الحوار الوطني الموريتاني.. خطوة جادة نحو حل المشاكل أم "فرقعة" إعلامية؟

"يجب عدم تعطيل الفريضة (الدستور والقانون) وإقامة مكانها النوافل (الحوار الوطني)"
بعدما وعد به في خطابات سابقة، أعلن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، عن إطلاق حوار سياسي وطني، مؤكدا أنه "سيكون شاملا ولن يستثني أي طرف سياسي".
وجاء هذا الإعلان خلال مأدبة إفطار سياسي نظمها الرئيس، في 9 مارس/آذار 2025، بحضور ممثلين عن الأحزاب السياسية من الموالاة والمعارضة، إضافة إلى المرشحين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ودعا ولد الشيخ الغزواني، في كلمته خلال هذا الإفطار السياسي، الأحزاب السياسية إلى تقديم مقترحاتها بشأن القضايا التي سيتم تناولها ومنهجية الحوار، مشددا على أهمية التوافق الوطني.
وكشف الرئيس الموريتاني، عن تكليف السياسي موسى فال، وهو مسؤول حكومي سابق ومعارض سابق للرئيس الأسبق محمد ولد عبد العزيز، بمهمة تنسيق الحوار.
ومن المتوقع أن تتناول النقاشات ملفات الحكامة السياسية والاقتصادية ومكافحة الفساد وحقوق الإنسان، إضافة إلى قضايا الديمقراطية والحريات والنظام الانتخابي.
ليس أولوية
وحضر لقاء الإعلان عن إطلاق الحوار الوطني السياسي كل من الزعيم الرئيس للمعارضة حمادي سيدي المختار رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية الإسلامي (تواصل)، ورئيس حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية السابق صار إبراهيما، عضو مجلس إشراف مؤسسة المعارضة.
كما حضر عن المعارضة أيضا رئيس حزب اتحاد قوى التقدم محمد ولد مولود، ورئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بلخير، ورئيس تكتل القوى الديمقراطية أحمد ولد داداه.
وعن الموالاة (الأحزاب الداعمة للرئيس الموريتاني) حضر كل من نائب رئيسة حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم سانغوت عثمان، ورئيس حزب الإنصاف الحاكم سيدي أحمد ولد محمد.
وكان أبرز الغائبين عن هذا اللقاء المعارض البارز بيرام الداه اعبيد، الذي حلّ في المركز الثاني في انتخابات يونيو/حزيران 2024.
وفي توضيحه لأسباب غيابه، قال المعارض بيرام الداه اعبيد: "أنا لست من أهل العبث ولا من أهل المجاملات خاصة في قضايا الشأن العام".
وأضاف بيرام الداه اعبيد، في حوار مع قناة الساحل المحلية، أن واجب السلطة السياسية هو إحقاق الحق وتطبيق الدستور هذا هو الفريضة أما الحوار فهو نافلة.
وشدد على ضرورة أن يسبق الحوار الوطني تطبيق الدستور والقانون أي عدم تعطيل الفريضة (الدستور والقانون) وإقامة مكانها النوافل (الحوار الوطني)، في إشارة إلى أن الحوار الوطني ليس أولوية في المرحلة الحالية وأن هناك أولويات أخرى ينبغي التركيز عليها.
ويرى البرلماني المعارض، أن الحوار الناجح يتطلب شروطا لنجاحه وضمانات وتدقيقا لطريقة تدبيره، قائلا: "لسنا مقاطعين للحوار الوطني بشكل كامل، ولكن لا نحضر بعض المراحل التي فيها فقط "تحسين صورة النظام" وليس فيها طرح لمحاور الحوار وليس فيها أمور جدية".
وأعرب بيرام الداه اعبيد، عن أمله في أن يسير النظام برئاسة ولد الشيخ الغزواني في مسار حوار جدي يقطع مع الحوارات السابقة التي كانت لخدمة أجندة النظام وتحسين صورته فقط وليس لتحسين وضعية الشعب ووضعية الديمقراطية.
