أميركا تشن 47 غارة وتهدد بعملية شاملة.. هل يصبح اليمن "أفغانستان جديدة"؟

الحوثيون يتحصنون في الجبال ويخزنون فيها أسلحتهم والقصف الأميركي ولو بقنابل الأعماق لن يأت بنتيجة
مع بدء عدوان أميركي مكثف ضد اليمن شمل نحو 47 غارة جوية، لإخراج جماعة الحوثي من جبهة إسناد غزة، يتوقع خبراء أن يصبح اليمن "أفغانستان جديدة" للأميركيين.
رغم الضربات، الأكبر من نوعها ضد الحوثيين في اليمن منذ سنوات، والتي استهدفت عشرات المواقع في 6 محافظات يمنية، من بينها العاصمة صنعاء، وقتلت وأصابت العشرات، لا يتوقع خبراء أن ينهزم الحوثيون.
ونُفذت الضربات بشكل رئيس بواسطة حاملة الطائرات هاري ترومان، وصواريخ توماهوك من المدمرات الأميركية "أرلي بيرك" والغواصة "يو أس أس جورجيا"، بخلاف طائرات من القواعد الأميركية بالخليج والقرن الإفريقي.
ورغم أن خبراء وصفوها بـ"الموجعة"، لكنها لن تحسم الحرب، ولن تمنع الحوثيين من استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر حتى إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة.
غير أن حديث ترامب، ومستشاريه ومساعديه بمجلس الأمن القومي الأميركي والبنتاغون، أن الحرب ربما لا تقتصر على الضربات الجوية، وقد تتطور إلى عمل عسكري بري شامل، بمشاركة حلفائها في المنطقة، يزيد من حجم التورط الأميركي وإشعال المنطقة.

لماذا أفغانستان جديدة؟
لا يعد اليمن دولة عادية، فهو بحسب تضاريسه الجغرافية، أشبه بجزيرة من الجبال ما يُصعّب من هزيمة أهله.
ونجحت هذه الطبيعة الصحراوية سابقا في هزيمة جيوش دول عديدة منها بريطانيا ومصر والسعودية، ودخول أميركا بريا سيجعلها تغوص في نفس الوحل.
فقد كانت بريطانيا تسعى دائما الى إيجاد قواعد لها في اليمن بسبب موقعه الجيوستراتيجي ذي الأهمية العالمية، وبعد انسحابها عام 1976، ظلت عضوا أساسيا في تحالف العدوان الحالي على هذا البلد، لكنها تفشل في كل مرة كما يشير تقرير لموقع "ديسكلاسيفيد" البريطاني الاستقصائي.
وحاولت مصر خلال حكم الرئيس السابق جمال عبد الناصر التوغل في البلاد وكانت عملية استنزافها هناك أحد أسباب هزيمة حرب 1967، وتكرر الأمر من جانب السعوديين والتحالف العربي الذي شاركت فيه الإمارات، ثم انسحبوا دون جدوى.
وبين مارس/ آذار 2015 ومارس 2022، نفذ التحالف بقيادة السعودية ما بين 25054 و75135 طلعة جوية ضد الحوثيين في اليمن، بطائرات أميركية وأوروبية حديثة، وتلقى دعما عسكريا أميركيا غير مباشر.
لكن فشلت سبع سنوات من الغارات الجوية في تثبيط قدرة الحوثيين على شن ضربات مضادة ضد البنية التحتية للطاقة والطيران والبنية التحتية المدنية الأخرى في السعودية، رغم الكمية الهائلة من الذخائر التي أسقطها التحالف على اليمن.
واضطرت السعودية، مع إظهار الحوثيين قدرتهم على زيادة هجماتهم بمرور الوقت على المملكة، لإبرام هدنة في مارس 2022، وفق موقع "أتلانتيك كونسل" 15 مارس 2025.
وتُرجع تقارير غربية استمرار الفشل الأميركي، في الحرب الحالية، إلى أن الحوثيين يتحصنون في الجبال ويخزنون فيها أسلحتهم، والقصف الأميركي ولو بقنابل الأعماق كما حدث في أفغانستان لن يأتي بنتيجة؛ لأن اليمن يتشابه مع أفغانستان.
وهو البلد الذي هرب منه الأميركيون في نهاية المطاف، وهُزموا بسبب طبيعته الجبلية، ما قد يجعل اليمن هي "أفغانستان العربية" بالنسبة لأميركا.

ومثلما استعصت أفغانستان بجبال كابول وقندهار على القوة العسكرية الأميركية، وانتهى الأمر بانسحاب أميركي مهين، تاركين خلفهم عتادا عسكريا، لم تحلم به طالبان، يتوقع أن يلعب الحوثيون الدور نفسه.
ويتحدون العدوان الثلاثي الأميركي البريطاني الإسرائيلي، والضربات المتكررة على الحديدة وصنعاء ولا يجرؤ الأميركيون على النزول للأرض، بعدما شاهدوا ما حدث لهم في أفغانستان، وللسعوديين والإماراتيين من قبلهم في اليمن.
