كارين ميلو.. جاسوسة إسرائيلية تقمع طلاب جامعة كولومبيا المؤيدين لفلسطين

خالد كريزم | منذ ١٠ أيام

12

طباعة

مشاركة

كشفت عملية اعتقال الناشط الفلسطيني محمود خليل في الولايات المتحدة عن خلفية مثيرة للجدل لمسؤولة بارزة في جامعة كولومبيا، تبين أنها ضابطة استخبارات إسرائيلية سابقة.

وتعد كارين يارهي-ميلو عميدة كلية الشؤون الدولية والعامة، التي يدرس بها خليل إحدى الشخصيات البارزة في تصعيد الإجراءات التي أدت إلى اعتقاله وتهديده بالترحيل.

وفي 9 مارس/ آذار 2025، اعتقلت السلطات الأميركية خليل، الذي قاد احتجاجات تضامنية بجامعة كولومبيا عام 2024، تنديدا بالإبادة الجماعية التي ترتكبها تل أبيب بغزة.

وجاء اعتقال خليل (29 عاما) رغم حمله بطاقة إقامة دائمة (غرين كارد) بعد أن وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يناير/ كانون الثاني 2025، أمرا تنفيذيا يتعلق بـ"مكافحة معاداة السامية"، يتيح ترحيل الطلاب الذين يشاركون في مظاهرات داعمة لفلسطين.

جاسوسة إسرائيلية

كارين يارهي-ميلو التي كانت في قلب فضيحة الترحيل، نشأت في إسرائيل، وخدمت في جهاز استخبارات الجيش الإسرائيلي أثناء تأديتها الخدمة العسكرية الإلزامية، وفق بطاقة تعريفية لها على موقع جامعة كولومبيا. 

لعبت ميلو (46 عاما) دورا رئيسا في الترويج لمزاعم عن موجة غير مقبولة من معاداة السامية تجتاح الحرم الجامعي، مما مهد الطريق لحملة قمع واسعة النطاق على الحريات المدنية عقب الاحتجاجات.

وكانت جامعة كولومبيا مركزا لحركة احتجاجية ضخمة اجتاحت الجامعات الأميركية عام 2024.

ويُقدر أن 8 بالمئة من جميع طلاب الجامعات الأميركية شاركوا في مظاهرات ضد العدوان الإسرائيلي على غزة وتطالب المؤسسات الأكاديمية بسحب استثماراتها من إسرائيل.

 وجاء الرد الأمني بنفس الحجم، إذ جرى اعتقال أكثر من 3 آلاف متظاهر، بينهم أعضاء في هيئة التدريس، في حملة شاركت فيها ميلو.

وبدأت الحركة الاحتجاجية الوطنية بجامعة كولومبيا في 17 أبريل/نيسان 2024، عندما أُقيم مخيم تضامني متواضع مع غزة. 

وجرى اختطاف محمود خليل، وهو خريج حديث من كلية الشؤون الدولية والعامة (SIPA) بجامعة كولومبيا، من قبل إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، في عملية يعتقد تورط ميلو فيها.

وأكد موقع MintPress News أنه قبل دخولها عالم الأوساط الأكاديمية، خدمت يارهي-ميلو كضابطة ومحللة استخباراتية في الجيش الإسرائيلي. 

ونظرا لتحدثها اللغة العربية بطلاقة، فمن المحتمل أن وظيفتها تضمنت مراقبة السكان (والطلاب) العرب في الولايات المتحدة، وفق ذات المصدر.

بعد مغادرتها للعمل الاستخباراتي، عملت في البعثة الدائمة لإسرائيل لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

وهناك التقت بزوجها، المتحدث الرسمي باسم إسرائيل لدى الأمم المتحدة (لم يكشف الموقع عن اسمه) وتعيش اليوم معه ومع ابنيها في نيويورك.

وعلى الرغم من أنها أصبحت أكاديمية الآن، لكنها لم تغادر مجال الأمن الدولي، بل جعلت منه تخصصا لها. 

كما سعت لإبراز أصوات النساء في هذا المجال، بما في ذلك استضافتها لقاءً مع مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية السابقة أفريل هاينز عام 2023. 

ولكن رغم أن خليل كان طالبًا في كليتها، لم تدلِ ميلو بأي تصريح حول اعتقاله. وبدلا من ذلك، اختارت دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت لإلقاء خطاب في جامعة كولومبيا خلال مارس 2025.

وهو ما أثار غضب الطلاب الذين احتجوا على الحدث، حيث صرخ شخص في وجه ميلو ولاحقها عبر نقطة تفتيش أمنية إلى الحرم الجامعي وعلى طول ممشى الكلية، وقال لها إنها استضافت مجرم حرب الليلة الماضية.

