التوتر بين إيران وباكستان والمتمردين البلوش.. هكذا توظفه إسرائيل لصالحها

"عندما يصبح البلوش أمة مستقلة، لن نسمح أبدا لأراضينا أن تُستخدم كقناة لعدوان ضد إسرائيل"
بصورة لافتة، يصعد جيش تحرير بلوشستان، المصنف كمنظمة إرهابية من قبل عدة دول، من عملياته خلال السنوات الأخيرة، مستهدفا باكستان وإيران ومصالح صينية في المنطقة.
وذكرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أن أحدث هجماته تمثلت في اختطاف قطار "جعفر إكسبريس" في منطقة بولان، ما أدى إلى مواجهة دامية مع الجيش الباكستاني.
وجاء هذا التصعيد في ظل اتهامات متبادلة بين باكستان والهند بشأن دعم الجماعات المسلحة، إضافة إلى التوترات مع إيران التي شهدت عمليات عسكرية متبادلة بسبب النشاط البلوشي.
وفي سياق أوسع، تتابع قوى إقليمية ودولية تطورات الصراع؛ حيث يُنظر إلى التنظيم على أنه تهديد إستراتيجي متزايد، خاصة مع تضاعف هجماته منذ عام 2021.
الأول من نوعه
تستهل الصحيفة الإسرائيلية تقريرها بوصف الحادث الأخير بأن "الجيش الباكستاني أنقذ في 12 مارس/ آذار 2025، ركاب القطار الذي اختطفه جيش تحرير بلوشستان بعد سيطرته عليه في منطقة بولان، جنوب غرب البلاد".
وبحسب ما أعلنه المتحدث العسكري، فإن جميع الخاطفين الـ 33 الذين كانوا على متن القطار قُتلوا.
ونقلا عن مصادر تابعة للجيش، تذكر الصحيفة أن الاشتباك أسفر عن مقتل 21 رهينة وأربعة جنود أمنيين، بينما زعم تنظيم جيش تحرير بلوشستان أن 50 رهينة قد أُعدموا".
وفي المقابل، صرح جيش تحرير بلوشستان أن "المتحدث العسكري الباكستاني كذب بشأن إنهاء حادثة اختطاف قطار "جعفر إكسبريس، مؤكدا أن القتال لا يزال مستمرا، وأنه لا يزال يحتجز رهائن.
وفي هذا الإطار، تلفت الصحيفة إلى أن هذه العملية تُعد أول عملية اختطاف بهذا الحجم ينفذها التنظيم، وهي جزء من تصعيد الصراع الذي تفاقم بشكل كبير منذ عام 2004.
وبالحديث عن تفاصيل الحادثة، يُذكر أنه أُبلغ عن تعرض قطار الركاب "جعفر إكسبريس" للهجوم أثناء رحلته من كويتا -عاصمة إقليم بلوشستان- إلى بيشاور، بعد أن فجّر المتمردون قضبان السكك الحديدية.
وبحسب المتمردين، فقد اُحتجز 214 رهينة، في حين أفادت مصادر أمنية بأن القطار كان يقل 425 راكبا، بينهم 80 عسكريا.
وكما توضح الصحيفة، فإن الخاطفين هددوا بإعدام الرهائن خلال 48 ساعة ما لم يُفرج عن معتقلي التنظيم.
وفي اجتماع مع أعضاء البرلمان وكبار ضباط الجيش خلال إحاطة أمنية في كويتا، صرح رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، قائلا إنه "لم يحدث من قبل أي حادث كهذا في تاريخ باكستان".
ومن جانبه، زعم التنظيم أن الأشخاص الذين ادعت باكستان أنها "أنقذتهم" كان قد أُطلق سراحهم بالفعل من قبل المتمردين.
وقال المتحدث باسم جيش تحرير بلوشستان، جاي أند بلوش: "الآن، بعدما تخلت الدولة عن رهائنها، فإنها تتحمل أيضا المسؤولية عن مقتلهم".

جذور التمرد البلوشي
وبالنظر إلى تاريخ التنظيم، تقول "معاريف" إن جيش تحرير بلوشستان أُنشئ لاستقلال إقليم بلوشستان، المنطقة الأكبر في باكستان والأقل كثافة سكانية في الوقت نفسه.
