جولتان متزامنتان للافروف ونائب وزير دفاع روسيا بـ6 دول إفريقية.. ما السر؟

"روسيا تطبق إستراتيجية استنزاف الأطراف في إفريقيا من أجل إضعاف المركز والقضاء عليه"
اهتمام روسيا بإفريقيا لا يبدو يحمل بعدا وقتيا إنما إستراتيجيا، مع إصرار على إظهار نفسها تسعى للحلول بديلا لفرنسا المنبوذة بالقارة في السنوات الأخيرة.
وفي أحدث خطوة ضمن هذه الإستراتيجية، بدأ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونائب وزير الدفاع يونس بيك يفكيروف، جولتين متزامنتين إلى عدد من الدول الإفريقية.
والجولتان قادتا المسؤول الدبلوماسي الروسي إلى 4 محطات، وهي غينيا والكونغو برازفيل وبوركينا فاسو وتشاد، فيما توجه المسؤول العسكري إلى النيجر ومالي بعد زيارته ليبيا.
جولة دبلوماسية
شرع لافروف في جولته بزيارة غينيا يوم 3 يونيو/حزيران 2024، حيث تعمل هناك عدة شركات روسية، بينها شركة روسال.
ومؤسسات تلك الشركة في غينيا تزود مصانع الألومنيوم الروسية بالمواد الخام، وتوفر، وفقا للسفارة الروسية، 25 بالمئة من إنتاج الألومنيوم.
وفي الرابع من يونيو، حل لافروف بالكونغو، والتي شهدت نموا سريعا في حجم التجارة بينها وروسيا، بنسبة 85 بالمئة في الفترة من يناير/كانون ثاني إلى أبريل/نيسان 2023.
وشملت محادثات الجانبين خلال الزيارة تطوير التعاون العسكري التقني.
وفي عام 2019، تم توقيع اتفاق بين البلدين لإرسال متخصصين عسكريين روس إلى الكونغو، كما أن المفاوضات جارية أيضا بشأن توريد معدات عسكرية روسية حديثة إلى البلاد.
وفي الخامس من يونيو، حل لافروف في بوركينا فاسو، وهي الدولة التي يقودها نظام عسكري مقرب من موسكو، حيث قال لافروف إن "عدد المدربين الروس في بوركينا فاسو سيزداد".
وصرح لافروف للصحافة، بأنه "منذ الاتصالات الأولى بين بلدينا بعد وصول الرئيس إبراهيم تراوري إلى السلطة، شاركنا بشكل وثيق للغاية في جميع مجالات التعاون، بما في ذلك تطوير العلاقات العسكرية والتقنية".
ورابع الدول هي تشاد، حيث حل فيها في اليوم نفسه، وقال لافروف في نجامينا “يمكنني أن أطمئنكم: صداقتنا مع تشاد لن تؤثر على علاقاتها مع فرنسا”.
لكنه لفت إلى أن "فرنسا لديها نهج آخر: إما أن تكون معنا أو ضدنا".
وتعد الجولة هي السادسة للافروف خلال عامين إلى القارة الإفريقية، في حين تُعد زيارته إلى بوركينا فاسو وتشاد الأولى في تاريخ العلاقات بين روسيا وهذين البلدين.
إذ إنه في يوليو/تموز 2022، زار وزير الخارجية الروسي مصر وإثيوبيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية، وفي يناير/كانون ثاني 2023، توجه إلى جنوب إفريقيا، وإسواتيني، وأنجولا، وإريتريا، وفي فبراير/شباط من العام نفسه زار مالي، وموريتانيا، والسودان.
وبين نهاية مايو/أيار وبداية يونيو، زار كينيا، وبوروندي، وموزمبيق، وجنوب إفريقيا، لكن آخر جولة للوزير إلى إفريقيا كانت في أغسطس/آب 2023، حيث حضر قمة مجموعة "بريكس" في جنوب إفريقيا.
جولة عسكرية
وبشكل متزامن، ذكر موقع "أخبار شمال إفريقيا"، في 2 يونيو 2024، أن الجنرال الانقلابي الذي يسيطر على شرق ليبيا خليفة حفتر، استقبل مطلع يونيو 2024، نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف في مقر القيادة العامة بالرجمة.
ووفق المصدر ذاته، أكد حفتر على العلاقة الودية بين البلدين، وأهمية تطويرها في المجالات العسكرية والاقتصادية، ومنها تطوير العلاقات في مجالات التدريب العسكري ورفع الكفاءة.
