عامان في المرحلة الانتقالية.. لماذا يتعسر التحول الديمقراطي في بوركينا فاسو؟

منذ عام واحد

12

طباعة

مشاركة

بعد نحو عامين من الانقلاب العسكري الذي شهدته بوركينا فاسو، يشكك انسحاب البلاد من "المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" (إيكواس) في جدية الانتقال إلى الحكم الدستوري.

ونشر معهد "الدراسات الأمنية" (ISS) تقريرا استعرض فيه واقع المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو، وأفق التحول الديمقراطي في البلاد.

وفي يناير/كانون الثاني 2022، أعلن الجيش عزل الرئيس، روش مارك كريستيان كابوري، وحل البرلمان والحكومة ووقف الدستور.

ثم في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، وقع انقلاب آخر، بإعلان النقيب، إبراهيم تراوري، الإطاحة بالزعيم العسكري بول هنري داميبا.

وأرجع تراوري ذلك إلى عدم قدرة داميبا على التعامل مع "التمرد"، وأعلن إغلاق الحدود إلى أجل غير مسمى وتعليق جميع الأنشطة السياسية.

انسحاب من "إيكواس"

وقال معهد الدراسات الأمنية إن "قادة الانقلابَين أشاروا إلى انعدام الأمن وأشكال مختلفة من سوء الإدارة كأسباب لاستيلائهم على السلطة عسكريا".

وأضاف أن "كليهما وعدا باستعادة النظام الدستوري بحلول يونيو/حزيران 2024، على النحو المتفق عليه في الإطار الانتقالي المتفق عليه مع إيكواس".

وأعلن تراوري -الذي قاد الانقلاب الثاني وهو الرئيس المؤقت للبلاد حاليا- التزامه بـ"مكافحة الإرهاب واحترامه للجدول الزمني للمرحلة الانتقالية الذي وضعته إيكواس".

واستدرك المعهد: "لكن بوركينا فاسو، إلى جانب جارتيها مالي والنيجر، وهي البلدان التي شهدت أيضا انقلابات في السنوات القليلة الماضية، أعطوا إشعارا، في يناير 2024، بانسحابهم الفوري من إيكواس".

ووفقه، فإن "هذا القرار يزيد من الشكوك حول قدرة بوركينا فاسو على الوفاء بالمواعيد النهائية للانتقال الديمقراطي".

وأفاد المعهد بأن خارطة الطريق الانتقالية المحدثة، التي نُشرت في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، حددت أربعة أهداف رئيسة للنظام الجديد.

وكان الالتزام الأول لتراوري هو "مكافحة الإرهاب واستعادة وحدة أراضي البلاد".

وفي سبيل ذلك، أعادت الحكومة تنظيم قوات الدفاع والأمن، وحصلت على معدات عسكرية جديدة، وجندت حوالي 10 آلاف من مسؤولي الجيش والبحرية.

كما أنشأت الحكومة صندوق الدعم الوطني لتعزيز مشاركة المواطنين في الجهود الأمنية، وتلقت المبادرة تمويلا من شركات متعددة الجنسيات، بما في ذلك شركات التعدين.

وأشار المعهد إلى أن "بوركينا فاسو عززت تعاونها السياسي والعسكري مع مالي والنيجر، رغم أن انسحابها من إيكواس جاء على حساب نسجها لعلاقات أقوى إقليميا، وفي بعض الحالات، دوليا".

وفي سبتمبر/أيلول 2023، شكلت هذه الدول الثلاث "تحالف دول الساحل" لمكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الاقتصادي.

ويرى المعهد أن "هذا التحالف يمنحهم الغطاء السياسي والدعم اللازم لمواجهة الضغوط المتزايدة من إيكواس والمؤسسات الإقليمية الأخرى التي تضغط عليهم للامتثال للمواعيد النهائية للانتقال الديمقراطي".

لكن رغم هذه المبادرات، "فقد تدهور الوضع الأمني في بوركينا فاسو"، بحسب تقييم معهد الدراسات الأمنية.

ووفقا للمركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية، فقد تضاعفت الوفيات الناجمة عن العنف الذي تمارسه جماعات مسلحة ثلاث مرات تقريبا، مقارنة بـ18 شهرا قبل انقلاب يناير/كانون الثاني 2022، وزاد العنف بنسبة 46 بالمئة.

ويرى معهد الدراسات الأمنية أن "هذا الاتجاه، إلى جانب انتشار الأنشطة المتطرفة حول العاصمة واغادوغو، يضع بوركينا فاسو على شفا الانهيار".

أزمات متداخلة

وكان التزام تراوري الثاني -حسب المعهد- هو التعامل مع الأزمة الإنسانية في البلاد.

وأفاد بأنه "مع وجود ما يقرب من مليوني نازح داخليا وأكثر من 36 ألف لاجئ، تحتاج بوركينا فاسو إلى حوالي 877 مليون دولار لتوفير المساعدات الأساسية والمأوى والرعاية الصحية والدعم".

واستدرك: "لكن فجوة التمويل لا تزال قائمة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على المحتاجين".

وفيما يتعلق بالهدف الثالث فتمثل في إعادة بناء الدولة وتطوير الحوكمة، فقد أصدر المجلس العسكري تشريعات جديدة مهمة تستهدف المحاباة والمحسوبية السياسية في الشؤون العامة.

وأدت جهود مكافحة الفساد إلى اعتقال وزير النقل السابق، فنسنت دابيلجو، وتلقى أربعة آخرين أحكاما بالسجن لمدة 11 عاما، بتهمة الاختلاس وغسل الأموال.