وشهدت موريتانيا منذ الاستقلال عام 1960 عدة حوارات سياسية لعل من أكثرها أثرا في الحياة السياسية الوطنية حوار 1991 الذي أقر التعددية الحزبية، وحوار 2006 الذي انتهى لمرحلة انتقالية أعادت البلاد إلى المسار الديمقراطي وكان لها كبير الأثر في تطوير الحكامة السياسية.
كما عرفت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة حوارات جزئية بين الداخلية من جهة والأحزاب السياسية من جهة ثانية، حول التحضير التشاركي للانتخابات، وأفضت إلى إدخال بعض الإصلاحات المهمة في إدارة وتسيير العملية الانتخابية.
حوار شكلي
أما رئيس حزب اتحاد قوى التقدم (معارض) محمد ولد مولود، الذي حضر لفعاليات الإفطار السياسي، فقال: إن الرئيس محمد ولد الغزواني أبدى رغبة حقيقية في تحقيق حوار ناجح، يتم إعداده بشكل توافقي ودون تأخير أو مماطلة.
ورأى ولد مولود في تصريح خاص لوكالة الأنباء الموريتانية الرسمية، أن تعيين منسق للحوار وتحديد مواعيده يعدان "خطوة عملية غير مسبوقة"، وهو ما يتطلع إليه السياسيون.
وسجل أن الأمور إن سارت في هذا الاتجاه، فإن موريتانيا ستشهد استقرارا، مما يعود بالفائدة على كل من المعارضة والأغلبية، ويعزز من إمكانية طي صفحة الماضي.
وذكر أن المعارضة كانت تطالب بالحوار لفترة طويلة، وقد تم القيام بمحاولات في هذا الإطار، إلا أنها باءت بالفشل بسبب نقص الثقة المتبادل.
وعزا ولد مولود، فشل الحوارات السابقة إلى اتهام بعض أطراف المعارضة للنظام بعدم الجدية ومحاولة كسب الوقت، وفي المقابل، اتهم النظام المعارضة بعدم الرغبة في الحوار، فضلا عن حالات التنابز المستمرة.
وأكد أن موريتانيا تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالفساد وإدارة الشأن العام، فضلا عن قضايا الديمقراطية والتنافس الاجتماعي والتعايش بين مكونات الشعب ومتطلباته.
وأشار إلى أن من بين هذه التحديات اختلاف الطبقة السياسية؛ حيث هناك من يملك السلطة ولا يرغب في التخلي عنها، بينما يسعى آخرون للتغيير دون أن يجدوا سبيلا لذلك.
وأوضح أن هذه الوضعية تستدعي من الطبقة السياسية نضوجا أكبر، وأن تتحمل مسؤولياتها في قيادة البلاد بعيدا عن الكوارث، وذلك من خلال التفاهم حول القضايا الأساسية مثل الوحدة الوطنية وأمن البلاد، وإرساء قواعد التنافس السليمة.
بدوره، قال الزعيم الرئيس للمعارضة حمادي سيدي المختار رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية: إنه أكد للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني خلال لقائه بمجلس إشراف مؤسسة المعارضة، بأنهم ليسوا مستعدين للمضي قدما في "تنظيم حوار سياسي شكلي بدون نتائج".
وفي 17 مارس 2025، أكد سيدي المختار، خلال مؤتمر صحفي نظمه حزبه، أن الموريتانيين تعبوا من "الحوارات التي لديها نتائج محدودة"، مبينا أن جدية النظام في الحوار ستظهر حين يتم إشراكهم في اللجنة المشرفة على تنظيمه.
وأوضح سيدي المختار، أن المعارضة طلبت ضمانات تُطمئن الطيف السياسي، وتؤكد أن الحوار سيكون مختلفا عن سابقيه، مبرزا "سعيهم في هذا المسار، لكن بحذر".
