مظاهرات مزيفة وتحليلات متضاربة.. جدل إقليمي بشأن اعتقال أكرم إمام أوغلو

إسماعيل يوسف | منذ ١٤ يومًا

12

طباعة

مشاركة

حين فاز أكرم إمام أوغلو ممثلا لحزب الشعب المعارض في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول مرتين (2019 و2024)، خرجت تنبؤات غربية ومن دول الثورة المضادة العربية، بأنه سيكون رئيس تركيا القادم وسيهزم الرئيس رجب طيب أردوغان.

وعادت نفس التكهنات عقب القبض عليه يوم 19 مارس/آذار 2025، بعد اتهامه من قبل النيابة بفساد مالي وإداري ودعم تنظيم إرهابي.

المعادون للرئيس أردوغان يرون أن سبب اعتقال أوغلو هو منعه من الترشح لانتخابات الرئاسة المقررة عام 2028، رغم أنه لا يحق لأردوغان الترشح مرة ثالثة في انتخابات 2028؛ لأنه تولى الرئاسة مرتين، وفق الدستور.

وحاولت المعارضة التركية العلمانية تصوير الأمر أيضا على أنه "انقلاب مدني" يقوم به الرئيس التركي ضدها، وفق وكالة "رويترز".

لكن المفارقة أن أبواقا غربية وأخرى موالية لدول الثورة المضادة، خاصة الإمارات، عادت لمحاولة إنتاج نفس مشهد انقلاب 2016، أي النفخ في اعتقال أوغلو والحديث عن ثورة ضد أردوغان.

وتضخيم المظاهرات المحدودة للمعارضة العلمانية، لحد نشر صور مظاهرات ضخمة قديمة من الهند وصربيا بزعم أنها في تركيا.

وخلال الانقلاب العسكري الذي فشل في تركيا عام 2016، دعمت دول غربية وإعلام الإمارات ومنصات مشبوهة الانقلاب وبثت أخبارا كاذبة لدعمه مثل ادعاء قناة "سكاي نيوز" الإماراتية هروب أردوغان إلى ألمانيا.

أسباب اعتقاله

رغم أنه متهم بتزوير شهادته الجامعية أيضا، فقد قُبض على إمام أوغلو في إطار تحقيقات في فساد شمل قرابة 100 شخص آخر، وقال الادعاء التركي إنه متورط في قيادة منظمة داعمة لحزب العمال الكردستاني “بي كا كا” المصنف إرهابيا.

حيث أعلن مكتب المدعي العام في إسطنبول أن التحقيق استند إلى شهادات شهود عيان اتهموا أوغلو وعددا من شركائه بإجبار رجال أعمال على دفع مبالغ مالية، وغسل أموال اكتُسبت بطرق غير مشروعة، والتلاعب بمناقصات البلدية لتحقيق أرباح مالية.

كما اتّهم أوغلو بـ "تعيين أشخاص مقربين منه في مناصب عليا ببلدية إسطنبول الكبرى وفروعها بعد توليه المنصب؛ لتسهيل أنشطة فساد"، واتهامات بـ"سوء السلوك عبر التلاعب في المناقصات، والاحتيال على نطاق واسع، والرشوة، وجمع البيانات بشكل غير قانوني".

وعن ذلك، يقول الصحفي التركي إسماعيل ياشا: “حجم الفساد كبير للغاية.. طلبوا من رجال الأعمال رِشا بالملايين.. ولما رفضوا غرّموهم عن طريق البلدية.. رجال الأعمال هؤلاء رفعوا شكاوى إلى النيابة العامة.. وهناك فواتير لحفلات غنائية وبرامج ترفيهية أيام كورونا ولكن في الحقيقة لم ينظموا أيا من تلك الحفلات والبرامج.. كلها خيالية.. أين”.

وكان من بين المقبوض عليهم مع إمام أوغلو رئيسا بلديتي "بيليك دوزو" مراد جاليك و"شيشلي" رسول إمره شاهان في مدينة إسطنبول الكبرى.

كما اتّهم إمام أوغلو بالتورط في مبادرة "إجماع المدينة" التي يُعتقد أنها سعت لتعزيز نفوذ حزب العمال الكردستاني في المدن الكبرى، عبر الدعم المتبادل لمرشحين معينين.

وقد وصفت النيابة التركية إمام أوغلو، في ملف الادعاء، بأنه "زعيم المنظمة"، وهو ما يزيد من حدة الأزمة السياسية والقانونية التي تواجهه، كما تم القبض على السكرتير العام لبلدية إسطنبول الكبرى، ماهر بولات، في إطار التحقيقات الجارية.