لكن بشكل عام، فإن التقدم في تنفيذ الإصلاحات ومكافحة الفساد بطيء، مما أثار الشكوك حول مدى التزام الحكومة بهذا الهدف، حسب المعهد.

وأشار إلى أن آخر تعهدات تراوري هو الإشراف على إجراء الانتخابات لاستعادة الحكم الدستوري والديمقراطي.

وأوضح أنه "مع بقاء خمسة أشهر فقط على نهاية الفترة الانتقالية، فإن هناك تباطؤا في هذا الصدد".


 

وفي مقابلة تلفزيونية رسمية خلال سبتمبر/أيلول 2023، قال تراوري إن أولويته هي معالجة انعدام الأمن وحماية الأمة، لكنه "لم يقل عقد الانتخابات".

وأكد المعهد أن ذلك "أثار مخاوف الأحزاب من تأجيل الانتخابات، خاصة وأن الاستعدادات الفنية لم تبدأ بعد".

ورأى أن "الوضع الأمني المتدهور يمكن أن يوفر ذريعة لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى".

وشدد على أن "الانسحاب من (إيكواس) يعزز هذه المخاوف، على اعتبار أن الموعد النهائي للانتخابات كان قد اتُّفق عليه مع تلك الهيئة الإقليمية".

تعليق الأنشطة

ومما يثير القلق أيضا -بحسب المعهد- هو أن الأحزاب تشكو من غياب الحوار وتطالب بإنهاء تعليق أنشطتها.

وقد أدان المجتمع المدني الاستخدام القمعي لقانون التعبئة العامة، الصادر في أبريل/نيسان 2023.

وحسب المعهد، فقد أُجبر العديد من ممثلي المجتمع المدني -الذين انتقدوا الخيارات الأمنية للحكومة- على الانضمام إلى منظمة "المتطوعون من أجل الدفاع عن الوطن".

والمنظمة هي عبارة عن كيان موجود بشكل قانوني منذ عام 2020؛ لمساعدة الجيش في حربه المتعثرة ضد "التنظيمات الإرهابية".

وأشار المعهد إلى أن "هناك أيضا مزاعم عن انتهاكات ارتكبها أفراد من قوات الدفاع، وهو ما تنفيه السلطات".

وتقول الحكومة إنها "تسيطر على الاتصالات كجزء من إجراءاتها لهزيمة الجماعات المتطرفة".

لكن أكد المعهد أنه "لا ينبغي للسلطات أن تتجاهل الدعوات المطالبة بنهج أكثر توافقا، يهدف إلى حماية المدنيين، خاصة عندما يكون التماسك الوطني أمرا حيويا للأمن والحوكمة".

وقال: "علاوة على هذه المخاوف، فقد ابتعدت البلاد أكثر عن حلفائها الدوليين السابقين".

وتابع: "رغم أن تراوري حافظ على حجاب من السرية بشأن تحالفاته، فإن الزيادة المطردة في عدد الجنود الروس في المهام، وهبوط الطائرات الروسية، وزيارة الكرملين في يوليو/تموز 2023، تشير إلى وجود روابط جديدة مع روسيا".

وأفاد المعهد بأن "هذه العلاقات أقيمت بعد وقت قصير من انتهاء العمليات الفرنسية في بوركينا فاسو".

وفي 6 أغسطس/آب 2023، علقت فرنسا مساعداتها الإنمائية لبوركينا فاسو بعد أن دعم المجلس العسكري قادة الانقلاب في النيجر.

وردا على ذلك، نددت حكومة بوركينا فاسو بمعاهدة الازدواج الضريبي مع فرنسا، وأوقفت الخطوط الجوية الفرنسية جميع رحلاتها من وإلى واغادوغو وباماكو.

انتقال هش

وأوضح المعهد أن "كل هذه التحديات تقدم دروسا للدول التي تمر بمرحلة انتقالية بعد الانقلابات العسكرية".

وأكد أن "الإصلاحات الانتخابية والمؤسسية أمر حيوي لتحصين المشهد السياسي".

ورأى أن "منظمات المجتمع المدني تلعب دورا رئيسا في مكافحة المعلومات الخاطئة والمضللة التي تقوض الديمقراطية".

وذكر المعهد أن "المساحة المتوفرة للعمل المدني وتعليم الاتصالات الرقمية هي مساحة محدودة في البيئة السياسية الحالية"، مشيرا إلى أن "منظمات المجتمع المدني ستحتاج إلى وضع إستراتيجية حول هذا الأمر".

وأردف: "أخيرا، ينبغي لإيكواس أن تراجع بروتوكولاتها المتعلقة بالديمقراطية والحكم الرشيد حتى تتمكن من معالجة التحديات المعاصرة".

وأوضح أن "البروتوكول الحالي استُخدم لأكثر من عقدين من الزمن، وأن ظهور الانقلابات والتغييرات غير الدستورية للحكومات، تشير إلى أن الإصلاحات أمر حيوي".

وقال المعهد: "تتفاقم التحديات الكبرى التي تواجه العملية الانتقالية في بوركينا فاسو بسبب قرارها بالخروج من إيكواس".

وأضاف: "لا يشكك الانسحاب في التزام المجلس العسكري بإجراء الانتخابات بحلول يونيو/حزيران 2024 فحسب، بل أيضا في العملية الانتقالية برمتها".

وتابع: "يؤكد هذا القرار -إلى جانب الصراعات الداخلية والمخاوف الأمنية المتصاعدة والتحولات في العلاقات الخارجية- على هشاشة العملية الانتقالية في بوركينا فاسو".

وختم المعهد بالتشديد على أن "هناك حاجة ملحة للحوار بشأن الجدول الزمني للانتقال الديمقراطي في بوركينا فاسو".