ويقارن خبراء غربيون بين اليمن وأفغانستان من حيث التسليح والتفوق العسكري، مؤكدين أن الحوثيين أشد بأسا من طالبان ولديهم أسلحة أكثر تقدما وقوة، لدرجة تمكنهم من قصف البوارج الحربية الأميركية عدة مرات وحاملات الطائرات وإجبارها على مغادرة البحر الأحمر.
فقد قام الحوثيون بإسقاط طائرة مسيرة أميركية من طراز MQ-9 ريبر، يوم 5 مارس 2025، أثناء قيامها بطلعة استطلاعية فوق مدينة الحديدة اليمنية، وقبل هذه الواقعة، حاول الحوثيون استهداف مقاتلة أميركية من طراز F-16 بصاروخ دفاع جوي، ما أظهر قوتهم القتالية.
واعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنهم منعوا مرور أي سفينة أميركية أو إسرائيلية من باب المندب على مدار 15 شهرا من حرب غزة، وانخفض عدد السفن التي تعبر البحر الأحمر من 25 ألف سفينة سنويا، إلى حوالي 10 آلاف سفينة.
وقال البيت الأبيض ومتحدث باسم البنتاغون 15 مارس 2025، إن جماعة الحوثي استهدفت السفن الأميركية العسكرية والتجارية أكثر من 300 مرة منذ عام 2023 (السفن العسكرية 174 مرة والتجارية 145 مرة)، لكن تقديرات عسكرية تؤكد أن الضربات لن توقف هذا المنع.
وقصف الحوثيون أكثر من 100 سفينة تجارية بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما أدى إلى إغراق سفينتين ومقتل أربعة بحارة، خلال حملتهم لإسناد غزة.
ولم يرتدع الحوثيون رغم ضربات أميركية وإسرائيلية وسعودية سابقة، وكان كلما أطلق المسؤولون الإسرائيليون تهديدات وقاموا بغارات، يُطلق الحوثيون المزيد من الصواريخ، لإظهار عدم تأثير هذه الهجمات عليهم.
وعقب الضربات الأميركية أعلن الحوثيون رسميا "أن الغارات الجوية لن تردعهم وسوف يردون على أميركا"، و"ستبقى صنعاء درع غزة وسندا لها ولن تتخلى عنها مهما كانت التحديات".
فقد تحصنوا في المرتفعات الجبلية في اليمن، ونجحوا في احتلال العاصمة والسيطرة على البلاد، وحصلوا على دعم إيراني وصيني غير عادي بشأن بناء الصواريخ والأنفاق وإطلاق الصواريخ منها، كما طوروا برنامجا للصواريخ والطائرات بدون طيار وصل مدها 2000 كم لضرب إسرائيل.
وهذه القدرات من الصعب القضاء عليها بضربات جوية، ويصعب تحقيق فوز عليهم في الحرب على المدى البعيد، كما حدث في أفغانستان، رغم تهديدات ترامب هذه المرة باستخدام "قوة قاتلة ساحقة".
اليمن أسوأ لأميركا من أفغانستان
ويعترف باحثون أميركيون بأن اليمن قد يكون أسوأ لأميركا من أفغانستان، مثل الدكتور "تشارلز شميتز"، أستاذ الجغرافيا والاقتصاد السياسي بجامعة تاوسون في بالتيمور بولاية ماريلاند، الذي يتوقع تحول اليمن لمقبرة لأميركا.
وأكد في تصريحات صحفية أن اليمن ليس حتى أفغانستان، وقد يكون أسوأ لأميركا من فيتنام، ومقبرة لأميركا، مثلما كان مقبرة لإمبراطوريات عديدة، مؤكدا أن الحوثيين جيشهم خشن ومتطورون وجادون للغاية ولا يمزحون.
وأشار لهذا أيضا وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام الذي أكد أن من يريد القتال في اليمن سيعيد تجربة أفغانستان بالتمام والكمال، أي يعيد تجريب المجرب، "وهذا عبارة عن وصفة سحرية للفشل"، وفق قوله عبر حسابه علي أكس.
وأرجع هذا لتضاريس اليمن التي تهزم أي قوة غازية لشدة تعقيدها بجبالها ووهادها ومغاراتها وكثبانها.
وأوضح أنه حتى إذا تمت المراهنة على سلاح الجو، كما تفعل أميركا حاليا، فإنهم "سيعيدون قصف ما تم قصفه وتخريبه أصلا، أو سيضطرون لإفراغ ذخيرتهم وأسلحتهم الذكية والغبية في الجبال والوديان والمرتفعات الخاوية لا غير".
وتوقع أنه لو استمر استهداف اليمن بالطائرات والصواريخ، أن ينسى اليمنيون صراعاتهم وأحقادهم ويتوحدوا ضد من يستهدفهم بالغزو أو القصف.
ولكن من سيدفع الثمن أولا هي "دول المنطقة المتورطة في العدوان عليهم"، بعد رحيل أميركا عن المنطقة آجلا أم عاجلا.