كما أعلن مكتب المدعي العام التحفظ على شركة البناء المملوكة جزئيا لرئيس بلدية إسطنبول المعتقل، (إمام أوغلو للإنشاءات والتجارة والصناعة)، بناء على قرار قضائي مرتبط بتحقيقات في جرائم مالية، وفق وكالة "رويترز".

وقدر صحفيون أتراك، بينهم "أوزان أوزكان"، الذي قدم شكوى تزوير الشهادة ضد أكرم إمام أوغلو، حجم الأموال المسروقة من بلدية إسطنبول خلال ست سنوات بـ 560 مليار ليرة.

وقال: إنه كان ممكنا بهذا المبلغ، إنشاء 17 جسرا كجسر السلطان سليم ياووز، أو 13 سدا كسد أتاتورك، أو 157 مقاتلة من مقاتلات كآن الوطنية أو 25 سفينة كسفينة تي جي غي الأناضول، لكن هذه الأرقام توصف بأنها مبالغ فيها جدا.

فساد مالي أم صراع سياسي؟

حاول إمام أوغلو، والمعارضة العلمانية، إظهار أن القضية سياسية، وتحدث أوغلو "أنه لن يستسلم، وسيواصل صموده في وجه الضغوط" بهدف تحويل المعركة من "جنائية" إلى "سياسية"، وإظهار أن الهدف إبعاده عن الترشح للرئاسة المقبلة عام 2028 أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، برغم أن الأخير لا يحق له الترشح فيها.

فوفقا للدستور، يُسمح للرؤساء بالترشح لفترتين فقط، ولا يمكن لأردوغان الترشح إلا لو قام بتعديل الدستور، وهو أمر صعب لحاجته لثلثي أصوات البرلمان، أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، مما سيمنحه 5 سنوات أخرى على الأقل من الحكم؛ إذ ستكون ولايته الثانية غير مكتملة، لكن القرار سيكون أيضا للبرلمان، وفقا للمادة 116 من الدستور، وقد ألمح أردوغان إلى أنه لن يشارك في أي انتخابات مقبلة.

وينتمي إمام أوغلو لـ"حزب الشعب الجمهوري" الذي يتزعمه أوزغور أوزال، وكان قد وصل إلى كرسي رئاسة بلدية إسطنبول عام 2019، مُنْهيا حكم حزب "العدالة والتنمية" الحاكم على هذه المؤسسة منذ 2002.

وفي انتخابات البلدية الأخيرة التي جرت، 2024 فاز برئاسة بلدية إسطنبول مجددا، حيث أعيد انتخابه بنسبة 51.14 بالمئة من الأصوات.

وقبل القبض عليه قالت جامعة إسطنبول، 18 مارس/آذار 2025، إنها ألغت شهادة أكرم إمام أوغلو، ، بسبب مخالفات، منها الانتقال باسم جامعة خاطئة.

حيث أجرى إمام أوغلو انتقاله الأفقي باستخدام اسم "جامعة شرق البحر الأبيض المتوسط" بدلا من "جامعة غيرنة الأميركية" التي لا تملك معادلة رسمية.

وقالت الجامعة في بيان: إن 38 شخصا حوّلوا، في عام 1990، إلى برنامج اللغة الإنجليزية بكلية الإدارة، في مخالفة للوائح المنظمة لذلك.

وأضافت أن شهادات 28 شخصا، من بينهم إمام أوغلو، ألغيت لأنها باطلة، وبسبب أخطاء واضحة فيما يتعلق بلوائح المجلس الأعلى للتعليم، وأن هذا تم بعد التحقيق في تزوير وثائق رسمية تتعلق بشهادات جامعية.

ولم ينكر إمام أوغلو، الذي لا يمكنه الترشح للرئاسة دون شهادة جامعية، تزوير شهادته واكتفي بتحويل الأمر لمعركة سياسية بقوله: "إن قرار الجامعة غير قانوني وخارج نطاق ولايتها القضائية وإنه سيطعن عليه قضائيا".

وإذا تم تأييد قرار الجامعة قضائيا، فلن يتمكن إمام أوغلو من الترشح للرئاسة بسبب شرط الشهادة الجامعية بموجب القانون.

ويقول الصحفي التركي محمد أردوغان: إن قضية حصول أكرم إمام أوغلو على الشهادة الجامعية بشكل غير قانوني ليست جديدة؛ بل بدأت في تاريخ 2019، ومن اشتكوا أغلبهم أشخاص تابعون لحزب الشعب الجمهوري ضمن الصراع الداخلي.

كما أن الذي كشف من وزّع المال بشكل غير قانوني لكي تُعفى البلدية من الضرائب، ومن رفع القضية إلى المحكمة هو عضو في حزب الشعب الجمهوري، مشيرا إلى وجود الكثير من الصحفيين العلمانيين المنتقدين لأوغلو، منهم "جان اتاكلي" و "باريش ياركاداش" والمحامي الأكاديمي "أرسان شان".

