شبح اليوم التالي.. لماذا تراجعت إسرائيل عن الانسحاب من محور فيلادلفيا؟

منذ ٨ أشهر

12

طباعة

مشاركة

مع تواصل الأحاديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، كشف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 18 أغسطس/ آب 2024، أنه يصر على البقاء في محور فيلادلفيا لـ"منع حركة حماس من إعادة التسلح"، على حد زعمه.

وفي هذا السياق، أشارت صحيفة "جيروزاليم بوست" إلى أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، واتفاق تبادل الأسرى، قد يتوقفان على خروج الجيش الإسرائيلي من محور فيلادلفيا.

 ومحور فيلادلفيا أو (محور صلاح الدين) هو اسم شريط حدودي ضيق داخل أراضي قطاع غزة، يمتد المحور بطول 14 كم على طول الحدود بين قطاع غزة ومصر.

ونقلت الصحيفة العبرية عن مصادر عديدة أن إسرائيل ألمحت أحيانا وأخبرت صراحة في أحيان أخرى، لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والولايات المتحدة وقطر ومصر عدة مرات خلال الأشهر الثلاثة الماضية بأنها على استعداد للانسحاب من محور فيلادلفيا، لاستعادة أسراها لدى حماس.

وسربت وسائل إعلام مختلفة أن مسؤولين إسرائيليين، كانوا على الأقل حتى يوليو/تموز 2024، يفضلون تقديم مثل هذا التنازل، بما في ذلك وقف موسع لإطلاق النار، في سبيل استعادة المحتجزين.

من هؤلاء وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي، ومدير الموساد ديفيد برنياع، ومدير الشاباك رونين بار، واللواء في الجيش الإسرائيلي ومنسق استعادة المحتجزين نيتسان ألون.

ولكن في كل مرة تبدأ فيها رواية كهذه في الانتشار عبر وسائل الإعلام، يعلن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، رفضه القاطع لمثل هذا التنازل.

تضارب علني

وقالت الصحيفة إن ما يُذكر عن استعداد إسرائيل للانسحاب من محور فيلادلفيا ليست تسريبات مجهولة المصدر ولا تصريحات خاصة غير مباشرة خلف الأبواب المغلقة، ورغم ذلك هناك رفض علني واضح، فكيف يمكن تفسير هذا التضارب؟

أولا وقبل كل شيء، أخبرت مصادر صحيفة "جيروزالم بوست" أن الموقف الإسرائيلي من محور فيلادلفيا تطور بمرور الوقت.

فعندما سيطر الجيش الإسرائيلي على المحور في رفح لأول مرة، في أوائل ومنتصف مايو/أيار، لم يكن أحد متحمسا للتخلي عنه، بحسب الصحيفة.

في ذلك الوقت، كان هناك سببان رئيسان على الأقل: منع حماس من امتلاك أي قدرة مستقبلية لإعادة تسليح نفسها من خلال التهريب عبر الحدود من مصر، والأمر الأكثر إلحاحا، الحصول على الوقت الكافي لتدمير أنفاق التهريب القائمة.

وفي أواخر يونيو/حزيران، أظهرت الفتحات المتصلة بالأنفاق العابرة للحدود في محور فيلادلفيا بوضوح أن الجيش الإسرائيلي لم يكن حتى قريبا من اكتشاف النطاق الكامل لمتاهة الأنفاق البيزنطية التي تمتلكها حماس في المنطقة، وفق وصف الصحيفة.

وفي ذلك الوقت، قال ضباط إسرائيليون لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية إن الأمر قد يستغرق ستة أشهر للسيطرة الكاملة على الموقف، وربما سنوات لتدمير جميع أنفاق حماس في رفح.

وأخيرا، أعلن الجيش الإسرائيلي عن تدمير خمسين قسما من الأنفاق، في أعقاب إعلانات مماثلة سابقة.

وقالت الصحيفة: "إن هذه الإنجازات مهمة بالفعل، وهي تعمل على تقليص ما قد تتمكن حماس من تهريبه إلى غزة من مصر إذا انسحبت القوات الإسرائيلية من المنطقة لمدة 40 إلى 60 يوما، كما هو متوقع في المرحلة الأولى من صفقة الرهائن المقترحة ووقف إطلاق النار في غزة".

"وهكذا، ففي غضون ثلاثة أشهر فقط، بدأت إسرائيل في حل مشكلتها القائمة بشكل كبير، وعرقلة حماس فيما يتصل بإمكاناتها المستقبلية في مجال التهريب، على الأقل إذا انسحبت القوات الإسرائيلية لأشهر فقط".

يعني ذلك -وفق التقرير- أنه إذا كان بعض المسؤولين الإسرائيليين قد أبدوا، في مايو/أيار 2024، استعدادهم لمناقشة كيفية إقامة نظام مراقبة تكنولوجي على محور فيلادلفيا مع استمرار إسرائيل في السيطرة عليه، فقد كانوا جاهزين لتنفيذ الخطة بحلول يوليو/تموز 2024.

نوايا نتنياهو

أما عن نوايا نتنياهو، فترى الصحيفة العبرية أنه "لا يزال من غير الواضح ماذا كانت ولا ما هي عليه الآن".