جدير بالذكر هنا أن النضال القومي البلوشي بدأ فور تأسيس باكستان عام 1947.
وبحسب الصحيفة، فإن البلوش، مجموعة عرقية منتشرة في باكستان وإيران وأفغانستان، يدعون أنهم يتعرضون للتمييز والقمع المستمر من قبل الدول الثلاث التي يقيمون فيها.
ورغم ثراء إقليم بلوشستان بالموارد الطبيعية مثل الغاز والنفط والمعادن، إلا أنه لا يزال الإقليم الأفقر في باكستان؛ حيث يسجل أدنى معدلات لمحو الأمية وأعلى معدلات وفيات الرضع في البلاد.
وفي هذا السياق، توضح الصحيفة أن النزاع الحالي اندلع عام 2004، وتصاعد مع اغتيال الزعيم البلوشي، نواف أكبر بوغتي، عام 2006.
كما أسهمت حالات الاختفاء لنشطاء بلوش على يد قوات الأمن الباكستانية في تأجيج الغضب داخل صفوف جيش تحرير بلوشستان.
ومن ناحية أخرى، تبرز الصحيفة الإسرائيلية أن أحد العوامل الرئيسة الأخرى التي دفعت إلى التمرد كان مشروع "ميناء جوادر"، الممول من الصين؛ حيث يدعي البلوش أن "المشروع نُفذ دون إشراكهم، وأن الأراضي بيعت بطرق غير قانونية، وأن المسؤولين الحكوميين استغلوا المشروع لتحقيق مكاسب شخصية على حسابهم".
وتسلط الصحيفة العبرية الضوء على أن جيش تحرير بلوشستان نفذ سلسلة من الهجمات في العقد الأخير، خاصة ضد أهداف صينية.
ففي 2018، هاجم التنظيم القنصلية الصينية في كراتشي، وفي 2020 استهدف مبنى البورصة في المدينة، الذي يمتلك جزءا منه اتحاد صيني.
وتضيف أنه في عام 2022، وقع هجوم صادم بشكل خاص عندما فجرت معلمة، تبلغ من العمر 30 عاما وأم لطفلين، نفسها في كراتشي، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة معلمين صينيين.
علاوة على ذلك، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، نفذ التنظيم هجوما قاتلا في محطة قطار كويتا، وفق ما ورد عن الصحيفة.
وبشكل عام، تخلص الصحيفة الإسرائيلية إلى أنه منذ عام 2021، حدث ارتفاع دراماتيكي في عدد الهجمات.
ووفقا للبيانات الرسمية التي نشرتها "نيويورك تايمز"، فقد تضاعف تقريبا عدد هجمات الإرهاب في بلوشستان في تلك السنة مقارنة بعام 2020.
وبالتأكيد على أن المجتمع الدولي في غالبيته يدين أعمال التنظيم، تشير الصحيفة الإسرائيلية إلى أن الولايات المتحدة وباكستان والعديد من الدول صنفت جيش تحرير بلوشستان كتنظيم إرهابي، مما ينعكس على تدفقاته المالية.
ومع ذلك، يُشتبه في أن الجالية البلوشية في أوروبا وأميركا الشمالية تمول التنظيم عبر شبكات مالية بديلة تتجاوز محاولات منع تحويل الأموال إلى جيش تحرير بلوشستان.
كما أن هناك قلقا بين الدول من تحويل الأموال إلى التنظيم؛ حيث تتهم باكستان الهند بدعم التنظيم سرا، بحسب الصحيفة.
وفي هذا الصدد، قالت كريستين فير، محللة في جامعة "جورجتاون الأميركية"، لصحيفة "الغارديان": "سيكون من الخطأ تجاهل الطريقة التي ترى بها باكستان ما يحدث في منطقتها، خاصة أن مسؤولين هنود اعترفوا في محادثات خاصة أنهم يرسلون أموالا إلى بلوشستان".
ومن جهة أخرى، توضح الصحيفة أن إيران التي يعيش فيها أيضا أقلية بلوشية، تواجه تمردات مشابهة.