ضربة للمعارضة؟

فور اعتقال أوغلو استغل حزب الشعب الأتاتوركي، أكبر أحزاب المعارضة، ذلك لحشد أنصاره في الشوارع وادعاء أن أسباب الاعتقال سياسية لا جنائية كما أعلنت الشرطة والقضاء التركي.

ويري محللون أتراك وتقارير غربية أنه أيا كانت التهم الجنائية الموجهة لإمام أوغلو، فسوف يكون لها تداعيات سياسية كبيرة؛ حيث تشكل ضربة للمعارضة، قبل أيام من اتخاذها قرارا مرجحا باختياره مرشحا عنها للرئاسة في الانتخابات المقبلة.

وأن من شأن الخطوة أن تعرقل خطط إمام أوغلو لمنافسة أردوغان في الانتخابات المقررة في 2028، إذ تأتي قبل أيام من موعد تسميته رسميا مرشح حزب المعارضة الرئيس "حزب الشعب الجمهوري".

بل قد يواجه أوغلو مستقبلا غامضا بعد الاعتقال؛ إذ تسمح اتهامات الإرهاب الموجهة له لوزير الداخلية التركي، علي يرلي كايا، بإقالته من منصبه واستبدال مسؤول معين به من قبل الحكومة حتى انتهاء إجراءات المحكمة.

والأكثر أهمية هو أن كشف التحقيقات فساد ورِشا أعضاء المعارضة سوف يدفع كثيرا من الناخبين للعزوف عنهم في الانتخابات القادمة.

فقد نقلت وكالة "رويترز"، عن معارضين وصفهم هذه الخطوة بأنها "أحدث مسعى للدولة لاستخدام القضاء لكبح المعارضة".

وقالت "سيدة ديميرالب"، رئيسة قسم العلاقات الدولية في جامعة ايشك في إسطنبول لوكالة "رويترز": إن "هذه نقطة تحول في التراجع الديمقراطي في تركيا، ومجموعات المعارضة المختلفة تعدّ هذا خطوةً تنطوي على ترهيب شديد".

وتبارت صحف غربية وخليجية في تصوير اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو بأنه ضربة للمعارضة لصالح أردوغان، الذي اتهمته بـ "الهيمنة"، برغم الشكوك بشأن ترشحه لانتخابات 2028.

ونقلت تصريحات عن محللين أتراك وغربيين يرون أن هذه الخطوة "تهدف إلى إقصاء جميع المنافسين المحتملين قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتعزيز سلطة أردوغان"، وفق “سي إن إن” في 20 مارس 2025.

وتحدثت مجلة "تايم" الأميركية عن "إسكات المعارضة"، ووصفت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك الاعتقالات بأنها "ضربة للديمقراطية في تركيا ستؤدي لتقليص الحرية المتاحة للسياسيين المعارضين".

"انقلاب مدني"

وقد وصف، أوزغور أوزيل، رئيس حزب "الشعب الجمهوري"، اعتقال إمام أوغلو بأنه "انقلاب مدني" ضد إرادة الشعب، وذلك في بيان له على موقع "إكس"

وقال أوزيل: "اتخاذ القرارات نيابة عن الشعب واستعمال القوة لاستبدال إرادة الشعب أو عرقلتها هو انقلاب".

ورأى زعيم حزب "الجيد" القومي، مساوات درويش أوغلو، أن "ما تفعله حكومة أردوغان هو محاولة للقضاء على النظام الدستوري"، ووصف حادثة اعتقال إمام أوغلو بأنها "انقلاب مدني حرفيا".

وقال رئيس حزب "الشعب الجمهوري" السابق، كمال كليتشدار أوغلو: إن اعتقال إمام أوغلو "تدخل ضد الإرادة الوطنية والقانون والديمقراطية".

وردا على ذلك، رفض وزير العدل التركي يلماز تونتش أي تلميح إلى أن موجة الاعتقالات التي استهدفت إمام أوغلو و105 آخرين كانت ذات دوافع سياسية.

وقال في بيان: "سيادة القانون ضرورية. من الخطير والخاطئ تماما تشويه التحقيقات التي تجريها السلطة القضائية المستقلة والنزيهة، أو وصفها بعبارات مثل الانقلاب".

فيما رأى زعيم حزب "الحركة القومية"، دولت باهتشلي، أن "التشهير بإجراء قانوني من خلال وصفه بالانقلاب والاستعداد للنزول إلى الشارع للبحث عن الحقوق هو فساد سياسي بلغ حد الجنون وفقد مستواه من العقلانية والأخلاق"

وقال باهتشلي وهو حليف الرئيس التركي: "يجب أن نتعامل مع القرار القضائي الصادر بشأن رئيس بلدية إسطنبول بالصبر والحس السليم".