وتحدث المسؤول العسكري الروسي عن مساهمة بلاده في تعزيز قدرات قوات القيادة العامة، مشددا على التعاون المشترك لمحاربة الإرهاب والتطرف.
من جانبه، ذكر موقع "نوفا نيوز"، في 4 يونيو 2024، أن يفكيروف وصل في زيارة عمل إلى النيجر، قادما من بنغازي بليبيا.
وأبرز المصدر ذاته، أن المسؤول الروسي ناقش مع رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر، عبد الرحمن التشياني ومع وزير الدفاع ساليفو مودي، تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، مثل الأمن والدفاع والتنمية الاقتصادية.
وأعرب الجانبان عن رغبتهما في تعزيز شراكتهما الإستراتيجية على أساس الاحترام المتبادل والثقة، والبحث عن حلول منسقة للتحديات الإقليمية والدولية. كما جدد يفكيروف التزام روسيا بدعم النيجر في تطلعاتها المشروعة.
وكان يفكيروف قد وصل في الواقع إلى نيامي في 4 ديسمبر/كانون أول 2023، لتوقيع مذكرة تعاون متعددة القطاعات بين النيجر وروسيا.
أما موقع " afrinz"، فذكر في 5 يونيو 2024، أن نائب وزير الدفاع في روسيا الاتحادية يونس بك يفكوروف، التقى مع رئيس وزارة الدفاع في مالي ساديو كامارا.
وذكر المصدر ذاته، أنه "خلال هذا الاجتماع في مالي مع الوزير ساديو، تم التركيز على التعاون العسكري بين البلدين، والذي يتقدم بشكل جيد".
واسترسل: "كما لم تخف روسيا أبدا استعدادها والتزامها الراسخ بدعم مالي في الحرب الدؤوبة ضد الإرهاب، الذي تشنها من أكثر من عقد من الزمان".
وأشار الموقع إلى أنه، وبفضل هذا الدعم، تمكن الجيش المالي من استعادة كامل الأراضي، من سلطة الجماعات المسلحة.

إضعاف المركز
في قراءته لهذه التحركات الروسية، قال أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية والشأن الإفريقي، إن أهداف روسيا متعددة من جولة وزير خارجيتها، خاصة أنها الزيارة الرابعة في أقل من سنة، وهو ما يدل على سعيها إلى فك العزلة التي ضربتها عليها دول الحلف الأطلسي.
وذكر لـ "الاستقلال"، أن روسيا تروم من هذه الجولة وأضرابها تفكيك النفوذ الفرنسي والغربي عموما في إفريقيا، من خلال تطبيق إستراتيجية استنزاف الأطراف من أجل إضعاف المركز والقضاء عليه، والقصد بالأطراف هنا إفريقيا ودول أميركا اللاتينية ودول آسيوية.
وأبرز المتحدث ذاته أن الإستراتيجية الروسية التي بدأت منذ 2014، بعد ضم جزيرة القرم، قد أدت إلى إضعاف النفوذ الغربي على الساحة الإفريقية مقابل تحقيق روسيا لنجاحات ملحوظة.
وأوضح الخبير في الشأن الإفريقي، أن هذه الإستراتيجية فيها جوانب أمنية وعسكرية، وذلك أساسا من خلال تقديم الدعم العسكري عبر الخبراء وتمكين الطلبة من الولوج إلى معاهدها، وكذا عبر توسيع انتشار قوات فاغنر في دول القارة.
ونبه إلى أن "كل هذا مكن روسيا من تحقيق مصالح كبيرة ميدانيا ضد الغرب وخاصة فرنسا، بعد أن رأينا خروج فرنسا المذل من مالي وطرد سفيرها من النيجر، ومن بوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى".
وأبرز أن هذه الدول، ورغم ضعفها وهشاشتها الاقتصادية، إلا أنها تشكل خطرا على الاقتصاد الفرنسي على أكثر من مستوى، ومن ذلك أن النيجر تتوفر على منجم لإنتاج اليورانيوم، تستغله فرنسا وتعتمد عليه في طاقتها النووية.
واسترسل، فضلا عن استغلال باريس لعدد كبير من مناجم الذهب والألماس والمعادن النفيسة في دول الساحل والدول الإفريقية بصفة عامة.
وبالتالي، يردف نور الدين، حين تقوم روسيا باستغلال طرد فرنسا من أربع دول، فهي من ناحية تهدد الاقتصاد الفرنسي بشكل مباشر، ومن جهة أخرى تهدد أمنها الإستراتيجي ومجالها الحيوي التقليدي في هذه الدول الإفريقية.