وتابع الشخص لميلو في الفيديو: "يداك ملطختان بالدماء. كيف تشعرين؟" هناك أكثر من 140 ألف فلسطيني قُتلوا بسببكم".

وحرصت ميلو على إبقاء تلك الفعالية سرية حسب ما أظهرت نسخة من رسالة الدعوة الإلكترونية التي حصلت عليها مجلة "سبيكتاتور"، والتي تشدد على عدم إفشاء هوية الضيف وتفاصيل اللقاء.

وأدانت جامعة كولومبيا “مضايقة” ميلو في بيان رسمي وقالت إنه جرى "تحديد هوية الشخص المعني بسرعة، وبدأنا تحقيقا، وسنتخذ الإجراءات التأديبية المناسبة".

إسرائيل والتبرعات

ويعتمد جزء كبير من تمويل جامعة كولومبيا على تبرعات الحكومة وكذلك المليارديرات، والتي تأتي مشروطة بمتطلبات سياسية. 

فعلى سبيل المثال، أعلن ترامب قبل يوم واحد من اعتقال خليل، عن إلغاء حوالي 400 مليون دولار تُقدم كمنح فيدرالية لجامعة كولومبيا.

كما ظهر مدى ارتباط التبرعات بالموقف من إسرائيل بوضوح بعد الاحتجاجات، حيث طالب العديد من المتبرعين المؤيدين لتل أبيب باتخاذ إجراءات قمعية ضد الطلاب.

وأعلن رجل الأعمال روبرت كرافت، عن قطع تمويله لجامعة كولومبيا بسبب "فشلها" في قمع الاحتجاجات بشكل فعال. 

وحذا حذوه مدير صندوق التحوط السابق الملياردير ليون كوبرمان المعروف بمواقفه المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، مطالبا الجامعة بـ"السيطرة على هؤلاء الطلاب المجانين". 

وذهب إلى حد المطالبة بإقالة أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث الأردني جوزيف مسعد (61 عامًا)، بسبب آرائه حول الشرق الأوسط.

أما لين بلافاتنيك اليهودي الذي يعد ثاني أغنى رجل في بريطانيا، فقد دعا الشرطة إلى "محاسبة" المتظاهرين. 

وواجه بلافاتنيك سلسلة من الاحتجاجات في المملكة المتحدة بعد اتهام قناته التلفزيونية الإسرائيلية 13 بإلغاء برامج لإرضاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتبرع الثلاثة معا بحوالي 100 مليون دولار لجامعة كولومبيا، مما يمنحهم تأثيرا كبيرا على سياساتها، وفق موقع MintPress News.

كما برزت دعوات لقمع الحركة الاحتجاجية من داخل الجامعة نفسها، حيث وصف أستاذ إدارة الأعمال المساعد شاي دافيداي المحتجين بأنهم "نازيون" و"إرهابيون"، ودعا إلى نشر الحرس الوطني لقمعهم. وخدم هذا الأخير في الجيش الإسرائيلي وأعلن عن فخره بذلك.

ومن غير المرجح أن تغير كلية الشؤون الدولية والعامة موقفها المؤيد لإسرائيل خاصة بعد أن أعلنت في يناير عن تعيين جاكوب لو في هيئة التدريس. 

وكان جاكوب لو قد ترك أخيرا منصبه كسفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل في إدارة الرئيس السابق جو بايدن، حيث لعب دورا رئيسا في دعم الحرب الإسرائيلية على غزة، من خلال تزويدها بالأسلحة والدعم الدبلوماسي.

ويقول موقع MintPress News إنه “قد لا يكون مفاجئًا للبعض أن المسؤولين السابقين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يشغلون مناصب بارزة في المؤسسات الأميركية.

وجرى الكشف أخيرا عن شبكات ضخمة من الجواسيس الإسرائيليين السابقين الذين يعملون في شركات التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت وغوغل وميتا وأمازون. 

حتى تيك توك، الذي يُتهم غالبا بأنه أداة تجسس صينية، وظّف عملاء إسرائيليين سابقين في مناصب إدارية عليا.

وختم الموقع بالقول: “ربما إذن، لا يكون مفاجئًا أن تكون عميدة الكلية في قلب هذه العاصفة الإعلامية العالمية ضابطة استخبارات عسكرية إسرائيلية سابقة، لكن هذا يظل تذكيرا صارخا بمدى التحيز المؤسسي لصالح إسرائيل داخل الولايات المتحدة”.

أنشطتها وعلاقتها

وتعد كارين يارهي-ميلو أصغر عميدة في تاريخ كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، وقد حازت على جوائز في مجال الأمن الدولي واتخاذ القرارات في الأزمات، وفق ما يقول موقع جامعة كولومبيا في بطاقة تعريفية لها.

حصلت يارهي-ميلو على درجة الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا، وعلى درجة البكالوريوس بامتياز مع مرتبة الشرف من جامعة كولومبيا. 

