تعديلات الحكومة الجزائرية على قانون الأحزاب يثير انقسامات واسعة... ما الحكاية؟

"المشكلة لم تكن في عدد الأحزاب بل في تفريغها من المعنى"
وسط شكوك بخصوص خلفياته "التحكمية"، أحالت الحكومة الجزائرية قانون الأحزاب على البرلمان للمناقشة والمصادقة، والذي تقول إن أهدافه "إصلاحية بحتة".
فبعد مصادقة مجلس الوزراء على مشروع القانون في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، يُرتقب أن يأخذ النص مساره العادي في "المجلس الشعبي الوطني" (الغرفة الأولى للبرلمان) بالتعديل والمناقشة، قبل التصويت عليه.
ويثير النص تحفظات المعارضة بسبب القيود الصارمة التي يفرضها على التشكيلات السياسية، وفي مقدمتها إمكانية حل الحزب في حال غيابه عن موعدين انتخابيين متتاليين، بما يُسقط "حق المقاطعة" كخيار سياسي.
تغيير القيادة
ويُطرح "مشروع مراجعة القانون العضوي للأحزاب السياسية" (تسميته الرسمية) كآلية محورية لـ"تخليق” وترشيد الممارسة السياسية، مما يمثل تحولا جوهريا في كيفية إدارة التعددية الحزبية بالبلاد.
ومن خلال 96 مادة قانونية، ينسج المشروع شبكة إجرائية معقدة، تجعل استمرار الكيانات السياسية رهينة حزمة من الالتزامات الإدارية والمالية والانتخابية التي توصف بأنها غير مسبوقة من حيث حدَّتها وصرامتها.
ويستند النص في مضمونه إلى تقليص الخريطة الحزبية، عبر وضع معايير قاسية للانتشار والتمثيل؛ ذلك أن اشتراط الحضور في نصف ولايات البلاد (عددها 69 ولاية)، وتجنيد 600 مندوب في المؤتمر، وتوثيق مئات المنخرطين في كل دائرة إدارية، أمر صعب.
ويضبط القانون بالتفصيل آليات اختيار الهيئات القيادية وعهداتها، مع التمسك بتحديد عهدة رئاسة الحزب أو الأمين العام بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، دون بقية الهياكل القيادية.
كما يمنع تأسيس حزب أو المشاركة في تأسيسه أو في هيئاته المسيرة أو الانخراط فيه، على كل شخص مسؤول عن “استغلال ثوابت الأمة التي أفضت إلى المأساة الوطنية، وأي شخص مسؤول عن استغلال الدين أو الهوية أو اللغة أو ينتمي إلى أشخاص وكيانات مسجلين في القائمة الوطنية للإرهاب”.
ويقترح مشروع هذا النص جملة من التعديلات على النص الساري المفعول والمتعلقة أساسا بالمحاور الآتية: رقمنة تسيير الأحزاب عبر إنشاء منصة رقمية لدى وزارة الداخلية بقصد تسهيل إجراءات التأسيس والاعتماد، وإضفاء المزيد من الشفافية في إدارة ملفات الأحزاب، وضمان معاملة منصفة تجاه كل الأحزاب.
ومن المواد المثيرة للنقاش بـ"مشروع مراجعة القانون العضوي للأحزاب السياسية"، ما جاء في المادة 42 المتعلقة بتجديد قيادة الأحزاب لأكثر من عهدتين في الهيكل القيادي للحزب.
وورد في المادة "ينتخب مسؤول الحزب لعهدة مدتها خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة"، ما يعني أن كل القيادات التي تجاوزت فترة قيادتها للأحزاب عشر سنوات، ستكون معنية إلزاميا بمغادرة مناصبها.
ويأتي في المقام الأول الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون، التي تترأس الحزب منذ نهاية التسعينيات، لكنها مازالت تحتفظ بثقل سياسي لافت في الساحة الجزائرية.
كما سيكون رئيس جبهة العدالة والتنمية (إسلامي) عبد الله جاب الله، ثاني رئيس حزب معني بالتنحي قانونا من قيادة الجبهة التي يترأسها منذ اعتمادها عام 2012، بعدما قاد منذ بداية التسعينيات، حزبين آخرين أسسهما وهما حركة النهضة ثم حركة الإصلاح.