وخلص إلى أن جميع الخطوات التي قام بها الرئيس حتى الآن بهذا الخصوص، تعبر عن إرادة جادة في تنظيم حوار شامل لا يقصي أحدا، مشيرا إلى أن حزب "تواصل" منفتح بطبيعة الحال على أي حوار.
فرصة وطنية
أما عن أحزاب الموالاة، فدعا رئيس حزب الإنصاف الحاكم سيد أحمد ولد محمد، إلى توحيد صف أحزاب الأغلبية لضمان إنجاح الحوار المرتقب وتحقيق تطلعات الشعب.
وفي 18 مارس 2025، رأى ولد محمد، في كلمته الافتتاحية لحفل إفطار نظمه حزبه، على شرف أحزاب الأغلبية، أن تعزيز العمل التشاركي بين المكونات السياسية أصبح ضرورة ملحة "أكثر من أي وقت مضى".
وذكر ولد محمد، أن "العمل التشاركي بيننا، والتقليل من التركيز على الأنا الفردية أو الحزبية، هو السبيل الأمثل لبناء ثقة متبادلة مع شركائنا في المشهد السياسي".
وأشار ولد محمد إلى أن الحزب سيعتمد منهجية وخطة عمل تشاركية تُراعي مصالح جميع الأطراف، وتستند إلى الحوار البنّاء.
وأمام هذا التباين الحذر بين أطياف المشهد السياسي الموريتاني بخصوص أهمية الحوار الوطني وسبل إنجاحه، اختلفت مواقف المراقبين بين مرحبة ومتفائلة بنجاحه، وبين أخرى مشككة في جدوى الحوار مادام أن هناك إشكالات اجتماعية واقتصادية تتطلب الانكباب عليها أولا قبل إطلاق أي حوار سياسي.
مدير المركز الإقليمي للأبحاث والاستشارات سيد اعمر ولد شيخنا، قال: إن الرئيس محمد الشيخ الغزواني، يرفع منذ انتخابه عام 2019 (العهدة الرئاسية الأولى) مقاربة سياسية تعتمد الانفتاح والحوار مع الشركاء السياسيين.
وأضاف ولد شيخنا، في حديث لـ"الاستقلال"، أنه "بعد أن كان الاستقطاب والتدابر هما الطابع العام حلت محلهما التهدئة والتواصل والتشاور، وهي سنة حميدة تعبر عن الطبيعة السمحة والأصيلة للمجتمع الموريتاني وهي أيضا سمة ديمقراطية ضرورية".
وأوضح ولد شيخنا، أن الرئيس ولد الغزواني رأى أن الوقت قد حان لإجراء هذا الحوار السياسي في أجواء هادئة، من خلال حوار لا يقصي طرفا ولا يستثني موضوعا، وهي الدعوة التي تمت تلبيتها من الأطياف السياسية الفاعلة.
وتابع أن الرئيس طالب بأن يكون الحوار الوطني فرصة وطنية مهمة قد تشكل أرضية جديدة لنقاش القضايا الوطنية والتحديات المطروحة والخروج بتفاهمات وتوافقات تعزز الترسيخ الديمقراطي وتحقق التشارك الوطني وتزيد الوحدة الوطنية صلابة وقوة.
وخلص ولد شيخنا إلى أن “موريتانيا، تمر اليوم، بلحظة إستراتيجية دقيقة فهي دخلت نادي منتجي الغاز وهناك خطط تنموية طموحة وفي نفس الوقت هناك أزمات الإقليم وتداعياتها على الأمن والنزوح، وهو ما يتطلب مشاركة وطنية واسعة وأمنا واستقرارا”، مشددا على أن "الرئيس مهتم بالعبور الآمن بالبلد نحو آفاق واعدة بحول الله".
