الاقتصاد غير الرسمي يتهاوى في لبنان مع رحيل اللاجئين السوريين.. كيف؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

"طوال العقد الأخير، تعرض السوريون للتمييز، واستُخدموا ككبش فداء لكل المشكلات التي عانى منها لبنان طوال تلك السنوات. لكن اليوم بات أولئك الذين تنكروا لهم يخشون رحيلهم".. هكذا وصف موقع أميركي مشهد مغادرة السوريين المتواصلة لبنان.

وقال موقع "ذا ميديا لاين"، في تقرير له: إن "الاقتصاد غير الرسمي في لبنان مُعرّض للخطر مع عودة السوريين إلى بلادهم".

مئات الآلاف يعودون

ونقل الموقع عن سوريّ مقيم لبنان يُدعى أحمد قائلا: "إنه الشخص الذي يُلجأ إليه في كل شيء. لاجئ يقترب من الثلاثين، يعرفه جميع السكان في عشرات المباني في منطقة الجعيتاوي، أحد أحياء بيروت الراقية".

ورغم أنه لا يقيم في أي من هذه البنايات، يتولى أحمد دور المشرف عليها؛ فيجمع الاشتراكات الشهرية للمولد الخاص الذي يزودهم بالكهرباء، ويساعد في نقل الأثاث من شقة إلى أخرى، ويحمل أسطوانات الغاز إلى الطوابق العليا.

كما يمتلك شبكة من الأصدقاء والمعارف يسند إليهم أعمال السباكة التي لا يستطيع إنجازها بنفسه، وهي في الواقع نادرة جدا.

لكن تلك الشبكة تتضاءل، فعندما يتصل أحمد بأحدهم، يرد عليه، لا بأنه سيصل خلال عشر دقائق كما هو معتاد، بل برسالة واحدة: "لقد عدت لسوريا".

ومع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، عاد مئات الآلاف من السوريين إلى ديارهم، أو بالأحرى ما تبقى منها.

حيث رجع أكثر من مليون لاجئ في عام 2025 إلى سوريا الجديدة، من بينهم 332 ألفا من لبنان، من أصل أكثر من 722 ألفا مسجلين رسميا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وكان العديد من السوريين، ولا يزالون، يقيمون في لبنان بصورة غير قانونية، لذا فإن عودتهم أو استمرار وجودهم غير مُدرج في هذه الإحصائيات.

وقال الموقع: "عانى الشعب السوري من التمييز والإقصاء طوال العقد الماضي، ليُتخذ كبش فداء لكل المشاكل التي عانى منها لبنان في السنوات الأخيرة".

وقد تعددت هذه المشاكل، منها إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم منذ القرن التاسع عشر، وواحدة من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، وحرب خلّفت آلاف القتلى ودمرت عشرات القرى، وقائمة طويلة من المصاعب الأخرى.

لكن المفارقة اليوم أن من رفضوهم في السابق باتوا يخشون رحيلهم؛ إذ يتزايد القلق من أن يكون السوق اللبناني هو الخاسر الأكبر مع عودة السوريين إلى بلادهم.

وتقول ماريا نعيم، وهي ناشطة حقوقية لبنانية، في حديثها للموقع: "يشكو اللبنانيون من أن السوريين يأخذون وظائفهم، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون العمل في المهن التي يقبل بها السوريون".

وتضيف أن هذه الشواغر الوظيفية لا يجد من يملأها؛ لأنها تتطلب جهدا بدنيا أكبر مقابل أجور أقل.

وتابعت: "يُعدّ قطاعا البناء والزراعة من أكثر القطاعات تضررا من عودة اللاجئين، إذ إن معظم العاملين فيهما موسميا هم سوريون". علاوة على ذلك، يعمل أكثر من 90 بالمئة من السوريين في لبنان في القطاع غير الرسمي، ما يتركهم دون حماية أو مزايا كافية.

وتساءل الموقع: "ومَن غير الفئات الأشد هشاشة وهامشية ويأسا سيقبل بمثل ظروف العمل القاسية هذه؟"

"فالسوريون العاملون في قطاعي البناء والزراعة، إلى جانب قطاع الخدمات، يقبلون بأجور أقل وساعات عمل أطول من دون أي ضمانات اجتماعية. وحتى قبل اندلاع الحرب السورية، كانوا يعملون في هذه القطاعات على أساس موسمي".

وتابع: "يردّ أحمد على الهاتف في أي ساعة، حتى أيام الأحد. ويعرف أن كل خدمة يقدّمها لأحد الجيران غالبا ما تقترن بـ "بقشيش"، وأن هذه المبالغ الصغيرة كفيلة بتغيير يومه ويوم أسرته".

وقال للموقع: "زوجتي وابني موجودان بالفعل في سوريا. سأذهب لأرى الوضع، سأبقى هناك أسبوعين لأطمئن على الأوضاع، لكنني مرتاح هنا، لا أريد المغادرة".

وأوضح: "في لبنان، لا يستطيع أحمد تحقيق تقدم كبير؛ إذ تقيّد جنسيته نوعية الوظائف المتاحة له. فالزراعة والصناعة والبناء والأشغال العامة والمطاعم والتنظيف وخدمات التوصيل وصيانة المباني هي القطاعات التي يتركز فيها السوريون؛ حيث يحضرون في كل مكان ويؤدون أدوارا لا غنى عنها".

