لحماية نظامها من عواصف ترامب.. هذه خيارات إيران للحفاظ على برنامجها النووي

يوسف العلي | منذ ١٦ يومًا

12

طباعة

مشاركة

أثار الشرط الأميركي المسبق للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي، تساؤلات ملحة عن مدى استجابة طهران، في ظل ضغط الولايات المتحدة على الجمهورية الإسلامية وحلفائها.

وتتبع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سياسة "الضغط الأقصى" لإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد للبرنامج النووي.

وخلال ولايته الأولى انسحب ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي السابق الذي وقعته طهران مع إدارة سلفه باراك أوباما، واليوم يضغط باتجاه اتفاق جديد بشروط متقدمة.

“شرط مسبق”

ويتعلق المطلب الأميركي الجديد بوقف إيران أنشطة الفصائل التابعة لها في المنطقة، وفق ما كشف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 12 مارس/آذار 2025.

وقال خلال مقابلة نُشرت على موقع وزارة الخارجية الروسية، إن موسكو تؤيد إطارا يؤدي إلى "تطوير الاتفاق النووي"، لكنه أعرب عن قلقه من إصرار الولايات المتحدة على فرض شروط سياسية، من بينها وقف دعم إيران لبعض الجماعات في العراق ولبنان وسوريا.

وعدّ لافروف هذه الشروط "مزعجة ومثيرة للقلق"، مؤكدا أن موسكو لا تزال ملتزمة بالحفاظ على الاتفاق النووي الحالي (السابق) وتنفيذه.

ويأتي ذلك في الوقت الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة الأميركية عن اتفاق نووي جديد، تكون شروطه مشددة عن السابق.

ورغم أن إيران لم ترد بشكل رسمي على الشرط الأميركي، فقد حذر قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، من "خداع" واشنطن بقضية التفاوض مع طهران، مؤكدا أنه "يجب استخلاص الدروس من تجربة الاتفاق النووي المريرة حتى لا نضطر لتكرارها".

وأوضح سلامي خلال تصريحات نقلتها وكالة "إرنا" الرسمية في 15 مارس، أن "التفاوض تحت التهديد مستحيل بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية".

وأضاف: "المقاومة في وجه أي غطرسة تعد من المبادئ القرآنية والنظام الإسلامي، وبناء على إرشادات قائد الثورة الإسلامية (علي خامنئي)، فإن النصر الإلهي سيكون حليف هذا البلد بصمود شعبه".

ولفت إلى أنه "طوال السنوات الـ46 الماضية، وقف الشعب الإيراني اليقظ والواعي بحزم في وجه أي تهديد".

وذكّر قائد الحرس الثوري بإجراء الولايات المتحدة المتمثل بـ"تمزيق الاتفاق النووي" ولجوئها إلى حلول عنيفة وعدوانية مثل الضغوط السياسية والثقافية والحظر والتهديدات".

ووصف "أعداء إيران" بأنهم "قساة ولا منطق لديهم"، مضيفا: “إنهم لا يلتزمون، بأي حال من الأحوال، بالقيم الإنسانية”.

وتابع: "الشيء الوحيد الذي يؤمنون به هو القوة، وفي هذه الحرب المباشرة، لا يمكن إيقاف تحركاتهم إلا بالثبات والوحدة والتضامن".

ولفت اللواء سلامي إلى "سلوك" إسرائيل والولايات المتحدة في غزة ولبنان وسوريا واليمن والعراق وأفغانستان، متابعا: "لقد أظهر هؤلاء بوضوح أنهم ناكثون للعهود ولا يعترفون بأي التزام أو ميثاق، ومن الخطأ التحدث عن تفاوض مع هؤلاء الأعداء".

وكان المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي قال خلال تصريحات في 13 مارس: إن دعوة الولايات المتحدة للتفاوض ليست سوى خداع. موضحا أن التفاوض معها لن يحل أي مشكلة، ولن ترفع العقوبات.