بدوره، قال الصحفي الأرجنتيني "تاديو كاستيجليون" إن أحدا لم يستطع السيطرة على أفغانستان، واليمن استمر أكثر من أربعة آلاف عام من الحضارة، ولن يستطيع أحد السيطرة عليه.
ووصف أفغانستان بأنها "مجرد حبة بازلاء بالمقارنة باليمن"، ووصف ترامب بأنه "مجنون كالأرنب، ولا يدرك الخطأ الذي ارتكبه للتو بالهجوم على اليمن".
فيما انتقد الصحفي الأميركي “ريان جريم” قصف الولايات المتحدة اليمن نيابة عن إسرائيل: "لأن ذلك أسهل من جعل إسرائيل تلتزم بشروط وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه بالفعل".
لا يتوقع هزيمتهم
وينقل تقرير للمجلس الأطلسي في 15 مارس 2025، عن خبراء قولهم: "نظرا للتاريخ الطويل لمقاومة الحوثيين، بداية ضد الحكومة اليمنية المركزية التي أطاحوا بها، ثم ضد التحالف الذي تقوده السعودية، فمن غير المرجح أن تردعهم الجولة الحالية من الغارات الجوية.
وأكدوا أيضا أنه نظرا لتلقي الحوثيين الدعم ليس فقط من إيران، بل أيضا من شبكات توريد في الصين وروسيا، ستحتاج الولايات المتحدة إلى توظيف موارد أكبر من غاراتها التي نفذتها يوم 15 مارس، وهو ما يفسر تواصل أميركا مع روسيا وتهديد إيران.
ونقل التقرير عن "توماس إس. واريك"، الباحث في مبادرة سكوكروفت للأمن في الشرق الأوسط ونائب مساعد وزير سابق لسياسة مكافحة الإرهاب في وزارة الأمن الداخلي الأميركية، توقعه ألا تنجح ضربات ترامب في رد الحوثيين.
قال: "لن يحقق ما تصبو إليه إدارة ترامب، ولن تُنهي بضعة أيام من الضربات على الأرجح هجمات الحوثيين، إلا إذا كانت إدارة ترامب مستعدة للذهاب إلى أبعد من ذلك".

وتقول "إميلي ميليكين"، وهي المديرة المساعدة للإعلام والاتصالات لمبادرة N7 في برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إن الضربات ضد قواعد الحوثيين وقادتهم ودفاعاتهم الصاروخية قد تؤثر على قدرتهم على العمل على المدى القصير.
"إلا أن الحوثيين أثبتوا مرونتهم في الماضي، وظلوا قادرين على تشكيل تهديد إقليمي بعد الضربات المتتالية التي شنها التحالف بقيادة السعودية، وأخيرا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة"، وفق قولها.
وأوضحت، أنه بالنظر إلى المستقبل، من المرجح أن تشن الجماعة ضربة انتقامية، ربما تستهدف مجموعة حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس ترومان" في البحر الأحمر أو القواعد الأميركية في المنطقة، لإظهار، أنهم لا يزالون أقوياء.
كما استغرب أميركيون وعرب هجمات ترامب، مؤكدين أن الإدارة الأميركية السابقة (جو بايدن) التي هاجمها ترامب، كانت تدرك جيدا أن أي عمل عسكري ضد صنعاء لن يحقق أيا من أهداف إسقاط صنعاء أو تمكين السفن الإسرائيلية من العبور.
أو وقف دعم اليمن لغزة، فهذا أمر مستحيل، والضغط على صنعاء أو تخويفها بالضربات محكوم أيضا بالفشل، فلماذا إذن قرر ترامب المضي في هذا الطريق؟ واصفين تصرفه وقراراته بالغباء والحماقة.
وأكدوا أن كل ما ستُحدثه هذه العمليات العسكرية، خاصة إذا نالت أهدافا مدنية، هو توحيد الشعب اليمني في مواجهة العدوان، وتعزيز مكانة صنعاء، ودفع المواطنين إلى تجاوز ونسيان إخفاقاتها، بل وزيادة التماسك الشعبي حولها.
وكتب " أزال الجاوي" يقول إنه "بهذه الخطوة، يكون ترامب قد أدخل أميركا مستنقعا قد تبدو حرب أفغانستان أمامه مجرد نزهة أقلها بحكم الجغرافيا".
وتعمل الولايات المتحدة الأميركية بمعاونة بريطانيا على التصدي لهجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، بداية من 12 يناير 2024، وقبل ضربات ترامب، نفذتا 73 غارة على اليمن، واستمرت الهجمات المتبادلة حتى وقف إطلاق النار في غزة.
المصادر
- Trump orders strikes on Iran-backed Houthi rebels in Yemen and issues new warning
- Experts react: Trump just ordered major strikes against the Houthis. What does this mean for Yemen, Iran, and beyond?
- U.S. conducts wide-ranging strikes against the Houthis in Yemen
- A Great Unraveling Is Underway
- Britain’s covert war in Yemen