أيضا حزب صوت الشعب الذي يحوز ثلاثة مقاعد في البرلمان، معني مستقبلا بتغيير قيادته، حيث يترأسه لمين عصماني منذ تأسيسه عام 2012.
إضافة إلى أحزاب أخرى ضعيفة التمثيل مثل حزب الحكم الراشد بقيادة عيسى بلهادي، والجبهة الوطنية الجزائرية بقيادة موسى تواتي، وحركة النهضة التي يقودها محمد دويبي، وحركة الوفاق الوطني وعهد 54 وغيرها.
هذه الأحزاب يتوقع أن تخفق بسبب ضعفها التمثيلي في العودة إلى الساحة السياسية بعد بدء تطبيق القانون الجديد، حيث يعطي الأخير، في حال التصويت عليه من قبل البرلمان بصيغته الحالية، مهلة ستة أشهر لهذه الأحزاب لإجراء التعديلات الهيكلية والتنظيمية المطلوبة، ابتداء من تاريخ نشر هذا القانون.

إشكالات متعددة
توقف محللون ومنابر إعلامية عند الإشكالات التي يطرحها المشروع، وخاصة على مستوى التضييق على تأسيس الأحزاب، أو خدمة النص للأحزاب الكبيرة الداعمة لسلطة الرئيس عبد المجيد تبون.
وفي هذا الصدد، قال موقع "أوراس" المحلي في تحليل نشره في 10 يناير/ كانون الثاني 2026، إنه ورغم تأكيده على حق الجزائريين في التعددية الحزبية، إلا أن المشروع يثير مخاوف واسعة داخل الأوساط السياسية.
وأوضح الموقع أن “النص يخلق انطباعا بأنه يمنح الإدارة أدوات قانونية قوية لإحكام السيطرة على الساحة الحزبية”.
وأردف "وذلك بما قد يحوّل التعددية إلى مجرد هياكل مسجلة لدى وزارة الداخلية، دون قدرة فعلية على إنتاج بدائل سياسية أو التداول على السلطة".
بدوره، قال الأستاذ الجامعي جمال ضو، إن "ما تتعرض له الحياة الحزبية في الجزائر من استهداف، يجعل الأنفع للبلاد بوضعها السياسي الحالي وسلطة أمر الواقع، هو إلغاء الأحزاب كلية".
وأضاف ضو في تدوينة عبر “فيسبوك” في 7 يناير، "فلا توجد عمليا حياة حزبية في الجزائر أو حياة سياسية، ونكتفي بانتخابات رئاسية كل خمس سنوات، ويعين الرئيس هيئة تشريعية يختارها مكونة من 100 أو حتى أقل، يكون دورها استشاريا وتقنيا لسياسات الرئيس".
واسترسل: "هكذا تُوفر الدولة أموالا طائلة.. ولا أعتقد أن الوضع عمليا سيكون مختلفا من ناحية الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. بل قد يكون أحسن من الوضع الحالي (على الأقل أوفر للخزينة)".
وأردف الأستاذ بجامعة الوادي قائلا: "ولا أعتقد أن الشعب في عمومه سيعترض، بل أغلبه لن يهتم كثيرا، لأنه لن يلحظ الفرق"، وفق تعبيره.
من جانبه، ربط الأكاديمي الجزائري عبد الله هوادف ما يجري من تعديل على قانون الأحزاب بانتخابات 2026، وما تشهده أيضا من تعديل على قانونها المنظم.
وقال هوادف في تدوينة عبر "فيسبوك" في 30 ديسمبر، إنه "يتم تعديل قانون الانتخابات في الجزائر، بشكل كلي أو جزئي، بمعدل مرة واحدة كل خمس سنوات تقريبا، ويكون ذلك عادة بمناسبة كل انتخابات تشريعية ومحلية، 1989، 1990، 1991، 1997، 2007، 2012، 2016، 2021، 2026".
واسترسل: "وقريب من ذلك، ينال التعديل قانون الأحزاب بشكل دوري (بمعدل مرة كل عشر سنوات تقريبا)"، موضحا أن “هذا النمط يتسق مع التعديلات المتكررة للدستور، والتي تحدث بمعدل مرة كل ست سنوات منذ 1989”.