إلهاء للشعب
من جانبه، قال المدير الناشر لصحيفة "النهار" المحلية، محمد المختار ولد محمد فال، إن "الهدف من إطلاق حوار سياسي وطني هو إشغال الناس بأشياء لن يتم حولها اتفاق وليس بالضرورة إذا تم الاتفاق عليها سيتم تنفيذها، كما أنها لا تمثل أولوية الأولويات بالنسبة للمواطن".
وأضاف ولد محمد فال، في حديث لـ"الاستقلال"، أن هذا الحوار السياسي لا يهدف بالضرورة لمعالجة قضايا كبرى وإنما لإلهاء الناس وإشغال الشارع الموريتاني المتذمر من واقع غير مألوف له.
وتابع أن هذا الواقع يتمثل في الارتفاع الصاروخي للأسعار، وارتفاع نسب الجريمة وزيادة وتيرة الهجرة نحو موريتانيا حتى غرقت البلاد بالمهاجرين غير النظاميين، إضافة إلى انتشار المخدرات.
ويرى ولد محمد فال، أن هناك أمورا كان من الأحرى أن تكون موضوع نقاش الحوار السياسي الوطني بغية مدارستها والبحث عن حلول لمعاناة الموريتانيين اليومية مع هذا الواقع الجديد عليهم.
ورأى أن خلفيات هذا الحوار الوطني هو إلهاء المواطنين عن المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع، خاصة أنه لا توجد أزمة سياسية بالبلاد.
وأفاد بأن النظام الحاكم منتخب رغم ما رافق انتخاب الرئيس من ملاحظات، كما أنه في بداية ولايته الرئاسية فكان يجب أن يركز على البناء ومحاربة الفساد والهجرة غير النظامية، والتسيب الإداري وبالتالي أن يقوم بإنجازات لصالح المواطن.
ونبّه إلى أن خلفيات إطلاق هذا الحوار السياسي هو إشغال الناس ورمي طعم سياسي في حياة سياسية تتميز بضعف هيئات الوساطة في القيام بدورها الأساسي خاصة الأحزاب السياسية والمتمثل في التوعية والبحث عن حلول لإشكالات المواطنين اليومية.
وأردف أن كل حزب سياسي يبحث عن مكاسب سياسية والتي هي جزء من كعكة السلطة إما منصب سياسي أو امتيازات معينة، وليس هنالك مشروع مجتمعي شامل جدي.
وسجل ولد محمد فال، أن المعارضة التقليدية التي ظهرت منذ بداية المسلسل الديمقراطي عام 1992 انهارت وانتهت وشاخت رغم أنها أبلت البلاء الحسن.
وزاد أن قادتها شاخت وتراجعت شعبيتهم بشكل كبير، ولم يبق في الساحة السياسية من يدعي أنه معارض إلا القوى الشرائحية و"العنصرية" التي تخدم النفوذ والثقافة الفرنسيين والتي لا تمتلك أي مشروع وطني ولا تتبنى أي موقف وطني.
وأضاف أنه لم تعد هناك معارضة وطنية حقيقية باستثناء حزبين أساسيين هما "تواصل" الذي يعبر عن توجه جماعة الإخوان المسلمين، وحزب "الصواب" الذي له خلفية بعثية، مشيرا إلى أن كليهما يمتلك مشاريع وطنية.
وخلص ولد محمد فال، قائلا: "لا أتوقع نتائج غير عادية لهذا الحوار إن وقع وتم تنظيمه" على تقدير أنه "حوار إلهائي يواجه تحديات كبيرة جدا من أجل تنزيله من قبيل انتهازية بعض الأطراف المعارضة خاصة "الشرائحية" و"العنصرية" التي تبحث عن مكاسب شخصية".
وأشار إلى أن نتائج هذا الحوار الوطني لن يكون لها انعكاس على الحياة العامة والخاصة للمواطنين وعلى الوضع المعيشي الصعب للمواطن الموريتاني.