل امتيازات غربية.. إليكم القصة

جنوب قبرص بدأت تفقد جزءا من سيادتها بسبب تنازلاتها للقوى الأجنبية
تتصاعد مخاوف إدارة قبرص اليونانية (الجنوبية) من فقدان السيادة وسط تزايد النفوذ العسكري الأجنبي، خاصة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
إذ إنّ قبرص الجنوبية تسعى لتعزيز نفوذها في شرق المتوسط والوقوف في وجه تركيا، لكنها في المقابل تقدم تنازلات قد تؤثر على سيادتها.
وتقول صحيفة إندبندنت البريطانية بنسختها التركية إنّ جنوب قبرص تقدّم دعماً علنياً لإسرائيل في هجماتها على فلسطين ولبنان، وتسعى في المقابل للحصول على امتيازات من الغرب.
وذلك مثل الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" والاستفادة من مظلة أمنية تشمل أنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى ممارسة الضغوط على تركيا.
لكن رغم كل هذه المكاسب، فإن قبرص الجنوبية بدأت تفقد جزءا من سيادتها بسبب التنازلات التي تقدمها للقوى الأجنبية، وفق تقدير الكاتب التركي "أمير عبد الرحمن بولوت".
ولفت إلى أن قرارات هذه الإدارة القبرصية مرتبطة بالمصالح الغربية، وهو ما قد يضعف موقفها المستقل كدولة ذات سيادة.
التدخل العسكري
وأردف: أثار نشر إسرائيل عناصر أمنية خاصة بها في مطارَي لارنكا وباف التجاريين، وذلك بذريعة مكافحة الإرهاب، جدلا حول السيادة في جنوب قبرص.
وكشفت التحقيقات حول مطار لارنكا أن عناصر من الاستخبارات الإسرائيلية ومسؤولي الأمن حصلوا على صلاحية الوصول إلى برج المراقبة الجوية، بالإضافة إلى حمل الأسلحة داخل المطار.
وقد أجرى فريق إسرائيلي تحقيقا مماثلا في مطار باف خلال يناير/كانون الثاني 2025 بدعوى الاشتباه في تهديدات إرهابية.
وعلى إثر ذلك، أدّت هذه التطورات إلى تصاعد الآراء التي تشير إلى فقدان إدارة نيقوسيا سيادتها على الحركة الجوية المدنية لصالح إسرائيل.
وأشار الكاتب إلى أن تزايد القواعد العسكرية الأجنبية في جنوب قبرص أصبح يشكل تحديا مباشرا للسيادة القبرصية.
فلم تعد الحكومة القبرصية الجنوبية تسيطر على أراضيها بالكامل، بل باتت تستضيف عددا متزايدا من القواعد العسكرية التي تستخدمها الولايات المتحدة وفرنسا واليونان وبريطانيا.
ويطرح هذا الأمر تساؤلات جدية حول مدى استقلال القرار العسكري والسياسي لقبرص في المستقبل.
وجرى تخصيص قاعدة "أندرياس باباندريو" الجوية للقوات الأميركية، مما يعني وجودا عسكريا دائما لها في الجزيرة.

وهذا الوجود يعزز دور أميركا بشرق المتوسط، لكنه قد يقيد قدرة قبرص على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن سياساتها الدفاعية والأمنية، وفق الكاتب.
وأضاف: لقد جرى تخصيص قاعدة ماري البحرية لاستخدام فرنسا واليونان، وهو الأمر الذي يزيد من النفوذ العسكري الأوروبي في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك تمتلك بريطانيا قاعدتين عسكريتين لا تخضعان للسيادة القبرصية، مما يعمل على تعزيز النفوذ البريطاني في المنطقة.
وهذا الوضع يجعل مستقبل السيادة القبرصية محل جدل؛ حيث تتحول الجزيرة إلى مركز عسكري للقوى الغربية، وهو ما قد يقيد خياراتها السياسية والدبلوماسية.
كما أن منح إسرائيل امتيازاً خاصاً يسمح لطائراتها باستخدام قاعدة "أندرياس باباندريو" الجوية يضيف بُعدا جديدا للنقاش حول السيادة في المنطقة.
تحدّ لنيقوسيا
واستدرك الكاتب التركي: التعاون العسكري الدولي تجريه إدارة جنوب قبرص اليونانية دون موافقةٍ من الدول الضامنة (تركيا، واليونان، والمملكة المتحدة)، وهو ما يمكن أن يخلق مشكلات قانونية في المستقبل.
وإلى جانب ذلك، تزيد هذه التدخلات الأجنبية من مشكلة جزيرة قبرص التي تعاني منذ عام 1974 من انقسام بين شطرين، تركي في الشمال ورومي في الجنوب.
ورفضَ القبارصة الروم في العام 2004، خطة قدمتها الأمم المتحدة لتوحيد شطري الجزيرة.
ومنذ انهيار محادثات إعادة توحيد قبرص التي جرت برعاية الأمم المتحدة في سويسرا خلال يوليو/ تموز 2017، لم تجر أي مفاوضات رسمية بوساطة أممية لتسوية النزاع في الجزيرة.