وتقول المصادر إن نتنياهو يبدو وكأنه أعطاهم تفويضا لإظهار المرونة بشأن محور فيلادلفيا، طالما حافظ المفاوضون على ما يصفه بـ"حق إسرائيل" في استئناف مهاجمة حماس بعد المرحلة الأولى من الاتفاق.

"وهذا يعني أنه ما دامت إسرائيل تستطيع من الناحية النظرية استئناف الهجوم على حماس بعد استلام 20-30 محتجز خلال 40-60 يوما، فقد ألمح نتنياهو للمسؤولين الإسرائيليين أن استخدام التكنولوجيا للدفاع عن المحور بدلا من القوات البرية، سيكون خيارا متاحا لبضعة أشهر أو ربما أطول".

وقالت الصحيفة: "مع كل مرة يشم فيها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، رائحة احتمال موافقة نتنياهو على وقف إطلاق النار، كانا يهاجمانه مسبقا.

"حينها، كان نتنياهو يصدر سريعا تصريحا ينفي فيه أي مرونة بشأن محور فيلادلفيا، بالإضافة إلى قضايا أخرى".

وتابعت الصحيفة: "ما حقيقة موقف نتنياهو؟ سؤال مثير للاهتمام بالفعل، وربما من الصعب الإجابة عنه، بل ربما لم يحسم نتنياهو أمره بعد".

وفي أوائل يوليو/تموز 2020، كان العديد من خصوم نتنياهو وأنصاره مقتنعين بأنه سيضم جزءا من الضفة الغربية.

وبدلا من ذلك، أذهل العالم بطرح سلسلة سرية من صفقات التطبيع مع الدول العربية والإسلامية في أغسطس/آب 2020، والمعروفة باسم "اتفاقيات أبراهام".

وهناك أمثلة كثيرة في الاتجاه الآخر، فمثلا عندما توقع خصوم نتنياهو وأنصاره أن يتخذ خطوات داعمة للدبلوماسية، لكنه في اللحظة الأخيرة ذهب في الاتجاه المعاكس.

بالونات اختبار

وقالت الصحيفة: "ربما كان نتنياهو يريد استخدام المفاوضين الإسرائيليين لإطلاق بالونات اختبار لإغراء حماس لتقديم تنازلات، مثل السماح لإسرائيل بالعودة إلى الهجوم بعد المرحلة الأولى".

وبحلول يوليو/تموز، ربما تغير شيء ما، بحسب التقرير.

ونقلت "جيروزاليم بوست" أن "جميع المسؤولين أصبحوا مقتنعين بأن الوقت ينفد لإنقاذ الرهائن وأن الأنفاق دُمرت بما يكفي لإعاقة حماس، على الأقل لفترة مؤقتة تمتد لأشهر، للسماح للمرحلة الأولى من صفقة الرهائن لوقف إطلاق النار.

وبدأ البعض في التعبير علنا عن إحباطهم من نتنياهو، وفق تأكيد الصحيفة.

وهذا يقودنا إلى نقطة تحول حاسمة -وفق الصحيفة- ذلك أن نتنياهو هو الذي يتخذ القرارات وكان بإمكانه إقالة أو تهميش أي من هؤلاء المعارضين لرؤيته، إلا أنه اختار عدم القيام بذلك.

وتابعت: "لم يهمش نتنياهو أيا من المسؤولين، رغم دعمهم العلني لتقديم تنازلات في محور فيلادلفيا وقضايا أخرى، ولذلك من الممكن أن بعض مسؤولي الدفاع شعروا بحرية أكبر للسعي لإبرام صفقة، بما في ذلك تقديم عروض للتنازل عن المحور، حتى مع اعتراض نتنياهو".

ووفقا لبعض التقارير، كان نتنياهو ليقيل "غالانت" لولا القلق من أن ذلك قد يضر بعلاقاته مع الولايات المتحدة في لحظة حرجة، نظرا لأن مسؤولي إدارة بايدن يثقون في غالانت أكثر بكثير من نتنياهو.

وتساءلت الصحيفة: "ماذا لو ساعد بعض المسؤولين الإسرائيليين في إتمام صفقة تتجاوز نتنياهو بشأن الرهائن ووقف إطلاق النار، معتمدين على أن مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، بيل بيرنز، أو الرئيس بايدن سيتدخل لاحقا لإجبار نتنياهو على قبولها إذا رفض؟".

وأضافت: "حتى الآن، ألقت الولايات المتحدة اللوم على حماس في فشل المفاوضات، ولكن ماذا لو هددت بإلقاء اللوم على نتنياهو؟".

وأشارت إلى أن "بعض هذه السيناريوهات الغريبة قد تفسر التذبذب الذي يشعر به المراقبون عندما يحاولون فهم موقف "إسرائيل" من محور فيلادلفيا، فقد يكون السبب هو أنه لم يعد هناك موقف إسرائيلي موحد".

وختمت بالقول: "لا يمكن لأحد أن يجزم ما إذا كان هذا الواقع سيقود إلى اتفاق".