نزيف اقتصادي

وتقول نعيم: "مع بدء مغادرتهم، تتشكل فجوة في سوق العمل تؤثر مباشرة في إنتاجية هذه القطاعات، وتكشف بوضوح مدى اعتمادها عليهم".

وعبّر بعض مديري شركات الأشغال العامة والصيانة عن خطورة الوضع، إلى حد أنهم ساعدوا عمالا سوريين على تسوية أوضاعهم القانونية، بسبب الصعوبة المتزايدة في العثور على عمال يقبلون العمل في الظروف القاسية نفسها.

غير أن آخرين، مثل نعيم، يحاولون النظر إلى الأمر بوصفه فرصة، قائلة: "هذه الفجوة في سوق العمل سيئة لأنها تؤثر على الإنتاجية، وعلى السوق أن يتكيف، لكنها قد تكون إيجابية لشرائح أخرى، مثل بعض العمالة الوافدة أو حتى المراهقين، ممن يرغبون في العمل في المطاعم".

وبحسب التقرير، يبدو أن الحكومة اللبنانية الحالية تتبنى هذا التوجه أيضا؛ إذ تقدم حوافز لتشجيع السوريين على المغادرة، من بينها إلغاء رسوم الخروج وشطب الغرامات المفروضة على تجاوز مدة الإقامة.

وكانت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، حنين السيد، قد قالت إن الهدف يتمثل في تسجيل مغادرة "نصف مليون سوري بحلول نهاية" عام 2025.

وفي السياق نفسه، تسهم وكالات الأمم المتحدة، وعلى رأسها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، في تسهيل العودة من خلال تقديم دعم قانوني وخدمات نفسية واجتماعية وبرامج معيشية، تشمل منح 100 دولار لكل فرد عند المغادرة، و600 دولار لكل أسرة عند وصولها إلى سوريا.

لكن هذا المبلغ الضئيل سرعان ما يتلاشى بمجرد عبور الحدود. حيث قالت نعيم: "عند عودتهم إلى سوريا، يواجهون أوضاعا اقتصادية بالغة الصعوبة، في ظل محدودية فرص العمل، وضعف فرص التعليم، بل واندلاع اشتباكات مسلحة محلية في بعض المناطق".

وتضيف: "كثيرون يعانون بعد العودة من غياب السكن اللائق، إما لأن منازلهم لم تعد قائمة، أو لأن آخرين استولوا عليها، فيما تبقى الفرص الاقتصادية غير كافية لإعالة أسرهم إذا استقروا جميعا داخل سوريا".

وقال مصدرٌ في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للموقع الأميركي: "داخل سوريا، يواجه العائدون ظروفا معيشية مزرية؛ إذ لا تزال الأزمة الإنسانية قائمة رغم التحسن الكبير في الوضع السياسي والأمني".

وتابع المصدر: "دخلت الأزمة الإنسانية عامها الرابع عشر، لتصبح واحدة من أكبر الأزمات في العالم، تاركةً 16.7 مليون شخص، أي ما يقارب 90 بالمئة من السكان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية".

ولهذا السبب أرسل أحمد زوجته وابنه إلى سوريا. فبالنسبة له، من الضروري البقاء في لبنان والاحتفاظ بعمله كي يتمكن من إرسال بعض المال إليهما. كما لا يستبعد احتمال عودتهما مجددا إلى لبنان.

“خيار لا يشمل الجميع”

من ناحية أخرى، تقول نعيم: "هناك سوريون يعودون إلى لبنان؛ لأنهم، رغم رغبتهم في الاستقرار في بلدهم، لا يرون ذلك خيارا عمليا في ظل استمرار الصراعات، وتدهور الأوضاع المالية، وصعوبة العثور على فرص عمل".

وأضافت: "دُمّرت أجزاء كبيرة من البلاد، لذا يعود الكثيرون إلى لا شيء ويضطرون للبدء من الصفر، ما يُولّد ضغطا هائلا عليهم".

ويعيش ربع السوريين في فقر مدقع، بينما يكافح ثلثاهم لتأمين قوتهم تحت خط الفقر المتوسط ​​الأدنى؛ فقد دمّرت أربعة عشر عاما من الحرب أراضي سوريا واقتصادها.

وقال مصدرٌ في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين: "لا يزال العديد من اللاجئين مترددين في العودة بسبب الظروف غير المستقرة على المدى القريب والبعيد في سوريا، بما يشمل الأوضاع الأمنية، وإمكانية الوصول إلى التعليم وسبل العيش، والقضايا العالقة المتعلقة بالسكن والأراضي والملكية، إضافة إلى مدى توافر المساعدات الإنسانية عند العودة".

ورغم أن كثيرا من السوريين يرغبون في العودة لإعادة بناء بلدهم، فإن هذا الخيار لا يشمل الجميع. وفق ادعاء التقرير.

"وبالنسبة لأحمد، فإن مستقبله ما يزال مرتبطا بتلك الأبنية العشرة أو الاثني عشر في ذاك الحي العصري ببيروت".