وسط ضغوط ترامب.. ما هي بدائل العراق للتحرر من قبضة الغاز الإيراني؟

الجانب الأميركي ألغى استثناء العراق من العقوبات على إيران
مع إعلان الإدارة الأميركية التراجع عن إعفاء العراق من العقوبات المفروضة على إيران لاستيراد الغاز والكهرباء، تحركت الحكومة العراقية لإيجاد بدائل تمنع انهيار الطاقة الكهربائية قبل فصل الصيف اللاهب، والذي تتجاوز فيه درجات الحرارة الـ50 درجة مئوية في بعض المدن.
ومنذ عام 2017 يعتمد العراق في توليد الكهرباء على الغاز الإيراني، إذ إنه وقع أخيرا وتحديدا في آذار/ مارس 2024، عقدا مع شركة "الغاز الوطنية الإيرانية" يقضي بتوريده يوميا كمية من الغاز تصل إلى 50 مليون متر مكعب، وتستمر لمدة خمس سنوات.

"انقضاء الإعفاء"
في 9 مارس/آذار 2025، أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، إلغاء إدارة ترامب إعفاء العراق من العقوبات لدفع ثمن الطاقة لإيران، كجزء من حملة "الضغط الأقصى" التي يشنها ترامب ضد طهران، حسبما نقلت وكالة رويترز.
ونقلت الوكالة عن المتحدث (لم تكشف هويته) أن "قرار السماح بانقضاء إعفاء العراق عند انتهاء صلاحيته (8 مارس) يضمن عدم السماح لإيران بأي قدر من الإغاثة الاقتصادية أو المالية، وأن حملة ترامب على إيران تهدف إلى إنهاء تهديدها النووي وتقليص برنامجها الصاروخي الباليستي ومنعها من دعم الجماعات الإرهابية".
كان ترامب قد منح إعفاءات في ولايته الأولى (2017 ـ 2021) لعدة مشترين لتلبية احتياجات المستهلكين من الطاقة عندما أعاد فرض العقوبات على صادرات الطاقة الإيرانية في عام 2018، مشيرا إلى برنامجها النووي وما تسميه الولايات المتحدة تدخلها في الشرق الأوسط.
وجددت إدارة ترامب وإدارة جو بايدن مرارا وتكرارا إعفاء العراق من العقوبات بينما حثت بغداد على تقليل اعتمادها على الكهرباء الإيرانية، وكرر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية هذه الدعوة، وفقا لـ"رويترز".
وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية: "نحث الحكومة العراقية على إنهاء اعتمادها على مصادر الطاقة الإيرانية في أقرب وقت ممكن. فإيران مورد غير موثوق للطاقة".
وعدّ المتحدث "التحول في مجال الطاقة في العراق يوفر فرصا للشركات الأميركية، التي تعد من الخبراء الرائدين عالميا في زيادة إنتاجية محطات الطاقة، وتحسين شبكات الكهرباء، وتطوير الربط الكهربائي مع شركاء موثوق بهم".
وقلل المتحدث من تأثير واردات الكهرباء الإيرانية على شبكة الكهرباء العراقية، قائلا: "في عام 2023، كانت واردات الكهرباء من إيران تشكل 4 بالمئة فقط من استهلاك الكهرباء في العراق".
وفي مطلع يناير/كانون الثاني 2025، كشف القيادي في الإطار التنسيقي (الشيعي)، عمار الحكيم، أن "الإدارة الأميركية الحالية (برئاسة جو بايدن) أبلغت العراق بأن حكومة ترامب القادمة لن تمنح استثناءات من العقوبات، لذلك عليكم الذهاب وإيجاد مصادر غاز من جهات أخرى غير إيران".
وأوضح الحكيم خلال مقابلة تلفزيونية، أن "الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب تسعى من خلال ذلك للضغط على طهران حتى تجلس إلى طاولة الحوار مع الدول الغربية والتوصل إلى اتفاق معهم، خصوصا أن العراق يمثل رئة إيران الاقتصادية".