وبهذا الشأن، قالت كريستين فير: "إيران، التي يعيش فيها أقلية بلوشية، تكافح أيضا في مواجهتها مع تمردات مشابهة. ففي يناير/ كانون الثاني 2024، تبادل كل من إيران وباكستان الهجمات، بعد أن اتهمت كل منهما الأخرى بدعم نشط ومنح اللجوء لجماعات المتمردين البلوشية التي تعمل ضدها".
وبالعودة إلى ردود الفعل الدولية، تذكر "معاريف أنه في سبتمبر/ أيلول 2024، عبر كل من الصين وإيران وباكستان وروسيا، في بيان مشترك، عن قلقهم العميق بشأن الجماعات الإرهابية التي تعمل في أفغانستان، مع الإشارة بشكل صريح إلى جيش تحرير بلوشستان.

تهديد إستراتيجي
مشبها حجم تهديده بحجم تهديد طالبان باكستان، تشير الصحيفة إلى أن معهد "باكستان لدراسات السلام" شدد، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، على أن تنظيم جيش تحرير بلوشستان يشكل تهديدا كبيرا للبلاد.
لافتا إلى أن التنظيم نفذ 12 هجوما فقط في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، مما أسفر عن مقتل 45 شخصا، وهو أكثر من ضحايا هجمات طالبان في نفس الشهر.
ويشرح سبيدر سيال، الباحث والمحلل في معهد "باكستان لدراسات السلام"، في مقابلة مع وكالة "أسوشيتد برس"، أن التنظيم يتحسن ويتبنى تكتيكات طالبان.
وقال سيال: "إن التنظيم ليس نفسه الذي كان قبل أربع أو خمس سنوات، إنهم ينفذون هجمات تكتيكية. الأهداف والتكتيكات تغيرت، وسيكون من الصعب على الحكومة التعامل مع التهديد الذي تطور".
وفي النهاية، تسلط "معاريف" الضوء على أن النضال البلوشي ذو صلة بإسرائيل بشكل رئيس في سياق الصراع مع إيران؛ إذ إن التوترات بين إيران وباكستان حول بلوشستان تضغط على النظام الإيراني، مما قد يخدم المصالح الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، تبرز الصحيفة أن هيبريار ماري، الزعيم البلوشي البارز المقيم في لندن، أعرب عن رأيه الإيجابي تجاه إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 2024.
وفي مقال نشره معهد دراسات الإعلام في الشرق الأوسط "MEMRI"، كتب ماري: "عندما يصبح البلوش أمة مستقلة، لن نسمح أبدا لأراضينا ومواردنا أن تُستخدم كقناة لعدوان ضد دول أخرى، بما في ذلك إسرائيل".
وأضاف ماري أن “إيران تستخدم موانئ بلوشستان لنقل الأسلحة إلى الحوثيين في اليمن”. مشيرا إلى أن "البلوش والأكراد والعرب كانوا من أوائل ضحايا إيران".
وفي تلميحه إلى تعاون محتمل في المستقبل مع الدولة اليهودية، قال ماري: "إسرائيل، بخبرتها في الزراعة الدقيقة وتحلية مياه البحر، يمكن أن تساعد في تحويل بيئة جافة مثل بلوشستان إلى بيئة مزدهرة".
وعلى الصعيد الإستراتيجي، تعكس الصحيفة أن بلوشستان تقع على طول مضيق هرمز، الذي يربط بين خليج عمان في المحيط الهندي والخليج الفارسي.
كما يشكل طريقا حيويا تعبر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية.
ونتيجة لذلك، تنوه الصحيفة إلى أن الاضطرابات في هذه المنطقة قد تؤثر على اقتصاد الشرق الأوسط بأسره، بما في ذلك إسرائيل.
علاوة على ذلك، من منظور الصفائح التكتونية للشرق الأوسط، تقول الصحيفة: إن "الصراع البلوشي يكشف عن تعقيد الجغرافيا السياسية في المنطقة؛ حيث تُستخدم النزاعات العرقية والدينية في صراعات القوة بين القوى الإقليمية".
وتختتم "معاريف" تقريرها بالتأكيد على أن "إسرائيل، كلاعب رئيس في المنطقة، تتابع هذه التطورات كجزء من تصورها الواسع للأمن القومي".