وبين الكاتب أن هذه الخطوات قد تجعل إدارة الهياكل العسكرية والقواعد العسكرية التابعة لحوالي 12 دولة كانت موجودة في البلاد سابقا أمرا مستحيلا دون أن تقدم جنوب قبرص اليونانية تنازلاتٍ تؤثر على سيادتها.
في هذا السياق، يُنظر إلى احتمال تحليق الطائرات الحربية، التابعة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل واليونان ودول غربية أخرى دون خضوعها للسيطرة القبرصية اليونانية على أنه تحدٍ ليس فقط لنيقوسيا، بل أيضا للاتحاد الأوروبي وخاصة بروكسل.
ولفت إلى أن عضوية جنوب قبرص في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الوضع السيادي للقواعد البريطانية يجعل من الصعب التنبؤ بموقف بروكسل تجاه وجود دول غير أعضاء في الكتلة مثل الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي القبرصية
انتقادات داخلية
وأردف الكاتب التركي: واجهت الحكومة القبرصية انتقادات حادة من المعارضة، خاصة من حزب أكيل اليساري المتطرف (الحزب التقدمي للشعب العامل).
ويعارض الحزب بشدة الوجود العسكري الأميركي والإسرائيلي، معتبرا أن ذلك يمثل انتهاكا للسيادة القبرصية.
وعلى إثر ذلك كثّف الحزب انتقاداته للرئيس نيكوس خريستودوليدس، متهما إياه بالتنازل عن استقلال البلاد مقابل تعزيز العلاقات مع هذه القوى العسكرية.

من جانبها سلطت وسائل الإعلام الضوء على هذه القضية؛ حيث نشرت "قبرص ميل"، وهي إحدى الصحف الرائدة في البلاد، افتتاحية انتقدت فيها تنفيذ أفراد الأمن الإسرائيليين دوريات في مطار لارنكا، إضافة إلى وصولهم إلى برج المراقبة الجوية.
وقد وصفت الصحيفة هذا الإجراء بأنه "غير عقلاني"، مؤكدة أنه بمثابة "تنازل عن السيادة لصالح إسرائيل".
وفي مقال آخر بعنوان "صمت الحكومة بشأن الوجود الأمني الإسرائيلي يثير المخاوف"، أُشير إلى أن وضع المطارات القبرصية تحت إدارة أمنية أجنبية أثار قلقا عاما بشأن السيادة الوطنية، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي هذا الأمر إلى تأثير سلبي على استقلال القرار القبرصي.
لكن رغم الانتقادات اليومية في الصحافة والمعارضة، يواصل الرئيس القبرصي الدفاع عن وجود قوات أجنبية في الجزيرة، معتبراً أن ذلك يعزز الأهمية الإستراتيجية لقبرص ويوفر لها "مظلة أمنية".
ووفقا للحكومة فإن هذا التعاون العسكري يسهم في استقرار المنطقة، ويمنح قبرص دورا محوريا في التوازنات الأمنية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
لكن يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن لجنوب قبرص أن تحافظ على سيادتها واستقلال قرارها العسكري في ظل هذا الوجود المتزايد للقوى العسكرية الأجنبية؟