أربعة بدائل
ومع السباق الحكومي لتدارك الأزمة، أعلن مدير عام قسم الوقود في وزارة الكهرباء سعد جاسم، في 13 مارس/آذار 2025، عن وضع خطط استباقية لما وصفه بـ"أسوأ السيناريوهات" التي قد يواجهها العراق بعد انقطاع الغاز الإيراني، ومن بينها الاستيراد من قطر وعُمان وتركمانستان.
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن جاسم، قوله: إنه "في السابق، كنا نستورد فقط من إيران، ولكن هناك توجيهات حكومية وإرادة سياسية للاعتماد على مصادر متعددة للواردات، وعلينا أن نأخذ في الحسبان أسوأ السيناريوهات المحتملة، فإذا كان هناك انقطاع، فقد أعددنا بدائل".
وأضاف جاسم: "في المنطقة، قطر هي أكبر منتج للغاز الطبيعي، لقد قمنا بعدة زيارات، وهم مستعدون لمساعدة العراق بأسعار تفضيلية"، مبينا أن "سلطنة عمان أيضا خيار".
وأشار إلى أن "المفاوضات جارية أيضا لشراء الغاز من تركمانستان لتسليمه عبر خطوط الأنابيب عبر إيران"، لافتا إلى أن "العراق يقوم بإنشاء محطتين عائمتين للغاز الطبيعي المسال في منطقة خور الزبير بجنوب البلاد"، معربا عن أمله في تشغيلهما بحلول يونيو/حزيران 2025".
وأوضح أن "هذه المرافق يمكن استخدامها لمعالجة ما بين 14 إلى 19 مليون متر مكعب (500 إلى 700 مليون قدم مكعب) يوميا. وإذا تمكنا من إنشاء وحدة ثالثة فإننا قد نصل إلى 800 إلى 900 مليون قدم مكعب"، مشيرا إلى أن "هذا من شأنه أن يساعد في تعويض النقص في الغاز الإيراني الذي يعتمد عليه جنوب العراق".
وفي 17 مارس/آذار 2025، اتفق نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي، وزير الخارجية فؤاد حسين، مع وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، على مضاعفة كمية الكهرباء التي ستوفرها تركيا للعراق، مع بحث إمكانية استيراد الغاز التركي لتغطية احتياجات محطات التوليد.
وفي السياق ذاته، بحث وزير الكهرباء العراقي زياد علي فاضل مع الوزير التركي تعزيز الربط الكهربائي بين البلدين، إذ أكدت بغداد جاهزيتها لرفع طاقة التجهيز عبر الخط المشترك إلى 600 ميغاواط، بينما تعهدت أنقرة بمضاعفة الإمدادات في الأشهر المقبلة.
وذكرت منصة "الطاقة" في 18 مارس/آذار 2025، أن "المفاوضات بين العراق والجزائر حول صفقة غاز مسال تتقدم ومن المتوقع إعلان الصفقة خلال شهرين بحد أقصى، على أن يبدأ التصدير بمجرد انتهاء الجانب العراقي من تجهيز البنية التحتية للاستيراد".
وحسب المصادر التي نقلت عنها "المنصة"، فإن "العقد سيكون متوسط الأجل، وستكون الكميات في حدود مليون طن سنويا، لكن حتى الآن المفاوضات لم تحسم الكمية بشكل نهائي".
وفي 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، وقعت وزارة الكهرباء العراقية، اتفاقية مع تركمانستان لاستيراد الغاز بكميات تصل إلى 20 مليون متر مكعب من الغاز يوميا، وإن شركة "لوكستون إنرجي" السويسرية ستنقل ذلك عبر شبكة خطوط الأنابيب الإيرانية باستخدام آلية المبادلة لتيسير النقل.
ووفق وزير الكهرباء العراقي، فإن "هذا الاتفاق سيسهم بشكل ملموس في ضمان تزويد المحطات الغازية بالوقود اللازم، وهي تساهم حاليا بنحو 60 بالمئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في العراق".

