الخليج يعيد تموضعه بعد الحرب.. هيمنة إيرانية وتقارب مع تركيا وتراجع التطبيع

منذ ١٥ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

يرى يوئيل غوزانسكي، رئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن اتفاق وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران قوبل في دول الخليج العربي بشعور فوري بالارتياح، على إثر توقف الهجمات التي كانت تستهدفها بشكل مباشر.

ومع ذلك، لم يترافق هذا الارتياح مع إحساس حقيقي بتحقيق إنجاز إستراتيجي. فبالنسبة للعديد من هذه الدول، لا يُعد انتهاء القتال حلاً للمشكلات العميقة التي أدت إلى اندلاع الحرب منذ البداية.

ويخلص غوزانسكي إلى أن هذا الاتفاق قد يترك دول الخليج في وضع أكثر تعقيدًا من الناحية الإستراتيجية، مقارنة بما كانت عليه عند بداية العدوان الذي بدأته أميركا وإسرائيل ضد إيران وردت عليه الأخيرة باستهداف دول الخليج.

هدف لم يتحقق

وبحسب تحليله، "يرتكز هذا الشعور على حقيقة أن الهدف الرئيس للحرب، والمتمثل في إزالة التهديد الإيراني، لم يتحقق".

وتابع موضحا: "فقد نجت برامج إيران النووية والصاروخية من الحرب، ولا يزال مصيرها ضمن أي تسوية غير واضح حتى الآن".

“كما أن أحد الأعمدة الأساسية في الإستراتيجية الإيرانية، والمتمثل في منظومة الصواريخ والطائرات المسيرة واسعة النطاق، بقي إلى حد كبير دون تغيير، وسيواصل تشكيل تهديد إقليمي”. وفق تقييمه.

ولفت إلى أن "الأكثر أهمية من ذلك، أن النظام الإيراني أظهر قدرة ملحوظة على الصمود، سواء في مواجهة الضغوط الخارجية أو الداخلية".

واستطرد: "إذ لم تتحقق التوقعات التي رجّحت أن يؤدي مزيج من الضغط العسكري والعقوبات والضغوط السياسية إلى زعزعة استقراره".

واسترسل: "وحتى الدعم الأميركي للمعارضة، الذي طُرح أحيانا كأداة مكمّلة للحرب، تبيّن أنه غير مؤثر على أرض الواقع".

"بعبارة أخرى، النتيجة النهائية أن النظام الإيراني لم يكتف بالبقاء، بل بات بإمكانه الادعاء بأنه صمد في مواجهة مباشرة مع أقوى قوة في العالم ومع إسرائيل في آن واحد". وفق تعبيره.

وفي موازاة ذلك، يشدد الكاتب المتخصص في شؤون الخليج على أن "إيران أظهرت أحد أهم أصولها الإستراتيجية، وهو قدرتها على استخدام استهداف دول الخليج كأداة ضغط إقليمي ودولي".

وتابع: "فخلال الحرب، أثبتت طهران قدرتها على تعطيل الملاحة وتهديد الأمن الاقتصادي في المنطقة، لا سيما في محيط مضيق هرمز، كما أظهرت أن الولايات المتحدة لا تملك القدرة الكاملة على سلبها هذا النفوذ على المدى الطويل، أو أنها غير مستعدة لدفع الكلفة اللازمة لذلك، سواء اقتصاديا أو بشريا".

ومن ثم، يشير إلى أنه "بمجرد استخدام هذه القدرة (ورقة مضيق هرمز) بشكل علني، ستتحول إلى أداة مفيدة بيد إيران في أي صراع مستقبلي، وبهذا المعنى، لم تضعف الحرب مكانة إيران في الخليج، بل عززت هيمنتها فيه".

ضياع الردع 

“ثمة تداعيات مهمة أخرى للحرب تتمثل في تغيير مفهوم الردع”. يقول الموقع.

ويتابع: "فلسنوات، كان العامل المركزي الذي كبح إيران من الاندفاع نحو السلاح النووي هو الخوف من هجوم أميركي واسع النطاق".

وبحسب تقديره، "غيرت الحرب الأخيرة هذه المعادلة إلى حد ما؛ إذ تعلمت طهران أن الهجوم الأميركي هو حدث قاس، لكنه ليس بالضرورة تهديد وجودي. وبذلك أزيل أحد الحواجز المركزية التي كانت تردعها حتى الآن، على الأقل جزئيا".