وأردف، "نظريا، تبدو السلطة محصنة جيدا ضد أي سيناريو يصل بقوة سياسية واحدة، أو تحالف قوى سياسية معارضة، إلى الحكم، إذ إن الترتيبات التشريعية المتلاحقة أغلقت الباب بإحكام أمام أي مفاجآت غير مرغوبة".
واستدرك هوادف: "ومع ذلك، يلجأ صناع القرار إلى المزيد من الضبط والتحوط، وكأنهم لا يثقون في كل المصدات القانونية القائمة، أو يخشون أن تنهار احتياطاتهم أمام رياح لم يستشرفوا جيدا اتجاهها وقوتها".
أصوات مؤيدة
مقابل هذه الملاحظات، رأى موقع “الجزائر اليوم” أن نص المشروع على إمكانية حل الحزب السياسي قضائيا في حال عدم تقديمه مرشحين لاثنين من المواعيد الانتخابية المتتالية على الأقل، يمثل “خطوة تعكس رغبة السلطات في ربط الوجود القانوني للأحزاب بمدى نشاطها السياسي الحقيقي”.
ويهدف هذا الإجراء، وفق تحليل نشره الموقع في 6 يناير 2026، إلى "إنهاء ظاهرة (الأحزاب الورقية) التي تكتفي بالوجود الشكلي دون ممارسة دورها الدستوري في تأطير المواطنين والمشاركة في التداول الديمقراطي على السلطة".
وذكر أن "مشروع هذا القانون العضوي يرسم ملامح مرحلة جديدة في الحياة الحزبية بالجزائر، قوامها الشفافية، والانضباط القانوني، والممارسة السياسية المسؤولة، مع تحميل الأحزاب والمنتخبين مسؤوليات واضحة تجاه الناخبين والدولة".
بدوره، قال الكاتب الصحفي جمال فنينيش، في تحليل نشره موقع "إلترا الجزائر" في 6 يناير، إن الإصلاح الجديد يفرض قواعد نزاهة صارمة، مستندة إلى قانون مكافحة الفساد، تشمل الرقابة على تمويل الأحزاب وإدارة مواردها، بهدف تكريس مبدأ الشفافية ومحاربة كل أشكال الفساد في الحياة السياسية.
وفيما يخص التمويلات، نوه الموقع بما نصت عليه المادة 92 من إقرارها بـ"عقوبة رادعة لمواجهة التدخلات الخارجية"، حيث قضت بالحبس من خمس سنوات إلى عشر سنوات وبغرامة مالية لكل مسؤول حزبي يتلقى تمويلا أو دعما من مصدر أجنبي بصفة مباشرة أو غير مباشرة.
ورأى أن المشروع "يندرج وفق منظور الحكومة في إطار تنفيذ التزامات الدولة الرامية إلى أخلقة الحياة السياسية وإحداث قطيعة فعلية مع الممارسات السابقة التي شابت تسيير الفضاء الحزبي".
واسترسل: "كما يروم الارتقاء بالأداء السياسي من خلال تكريس مبادئ الحوكمة والشفافية، وتحويل الأحزاب من مجرد تنظيمات ظرفية إلى مؤسسات دستورية فاعلة تساهم في ترقية الديمقراطية التشاركية".
وأردف، كما أن النص لا يربط الأحزاب بالحق في التأسيس كشكل إجرائي، بل يربطه بالقدرة اللوجستية على تأطير المواطنين، بما ينعي تجاوز نمط "الأحزاب المجهرية".
وخلص الموقع إلى أن "هذا المسعى يهدف إلى بناء خارطة سياسية تتشكل من كيانات قوية تملك القاعدة الشعبية والامتداد الوطني اللازمين للمساهمة في بناء المؤسسات، مما يضع حدا لتشتيت الجهد السياسي وحالة الترهل التنظيمي".
![]()
مسار وملاحظات
في قراءتها لهذا المشروع ومسار تقديمه، قالت الباحثة في الشأن السياسي، نسرين جعفر، إن بداية التفكير في تعديل القانون كانت عبر سلسلة مشاورات عقدتها رئاسة الجمهورية من خلال مستشار الرئيس تبون.
وأضافت جعفر لـ"الاستقلال"، أن تلك المشاورات شملت الاستحقاقات الانتخابية المحلية والتشريعية المنتظر إجراؤها في الثلث الثاني من 2026، وكذا القوانين الناظمة لها، وكذا قانون الأحزاب، وهو قانون مهم جدا.