ورقة سياسية
أزمة الغاز ونقص الطاقة الكهربائية في العراق لا تقف عند البعد الخدمي فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها ورقة للضغط السياسي طالما لعبت بها إيران وتسببت في أحيان كثيرة باحتجاجات شعبية، أدت في نهاية المطاف إلى إزاحة شخصيات عراقية عن منصب رئاسة الحكومة.
وبخصوص مدى قدرة حكومة محمد شياع السوداني في توفير البديل عن الغاز الإيراني، قبل حلول الصيف خصوصا أن الانتخابات البرلمانية مقررة في نوفمبر /تشرين الثاني2025، قال الباحث العراقي، بهاء الدين البرزنجي إن "إيران ستسعى جاهدة إلى عرقلة تعاقد العراق مع أطراف أخرى".
وأضاف البرزنجي في حديث لـ"الاستقلال" قائلا: "رغم أن إيران لم تعد بالقوة التي كانت عليها قبل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتراجع نفوذها بالمنطقة، وترصد ترامب لأفعالها حاليا، لكن طهران ستحاول بكل الطرق عدم تخلي العراق عن غازها والبحث عن بديل".
وأشار الباحث إلى أن "إيران كانت في كل صيف تلعب بورقة الكهرباء والغاز من أجل الضغط على الحكومات العراقية سواء لتسديد الديون المترتبة عليها، أو للتعبير عن رفضها لرؤساء الوزراء العراقيين الذي لا يتوافقون معها أو السير في ركبها".
وفي عهد رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي وتحديدا أواخر عام 2018، قطعت إيران التيار الكهربائي وإمدادات الغاز عن العراق، والذي كان سببا في خروج مظاهرات ضده في الوسط والجنوب البلاد، والتي رأى العبادي نفسه أنها كانت سببا في إقصائه عن ولاية ثانية.
من جهته، كشف وزير الكهرباء العراقي السابق قاسم الفهداوي، أن "ضغوطا إيرانية مورست على حكومة حيدر العبادي، لإلغاء صفقة عرضتها السعودية على العراق تضمنت توفير الرياض للغاز الذي تحتاجه بغداد وبأسعار أقل من الأسعار العالمية".
وتساءل الفهداوي خلال مقابلة تلفزيونية في 12 أبريل/نيسان 2020، قائلا: "هل من الممكن أن نضحي بمصلحة العراق من أجل إرضاء إيران؟"، مؤكدا أن "الأخيرة لم تتعاون مع الجانب العراقي في حل مشكلة الطاقة، بل قطعت الكهرباء لعدة مرات".
ولعل ما يؤكد وقوف إيران وراء إعاقة مشاريع الطاقة في العراق، هو ما كشفه أيضا، بهاء الأعرجي نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة سابقا عن إيقاف طهران مشاريع تخص ملف الكهرباء في بلاده، وأنها "لو قدر لها أن تكتمل لتحسن وضعها بنسبة 80 بالمئة".
وأوضح الأعرجي خلال مقابلة تلفزيونية له عام 2018، قائلا: "جاءني السفير الإيراني (حسن دنائي فر) شخصيا خلال مرحلة شغلي لمنصب نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة، وقال لي: أوقف هذه المشاريع، وذلك بعدما استطلع عن المشروع الجديد وسأل عنه".
المصادر
- وزير الطاقة التركي يبحث في بغداد التعاون بمجالي النفط والغاز
- العراق يبحث مع تركيا إمكانية استيراد الغاز لتغطية احتياجات محطات توليد الطاقة في البلاد
- العراق يخشى صيفا قاسيا إذا لم يستطع استيراد الغاز الإيراني
- صفقة غاز مسال جزائرية في الطريق إلى العراق لأول مرة
- العراق في سباق مع الزمن لتوفير الكهرباء.. 3 بدائل لـ«الغاز الإيراني»
- "إستراتيجية الإغراق".. ما سر توقيت قطع إيران إمداد الكهرباء عن العراق؟
- يحتاج إلى وقت.. ما جدية العراق في استيراد الغاز من تركمانستان وإنهاء هيمنة إيران؟
- وزير الكهرباء العراقي السابق: إيران وراء مشكلة الكهرباء في العراق