وجاء ذلك على خلفية إرسال ترامب رسالة لإيران مع مسؤول كبير في الإمارات بشأن رغبته في التوصل لاتفاق يمنع طهران من تطوير برنامجها النووي.

وفي 6 مارس، قال ترامب: إنه حذر طهران في رسالة من أنها قد تواجه عملا عسكريا ما لم توافق على المحادثات بشأن اتفاق نووي.

"رضوخ محتمل"

وعن مدى إمكانية استجابة إيران للشرط الأميركي والتخلي عن دعم أذرعها في المنطقة، جزم الباحث في شؤون الشرق الأوسط، أياد ثابت، بأن "طهران ستوافق على كل ما تريد الولايات المتحدة في هذا الجانب، وذلك من أجل الحفاظ على نظامها".

وقال لـ"الاستقلال": إن "النظام الإيراني يقدّم مصلحته أولا قبل أي شيء، ويعد أذرعه في المنطقة خطوطا أمامية تدافع عنه، وبالتالي هو مستعد للتخلص منها في أي لحظة يشعر بأنها قد تسبب ضررا له، سواء كانت تنتمي إليه مذهبيا أم لا".

وأوضح ثابت أن “إيران تخلت عن حزب الله اللبناني، ولم تقف إلى جانبه في حربه مع إسرائيل، وهو يمثل درة محورها بالمنطقة”.

كما “تركت نظام بشار الأسد في سوريا وحيدا حتى سقوطه، ولم تقدم أي شيء لغزة التي بقيت تقاتل وحيدة ضد الاحتلال، واكتفت بالتصريحات”.

وأشار إلى أن "إيران ستتخلى عن الحوثيين في اليمن أمام الضربات الأميركية، خصوصا بعد تحذيرات ترامب لهم؛ لأن طهران تعد كل هذه الميادين والأذرع أوراقا للتفاوض مع الغرب، وبالتالي مستعدة أن ترميها في أي لحظة والرضوخ لأميركا مقابل بقاء نظامها".

وفي 15 مارس، طالب ترامب إيران بأن "توقف فورا" دعمها "للإرهابيين الحوثيين" في اليمن، وذلك بعدما أعلن شن ضربات "حاسمة" عليهم.

من جهته، قال الكاتب المصري خالد أبو بكر، إن “إيران لم تكن أضعف إقليميا مما هي عليه اليوم بعد الضربات المتتالية التي تلقتها أذرعها في المنطقة، من حزب الله الذي يواجه أزمة غير مسبوقة، إلى انهيار نفوذها في سوريا بعد سقوط الأسد، وصولا إلى ضعف مليشياتها بالعراق واليمن”.

وأضاف خلال مقال نشرته صحيفة "الشرق" القطرية في 11 مارس، أن “النظام الإيراني مثخن بالجراح، ويحتاج إلى هدنة إستراتيجية يلتقط فيها أنفاسه، ويعيد حساباته، ويمنع المزيد من التدهور”.

وأردف أن "اتفاقا نوويا جديدا قد يوفر له هذه الفرصة، ولو بشكل مؤقت، مما يسمح له بتثبيت مكاسب داخلية وإعادة بناء شبكة نفوذه الإقليمي".

وذكر أن “إيران ليست في موقع يسمح لها بالمقامرة؛ فالشعارات لن تنقذها والاقتصاد ينهار، وإسرائيل تتحين الفرصة، وروسيا تراقب لمصلحتها”.

وقد يبدو "رفض المفاوضات مع واشنطن استعراضا للقوة، لكنه في الواقع تعبير عن ضعف، ومحاولة لتأخير ما لا مفر منه"، وفق أبو بكر.

ورأى أن على إيران "إما العودة إلى المفاوضات، أو أن تجد نفسها أمام خيارات أسوأ، قد يكون أقلها ضررا مواجهة داخلية تهدد بقاء النظام".