من جانبه، قال الباحث في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، إن روسيا الآن مهتمة ببناء علاقات مع مختلف الدول الإفريقية والتقرب إليها، حيث تقوم إستراتيجيتها على وجوب أن يكون لها دائما موطئ قدم في إفريقيا.
وأوضح لـ"الاستقلال"، أن هذه الزيارة التي قام بها لافروف خير دليل على أن روسيا تستفيد من السياسة الضعيفة لفرنسا في إفريقيا، وتستثمر رفض الدول الإفريقية لدور مستعمرها السابق.
وأردف، خاصة أن فرنسا لم تقدم أي شيء لإفريقيا، ولا تساند تحرر الشعوب أو أن تكون لدول القارة نموذجا اقتصاديا جيدا، بل قام نهجها على التلاعب بسياسات هذه الدول، وسرقة ثرواتها الباطنية.
وشدد الباحث الأكاديمي الروسي على أن موسكو تعمل على الملف الإفريقي بشكل مباشر عبر وزارة الخارجية، مشيرا إلى أنها "تركز أيضا على تعزيز قوتها الناعمة بالقارة، عبر المدخل الثقافي، كالتعليم وتخريج الكفاءات ونشر اللغة الروسية وتعليمها..".
وأبرز بريجع أن روسيا تعمل على صُنع نخبة جديدة من القيادات العسكرية الإفريقية عبر التكوين، وهو ما سيكون له تأثير على السياسات الداخلية الإفريقية مستقبلا، كما أن الفيلق الإفريقي الذي تقوم بإنشائه بتعاون مع عدد من الدول الإفريقية هو مشروع سيكون له دور مستقبلي مهم بالقارة.
وذكر المتحدث ذاته، أن روسيا تستفيد من الإرث الذي خلفته السياسة السوفيتية بإفريقيا، مشددا أنها سياسة لم تكن سلبية مقارنة مع سياسة الدول الأوروبية المستعمرة لإفريقيا، وأن موسكو طورت هذه السياسة لأبعاد متعددة.
ولم يستبعد أن تستثمر روسيا تعمق علاقاتها بعدد من الدول الإفريقية، بأن تجعلها ساحة لمواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، في ظل العقوبات الأميركية والغربية على الاقتصاد الروسي.
كما ذكر بريجع أن التنافس الروسي الغربي سيستمر، في ظل تنامي وصول اليمين المتطرف إلى أغلب دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يدل على فشل سياسات الاتحاد في عدد من الملفات، ومنها ملف الهجرة والعلاقات الخارجية.
وفي جوابه عن سؤال يتعلق بالفائدة التي ستجنيها إفريقيا من التحركات الروسية، قال الخبير في العلاقات الدولية والشأن الإفريقي أحمد نور الدين، إن الفائدة الأولى تتمثل في تنويع الشركاء الإستراتيجيين، بما يتيح لها هامش مناورة، لتحقيق مكاسب سيادية أكبر في مواجهة الدول الاستعمارية السابقة أو الدول المهيمنة.
من جانب آخر، يضيف لـ "الاستقلال"، نرى أن الدول الإفريقية تعتمد في جانب كبير منها على استيراد القمح الروسي، حيث إن 20 بالمئة من واردات القمح هي من روسيا، كما أن الأخيرة تصدر أنواعا أخرى من المواد الغذائية الضرورية والأساسية لضمان الأمن الغذائي الإفريقي.
وتابع، كما أن أزمة كورونا أثبتت لإفريقيا أن روسيا يمكن الاعتماد عليها، حيث عملت على توفير اللقاحات لعدد من الدول الإفريقية، في ظرفية كانت هذه اللقاحات عزيزة عالميا، وشاهد العالم كيف انكفأت أوروبا على نفسها.
وأضاف نور الدين، فضلا أن روسيا هي ثاني مصدر للسلاح على المستوى العالمي، ومنه للسوق الإفريقية، دون الدخول في خصوصياتها وسياساتها الداخلية كما يفعل الغرب، تحت مسمى حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، وهو حق أريد به باطل من لدن الغرب، لأن غايته الأولى هي ابتزاز الدول الإفريقية، يؤكد المتحدث ذاته.

متابعة فرنسية
الإعلام الأوربي وخاصة الفرنسي لم يتجاهل الدور الروسي المتنامي في إفريقيا، حيث أكد أن موسكو تسعى إلى زيادة نفوذها بدول القارة، ومن ذلك ما ورد في افتتاحية موقع "africanews" الفرنسي، في 7 يونيو 2024.