بالتوازي مع ذلك، لم يستبعد المقال أن "تؤدي تجربة الحرب نفسها إلى زيادة الدافع الإيراني للحصول على سلاح نووي، سواء كأداة ردع أو كوسيلة لتعزيز مكانته الإقليمية".

أما بالنسبة لدول الخليج، فإن الصورة، وفقا لوجهة نظره، "ليست أقل تعقيدا، فخلال أربعين يوما من القتال، تعرضت هذه الدول لضربات كبيرة في بنيتها التحتية المدنية والأمنية، خاصة الإمارات التي نالت النصيب الأكبر من الهجمات مقارنة بأي دولة أخرى في المنطقة".

وبحسبه، "تقدر الأضرار الاقتصادية بمليارات الدولارات، ولكن أبعد من ذلك، تضررت (المكانة الإقليمية) التي تعد عنصرا رئيسا في استراتيجية دول الخليج التي تسعى لتقديم نفسها كمجال مستقر وآمن ومزدهر".

واستطرد: "إن إعادة بناء البنية التحتية أمر ممكن، لكن استعادة الشعور بالأمن والصورة الإقليمية قد تستغرق سنوات".

بالإضافة إلى ذلك، "كشفت الحرب عن فجوة عميقة بين توقعات دول الخليج وقدرة الولايات المتحدة على تنفيذ ضماناتها الأمنية".

وعزا ذلك إلى أنه "من وجهة نظر كثير من هذه الدول، لم تتمكن واشنطن من ردع إيران عن استهدافها، ولا من حمايتها بشكل كامل من الهجمات، كما لم تحقق نتيجة إستراتيجية حاسمة في مواجهة طهران".

سياسة التحوط

وفي السياق ذاته، لفت المقال إلى أن "الحرب أثر أيضا في صورة إسرائيل داخل المنطقة؛ إذ يرى كثيرون في الخليج أنها من دفعت نحو التصعيد".

واستدرك: "غير أن النتائج، المتمثلة في إلحاق أضرار كبيرة بدول الخليج من دون تغيير جوهري في ميزان القوى مع إيران، أثارت تساؤلات حول جدوى هذا المسار".

وعليه، "من المرجح أن يتزايد النقد لإسرائيل بصفتها عاملا أسهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي من دون تحقيق مكاسب أمنية ملموسة".

استنادا إلى تلك المعطيات، رجح الكاتب المتخصص في شؤون الخليج أن "تواصل دول مجلس التعاون اتباع سياسة (التحوّط من المخاطر)".

"وذلك عبر الجمع بين الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة، وتعزيز قدراتها العسكرية الذاتية، لا سيما في مجالي الدفاع الجوي ومواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب تنويع شراكاتها الدولية، ومحاولة تخفيف التوتر مع إيران".

وفي الوقت نفسه، توقع أن "تعمل هذه الدول على الدفع باتجاه حلول تهدف إلى إيجاد بدائل لمضيق هرمز، ودراسة امتلاك قدرات ردع غير تقليدية على المدى البعيد؛ إذا تبين أن إيران تحتفظ بقدراتها النووية". 

وبحسبه، فإن "النتيجة النهائية تشير إلى أن الحرب لم تعالج المشكلات الأمنية لدول الخليج، بل أكّدت أن جميع البدائل الاستراتيجية المتاحة أمامها تظل جزئية ومليئة بالتحديات، ولا توفر حلولا حاسمة طويلة الأمد".

وفي المحصلة، قال غوزانسكي: "إذا ما عُدّ أن الحرب قد انتهت فعلا، فإنها تفرز واقعا إستراتيجيا جديدا ومقلقا بالنسبة للمعسكر الموالي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط".

وأردف: "فقد بقي النظام الإيراني قائما، بل ويمكنه الادعاء بتحقيق مكاسب إستراتيجية، فيما ثبتت أدوات الضغط التي يمتلكها، وربما تعززت دوافعه النووية".

في المقابل، يرى أن "الولايات المتحدة تبدو وكأنها دخلت الحرب خلافا لنصائح حلفائها في الخليج، من دون أن تحقق حسما، ما يثير الشكوك حول استعدادها لخوض مواجهة مماثلة مستقبلا".