وخلص الكاتب إلى أن "إيران ستفاوض في النهاية، ليس حبا بالتسوية، بل هربا من الانفجار، لأنه في السياسة، العناد له ثمن، وطهران تعرف ذلك جيدا".

من جهتها، رأت الكاتب اللبنانية أليسا الهاشم، أن طهران انتهجت منذ نهاية الحرب العراقية-الإيرانية عام 1988 سياسة التوسع غير المباشر، مدركةً أن المواجهة المباشرة مع خصومها لن تضمن بقاء النظام.

ولذلك، “ابتكرت إستراتيجية الدفاع المتقدم التي تهدف لدفع خطوط المواجهة بعيدا عن أراضيها وإقامة منظومة إقليمية تحميها من الداخل والخارج”.

وأضافت أن “هذه السياسة سمحت لها ببناء محور نفوذ يمتد من طهران إلى البحر المتوسط، مستثمرة في الصراعات الإقليمية، وداعمة لجماعات مسلحة مثل حزب الله في لبنان، والمليشيات العراقية، والجماعات الموالية لها في سوريا".

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الأذرع إلى أدوات أساسية لحماية مشروعها الجيوسياسي، والضغط على خصومها، وإدامة نفوذها العسكري والدبلوماسي، وفق قولها.

لكن اليوم، “تواجه طهران تحديات غير مسبوقة تهدد استمراريتها، فالتحولات الإقليمية، والانهيار الاقتصادي، والاحتجاجات الداخلية، والضغوط الدولية، كلها عوامل تدفع إيران إلى الانتقال من وضعية التوسع إلى مرحلة الدفاع عن النظام نفسه. فهل ما بنته خلال العقود الماضية بدأ في الانهيار؟”.

"مخرجان فقط"

ورسم ترامب مسارين اثنين في التعامل مع إيران؛ “إما عسكريا أو إبرام صفقة”، مؤكدا أنه يفضل الخيار الأخير “لأنني لا أسعى إلى إيذاء طهران”.

وأضاف ترامب خلال مقابلة مع قناة "فوكس بيزنس" الأميركية في 6 مارس 2025، قائلا: "أفضل التفاوض- لست متأكدا من أن الجميع يتفقون معي، لكن يمكننا إبرام صفقة ستكون جيدة تماما كما لو أنك انتصرت عسكريا".

وأشار إلى أن "أياما مثيرة في الطريق، هذا كل ما يمكنني قوله. أنتم تعلمون أننا في المراحل الأخيرة مع إيران"، من دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل.

وأكد الرئيس الأميركي، أنه "بعث رسالة إلى المرشد  خامنئي، يحث فيها بلاده على التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة".

وقال ترامب: “آمل أن تتفاوض إيران”- وقد كتبت لهم رسالة أقول فيها: "آمل أنكم ستتفاوضون"؛ لأنه إذا اضطررنا إلى التدخل العسكري فسيكون ذلك أمرا فظيعا بالنسبة لهم؛ لأنه لا يمكن السماح لهم بامتلاك السلاح النووي".

وفي 9 مارس، قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي برايان هيوز في بيان إن التعامل مع طهران سيكون "عسكريا أو عبر إبرام اتفاق"، وهي ذات العبارة التي أطلقها ترامب، مضيفا: "نأمل أن يضع النظام الإيراني شعبه ومصالحه فوق الإرهاب".

من جهته، أكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف بعد اجتماع بين مسؤولين روس وأميركيين في السعودية، أن روسيا عرضت المشاركة في المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران.

وذكرت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية في 4 مارس، أن روسيا وافقت على مساعدة إدارة ترامب في التواصل مع إيران بشأن قضايا مختلفة، منها برنامج طهران النووي ودعمها لوكلاء في المنطقة مناهضين للولايات المتحدة.

ونقلت عن بيسكوف قوله: "روسيا تعتقد أن على الولايات المتحدة وإيران حل قضاياهما المشتركة من خلال المفاوضات، موسكو مستعدة لبذل كل ما في وسعها للمساعدة في تحقيق ذلك".