انضمت إلى هيئة التدريس الدائمة بجامعة كولومبيا عام 2019 بعد عقد من العمل في جامعة برينستون.

قبل توليها منصب عميدة الكلية في يوليو/تموز 2022، شغلت يارهي-ميلو لمدة عامين منصب مديرة معهد أرنولد أ. سالتزمان لدراسات الحرب والسلام التابع لجامعة كولومبيا.

وفي تقرير عن تعيينها، قالت صحيفة يديعوت أحرونوت في مارس 2023: “في الصيف الماضي، أصبحت ميلو أول إسرائيلية تتولى هذا المنصب الرفيع، وأصغر امرأة تشغله على الإطلاق في واحدة من أعرق الجامعات في العالم”.

وخلال مقابلة مع الصحيفة وصفت نفسها بأنها “قادمة من عائلة سياسية في إسرائيل”، فيما أوضحت يديعوت أن هذه الأكاديمية “تعد نابغة في مجال أبحاث العلاقات الدولية، وتُدرّب الجيل القادم من الدبلوماسيين والمسؤولين الحكوميين”.

وأردف أنها “ترأس إحدى أهم الكليات في العالم، حيث تخرّج فيها شخصيات مرموقة مثل وزيرة الخارجية (الأميركية) السابقة مادلين أولبرايت، وقطب الأعمال وارن بافيت، ومدير وكالة المخابرات المركزية الأسبق جورج تينيت”.

وتضم هيئة التدريس أيضا وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، التي تُدرّس معها مقررا في صنع القرار والإستراتيجية.

في عام 2023، أسست ميلو معهد السياسة العالمية (IGP)، في جامعة كولومبيا، ويضم مجلسًا استشاريا من أعضاء هيئة التدريس وترأسه كلينتون.

وخلال خريف عام 2023، شاركت يارهي-ميلو في تدريس دورة "داخل غرفة العمليات" مع كلينتون وناقشتا فيها “التحيزات النفسية التي تؤثر على اتخاذ القرارات في أوقات الأزمات”. 

وعن الدورة، تقول يديعوت: “ستجمع بين النظرية والتطبيق، حيث تدرسها ميلو التي تعد محللة ذكيةٌ جدًا، وصاحبة معرفة واسعة وطاقة كبيرة".

 وأردفت: "ستغطي إدارة الأزمات والقرارات التي اضطرت كلينتون لاتخاذها في مواقف مثل العقوبات على إيران، ووقف إطلاق النار في غزة، ومطاردة (زعيم تنظيم القاعدة الأسبق أسامة) بن لادن، وغيرها".

وأكدت ميلو في المقابلة على “شعورها العميق بالارتباط بهويتها الإسرائيلية” على الرغم من عدم التخصص في تناول السياسة الإسرائيلية في أبحاثها.

من ناحية أخرى، ذكرت أن من أهدافها استقطاب المزيد من الطلاب الإسرائيليين إلى الجامعة، مضيفة أن “خبرتهم العسكرية، على سبيل المثال، وثيقة الصلة بما نُدرّسه”، وتحدثت ميلو عن هدف آخر يتمثل بـ"القضاء على معاداة السامية".

وتابعت: “نحن نُنشئ قادة الغد، ونُزوّدهم بأدواتٍ متكاملة ومهنية لإدراك وتحليل أكثر مشاكلنا إلحاحا في عصرنا، وأرغب بشدة في تغيير التحيز المُعادي لإسرائيل. سيُتيح ذلك أيضًا تغيير الخطاب وإتاحة الفرصة للآخرين لسماع آراءٍ مُختلفة”.

وبالعموم تركز ميلو في أبحاثها على كيفية اتخاذ القادة لقرارات السياسة الخارجية المتعلقة باستخدام القوة، وفق ما تعرف نفسها على موقعها.

تتناول أبحاثها “التصورات الخاطئة في السياسة العالمية”، وتقييم التهديدات وتحليل المعلومات الاستخباراتية، ودور السرية والخداع في السياسة الخارجية، وأهمية الدبلوماسية المباشرة.

ألّفت كتابين حازا على جوائز: “من يحارب من أجل السمعة؟ سيكولوجية القادة في الصراعات الدولية” عام 2018، و"معرفة الخصم: القادة، ومنظمات الاستخبارات، وتقييمات النوايا في العلاقات الدولية" في 2014.

شاركت أخيرًا في تأليف مقال في مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية حول “ما تعلمناه من إخفاقات الاستخبارات في حرب يوم الغفران عام 1973” وآخر حول هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر. 

وأثناء وجودها في إسرائيل، عملت مع العديد من المنظمات غير الحكومية التي تدعي أنها “تعمل على تعزيز السلام في الشرق الأوسط”، بما في ذلك مركز بيريز للسلام والابتكار.