وفي ظل هذا الواقع الجديد، يقدر المقال أن "دول الخليج قد تجد نفسها مضطرة للعودة إلى نهج مألوف، يقوم على محاولة حذرة لإعادة ضبط العلاقات مع إيران عبر سياسات التهدئة وتقليل المخاطر، ليس بدافع الثقة، بل انطلاقا من إدراك أن الجار الأقوى لا يزال يمثل تهديدا قائما، وربما متصاعدا".

نهاية التطبيع

في السياق ذاته، كتب المراسل البارز في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، إيتمار إيشنر، مقالا تناول مستقبل العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج بعد الحرب.

وقال: "تشير تقديرات مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى مطلعين على هذا الملف إلى أن نتائج الحرب مع إيران، أقله في الوقت الراهن، تضعف فرص التطبيع وبناء التحالفات بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية المعتدلة".

ورغم زعمه أن إسرائيل "كسبت بعض النقاط بإبداء حزمها في مواجهة (وحش) الجمهورية الإسلامية"، إلا أنه يرى أن دول الخليج "ستسعى في المرحلة الحالية إلى التقارب أكثر مع إيران ومع تركيا، ليس بدافع القناعة أو الود، بل بدافع الضرورة والاضطرار".

إلا أنه لفت إلى "حالة استثنائية في هذا المشهد؛ إذ إن التحالف الأمني وتطابق المصالح بين الإمارات وبين إسرائيل قد تعزز بشكل كبير خلال الحرب".

واستطرد: "وربما نشهد أيضا خلف الكواليس مزيدا من تعزيز العلاقات السرية مع إسرائيل، لكن في الظاهر يبدو أن مسار التطبيع تلقى ضربة واضحة".

وفي هذا السياق، صرح مسؤول إسرائيلي رفيع قائلا: "عندما تنظر إلى الفصل الختامي للحرب، تدرك لماذا لم تنضم دول الخليج إلى الهجمات في إيران، ولماذا استقبلت الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية بخنوع شبه تام".

وأردف: "لقد هرعوا خلف الكواليس إلى الأميركيين وتوسلوا إليهم ألا يتوقفوا حتى إسقاط النظام، لكنهم أظهروا الضعف أمام العالم، وهم يعلمون جيدا سبب ذلك".

وأضاف المسؤول الكبير: "لقد قدروا أن القصة لن تنتهي وأن الولايات المتحدة لن تنهي المهمة، مما سيتركهم في مواجهة جرح مفتوح".

واستطرد: "خشي الخليجيون من انتقام إيران إذا انضموا إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وافترضوا أن بقاءهم على الحياد قد يمنحهم فرصة للحصول على نوع من العفو والتسهيلات من الإيرانيين، لكنهم سيدفعون ثمن ذلك غاليا في مضيق هرمز".

وبحسب وصفه، "اضطرت الإمارات لدفع الثمن؛ إذ تبين أن اتحاد الإمارات السبع هو الأكثر عرضة للتهديد الإيراني".

“وفي المقابل، حافظت الدوحة على نوع من قنوات التواصل مع طهران، في حين استفادت البحرين من مظلة الحماية السعودية”. على حد قوله.

أما الرياض، فيرى أنها “اتجهت قبل الحرب نحو محور تركي-باكستاني-مصري، حتى مع وجود تأثيرات مقلقة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين”. على حد زعمه.

ويشير المسؤول الإسرائيلي إلى "صعوبة تجنب انتقاد سلوك دول الخليج أثناء الحرب، مؤكدا أن (النتيجة حتى الآن ليست جيدة، وستقلل من فرص التطبيع والتحالفات)".

وقال: "سيرغبون في التقارب أكثر مع إيران وسيسيرون مع الأتراك، لقد خرجنا من الخليج بأقل مما كنا عليه من قوة، باستثناء علاقتنا مع الإمارات".

"وفي إسرائيل، يُنظر بقلق أيضا إلى تداعيات نهاية الحرب على نطاق أوسع؛ إذ تأثرت دول شمال أفريقيا بالصراع وابتعدت عن تل أبيب وانحازت إلى  المحور التركي والإخوان المسلمين"، قال المقال.

وأردف: "يظهر هذا التأثير بوضوح في ليبيا والسودان والصومال وغيرها".