وأوضحت الباحثة الجزائرية أنه “منذ وصول تبون إلى الرئاسة عام 2019، كانت هناك محاولات لتعديل قانون الأحزاب، وتم أيضا تسريب العديد من المسودات بخصوصه، وصولا إلى إرسال الرئاسة لوثيقة أولية للمشروع مع بداية 2025، تتضمن أهم ما سيتم تعديله في القانون”.
ولفتت إلى أن “الأحزاب أرسلت مقترحاتها وتعديلاتها على الوثيقة، لكن يبدو أن رئاسة الجمهورية غير راضية عن التفاعل الحزبي مع القانون”.
ومع ذلك، تضيف جعفر، أن “المشاورات هي نقطة إيجابية لاستطلاع رأي الأحزاب في القانون الذي ينظم وجودها، لكن هذه الإيجابية المتحدث عنها مشروطة بأخذ ملاحظاتها بعين الاعتبار”.
وأشارت إلى أن المشروع جاء بتعديلات جذرية لقانون ينظم الحياة السياسية للأحزاب، علما أن آخر تعديل عليه كان عام 2012، حيث حسم المشروع الحالي مدة ولاية رئاسة الأحزاب في ولايتين فقط.
وذكرت جعفر أن "هذا المقترح خلق حالة انقسام لدى الطبقة السياسية بالبلاد، بين من يرى أنها ستُسهم في ضخ أسماء جديدة للقيادة الحزبية، وبين من يرى أن فيها ما يفيد بتدخل السلطة في الأحزاب ومحاولة التحكم فيها، وذلك من منطلق أن أعضاء الأحزاب أحرار في اختيار من يرأسهم".
واستطردت: “كما أثير النقاش بخصوص النقطة المتعلقة بمنع أن تكون هناك علاقة عضوية أو وظيفية بين الأحزاب والنقابات، لكونها مسألة خلافية، لكن أتصور أن السلطة ربما ستأخذ في الحسبان رأي الأحزاب في هذه القضية”.
وفي العموم، تضيف الباحثة السياسية، "تعاني الأحزاب في الجزائر من تراجع كبير في أدائها، لأسباب داخلية ترتبط بإطاراتها وطرق تسييرها والمواقف التي تتبانها".
وأردفت، وأيضا لأسباب أخرى تتعلق بالمناخ العام في الجزائر، وذلك ربما لأن هناك رغبة من السلطة في الرفع من مكانة المجتمع المدني على حساب الأحزاب.
من زاوية أخرى، يرى الناشط السياسي الجزائري جمال صوالحي، أن إشكال الأحزاب لا يكمن في القوانين، بل في الحياة السياسية الحالية التي يتم فيها حاليا إفراغ المجال العام من أهل الكفاءة، ودفع النخب إلى الهامش.
وأضاف صوالحي في تدوينة نشرها عبر حسابه على فيسبوك في 6 يناير، أن هذا الوضع أنهك المواطن ودفعه إلى العزوف، مما يؤكد أن المشكلة ليست في النصوص بل في من يحتكرها.
ويرى أن "السلطة تتصرف وكأن العطب في القانون، لا في من صادر السياسة وحوّلها إلى وظيفة بلا مشروع، ويتعامل وكأن تغيير المواد سيُعيد الثقة، بينما الواقع يقول إن القوانين لم تكن يوما عائقا أمام من يملك الإرادة، ولا ضمانة ضد من لا يملكها.
وأشار الصوالحي إلى أن "المشكلة لم تكن في عدد الأحزاب، بل في تفريغها من المعنى، وتحويلها إلى ديكور انتخابي يُستدعى عند الحاجة ويُركن بعد ذلك.
وشدد على أن “العزوف الشعبي والانتخابي لم يسقط من السماء، بل هو نتيجة طبيعية لسياسة تُدار بلا تمثيل حقيقي، وبرلمان يُستعمل كغرفة تسجيل، وأحزاب تُدجَّن أو تُقصى”.
وعليه، أكد الصوالحي أن “الجزائر لا تحتاج إلى قانون أحزاب جديد، بل تحتاج سياسة جديدة، قوامها أنها مجال مفتوح، وتمثيل حقيقي للناس، ومواطن فاعل لا شاهد زور، وبغير هذا، سنظل نغيّر القوانين ونحصد العزوف".
