وذكر الموقع أن روسيا أصبحت الشريك الأمني المفضل لعدد متزايد من الحكومات الإفريقية في المنطقة، على حساب الحلفاء التقليديين مثل فرنسا والولايات المتحدة.
وأبرز أن "موسكو قامت بتوسيع تعاونها العسكري بقوة مع الدول الإفريقية باستخدام شركة الأمن الخاصة فاغنر وخليفتها المحتمل، فيلق إفريقيا، حيث يتولى المرتزقة الروس أدوارا تتراوح بين حماية القادة الأفارقة ومساعدة الدول في الحرب ضد المتطرفين".
وشدد على أن "روسيا تسعى أيضا للحصول على الدعم السياسي، أو على الأقل الحياد، من العديد من الدول الإفريقية البالغ عددها 54 دولة بشأن غزوها لأوكرانيا، حيث تشكل الدول الإفريقية أكبر كتلة تصويت في الأمم المتحدة".
واتهمت الافتتاحية ما وصفتها بـ "الكيانات المرتبطة بروسيا" بـ "نشر معلومات مضللة لتقويض العلاقات بين الدول الإفريقية والغرب".
ورأى الموقع أن "روسيا استغلت الاضطرابات السياسية والسخط في الدول التي تعرضت للانقلابات، مستفيدة من الإحباط الشعبي والغضب تجاه القوة الاستعمارية السابقة فرنسا. وأطاحت الانقلابات العسكرية بحكومات كانت تعد قريبة من فرنسا والغرب ولم تفعل الكثير للحد من الفقر والبطالة والمصاعب الأخرى ".
وأشار إلى أن "روسيا تعرض المساعدة الأمنية دون التدخل في السياسة، مما يجعلها شريكا جذابا في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وكلها تحت قيادة الطغمات العسكرية التي استولت على السلطة في السنوات الأخيرة. وفي المقابل، تسعى موسكو إلى الحصول على المعادن وامتيازات أخرى".
وذكر أن روسيا تمكنت من الوصول إلى الذهب والألماس في جمهورية إفريقيا الوسطى، والكوبالت في الكونغو، والذهب والنفط في السودان، والكروميت في مدغشقر، والبلاتين والماس في زيمبابوي، واليورانيوم في ناميبيا.
وقال إن "فاغنر وروسيا ربما حققتا حوالي 2.5 مليار دولار من تجارة الذهب الإفريقية منذ غزو أوكرانيا في فبراير/شباط 2022".
في المقابل، ذكرت دراسة بعنوان: "عسكرة إفريقيا: الأصول السوفيتية للعقيدة الروسية"، صادرة عن المجلة الفرنسية legrandcontinent، بتاريخ 28 مايو 2024، أن "روسيا تفتقر إلى إستراتيجية وخطة تضمن شروط الاستمرارية في تعاملها مع القارة".
ورأت الدراسة أن "السياسة السوفيتية في إفريقيا متجذرة في الإيديولوجية، وقدمت بديلا للرأسمالية الغربية، غير أن التكتيكات الروسية في إفريقيا اليوم مثيرة للسخرية في الأساس؛ فهي تركز على الاستيلاء على الموارد الرئيسة واكتساب رأس المال السياسي في المنتديات الدولية".
وأوضح المصدر ذاته، أن "عودة ظهور" روسيا في إفريقيا يرجع إلى المنافسة المتزايدة في القارة، وسط حالة من عدم الاستقرار المستمر.
وشدد على أن "الخطاب الروسي المناهض للغرب يتوافق مع مصالح العديد من النخب الإفريقية، التي تستحضر المظالم التاريخية المشروعة بشأن الموروثات الاستعمارية والتفاعلات الفاشلة مع الغرب لتبرير علاقاتها المتنامية مع روسيا".
وأردف، "وفي ظل هذه الظروف تجد أوكرانيا، التي تعرضت لهجوم من روسيا، نفسها في مواجهة التحدي الأكبر المتمثل في حشد الدول الإفريقية إلى معسكرها".
المصادر
- النيجر.. نائب وزير الدفاع الروسي يفكيروف في نيامي.. ويلتقي قائد الانقلاب تشياني
- نائب وزير الدفاع الروسي يلتقي نظيره المالي في باماكو
- ليبيا.. حفتر ونائب وزير الدفاع الروسي يبحثان تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي
- Pourquoi la Russie accentue son influence en Afrique ?
- Militariser l’Afrique : les origines soviétiques d’une doctrine russe