ديب سيك.. ذكاء اصطناعي صيني يثير قلق ترامب ويضع حدا للفوقية الأميركية

داود علي | منذ ٣ أشهر

12

طباعة

مشاركة

قفزة مفاجئة حققتها منصة الذكاء الاصطناعي الصينية "ديب سيك"؛ بعد أن تصدرت في 27 يناير/ كانون الثاني 2025، قائمة التنزيلات في متجر تطبيقات آبل في الولايات المتحدة.

وتفوق "ديب سيك" على عملاق الذكاء الاصطناعي الأميركي "شات جي بي تي" التابع لشركة "أوبن أيه آي" الأميركية. 

ذلك الإنجاز اللافت للتطبيق الصيني تسبب في ضجة كبيرة في الأسواق الغربية، خاصة للشركات الأميركية العملاقة، التي أنفقت على مدار سنوات مليارات الدولارات للهيمنة على قطاع الذكاء الاصطناعي، إلى أن جاء “ديب سيك” ليكبدها خسائر فادحة.

ما هو ديب سيك؟

تفاعلا مع هذا الصعود المفاجئ، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن التطبيق الصيني "ديب سيك إر 1"، هو المنتج الرئيس لمنصة ذكاء اصطناعي طورتها شركة ناشئة مقرها في مقاطعة "هانغتشو" الصينية.

وهو نموذج لغوي متقدم يعتمد على تقنية مبتكرة تهدف إلى تعزيز قدرات الاستدلال والتحليل.

ويستخدم التطبيق الصيني الجديد، بنية هجينة تجمع بين التعلم التعزيزي والاستدلال المتسلسل، مما يتيح له أداء مهام معقدة بكفاءة عالية.

ويقدم "ديب سيك" نسختين؛ هما "ديب سيك إر 1"، الذي يعد النسخة القياسية التي تناسب الاستخدامات العامة.

إضافة إلى "ديب سيك إر 1 زيرو"، وهو النسخة المتطورة التي توفر تعديلا غير مراقب للحصول على استدلال أفضل.

كيف تأسس؟ 

تعود ملكية شركة "ديب سيك" لصالح ليانغ ونفيانغ، الذي يعد أحد أكبر المستثمرين الصينيين في قطاع الذكاء الاصطناعي.

وونفيانغ هو مؤسس مشارك في صندوق "هاي فلاير" المهتم بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وفي أبريل/ نيسان 2023 أسس "ديب سيك" من أجل الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام "إيه جي آي" (AGI) الذي يسعى إليه جميع شركات الذكاء الاصطناعي حاليا.

ويبلغ ليانغ ونفيانغ من العمر 40 عاما، وولد في مقاطعة قوانغدونغ بجنوب الصين وتخرج في جامعة "تشجيانغ" الصينية، المتخصصة في هندسة المعلومات الإلكترونية وعلوم الكمبيوتر.

ويعد المهندس الصيني هو الرائد الوحيد في مجال الذكاء الاصطناعي الذي تم اختياره لحضور اجتماع معلن مع ثاني أقوى زعيم في البلاد، لي تشيانج.

وذكرت "بي بي سي" في تقرير عن ونفيانغ في 28 يناير 2025، أنه على عكس العديد من رواد الأعمال الأميركيين في مجال الذكاء الاصطناعي الذين ينتمون إلى وادي السيليكون، تمتع ليانج بخلفية في مجال التمويل".

وأضافت: "فهو الرئيس التنفيذي لصندوق التحوط المسمى (High-Flyer)، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المالية لاتخاذ قرارات الاستثمار، أي ما يسمى بالتداول الكمي".

وبحسب بيانات الشركة، تأسست "ديب سيك" الصينية برأس مال يبلغ 10 ملايين يوان (نحو مليون و400 ألف دولار) عام 2023.

فيما تقدر تكلفة نموذجها للذكاء الاصطناعي بنحو 5.6 ملايين دولار، وهو رقم أقل بكثير مقارنة بنفقات عملاق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة "إنفيديا"، التي تتراوح بين 100 مليون دولار إلى مليار دولار.

إمكانيات ديب سيك 

يعتمد التطبيق الصيني على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة؛ حيث يمكنه تحليل البيانات وتقديم إجابات دقيقة في مجالات متعددة، بداية من كتابة النصوص والمقالات إلى حل المسائل الرياضية المعقدة وبرمجة الأكواد البرمجية.

كذلك يدعم "ديب سيك" لغات عدة، لكنه أكثر كفاءة في الإنجليزية والصينية، مما يسهل تفاعله مع شريحة واسعة من المستخدمين. 

ويستند إلى نموذج لغوي كبير (LLM) مدرب على كميات ضخمة من البيانات، مما يتيح له تحليل النصوص بدقة وسرعة عالية والتفاعل بطريقة طبيعية.

كما يتميز بكونه مفتوح المصادر، بما يسمح للمطورين والباحثين في الذكاء الاصطناعي بتعديله وتحسينه.

وذلك على عكس النماذج المغلقة للمنافسين؛ كالتطبيق الأميركي "تشات جي بي تي"، وهذه الشفافية عززت شعبيته بين مجتمع المطورين؛ إذ يمكن لأي شخص دراسة بنيته التقنية والاستفادة منها في تطوير تطبيقات جديدة.

كما أثار "ديب سيك" إعجاب المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي بفضل أدائه السلس على الهواتف الذكية وقدرته على التعامل مع المهام الصعبة، بما في ذلك الأسئلة الطبية والرياضية المتقدمة.

وعلاوة على ذلك، توفر المنصة إصدارات مدمجة تعمل على أجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة الأخرى، ما يعزز من وصولها وانتشارها بسهولة ويسر بين المستخدمين.

وقد نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن "ديب سيك" قد يؤدي إلى إعادة تشكيل قطاع التصنيع الذكي بالكامل.

 وأشارت إلى بدء شركات السيارات والمصانع في آسيا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية لخفض التكاليف وزيادة الكفاءة الإنتاجية.

صدمة المنافسين 

التطبيق الصيني، كبد شركة "إنفيديا"، التي تتخذ من سانتا كلارا في ولاية كاليفورنيا مقرا لها، انخفاضا، بنحو 17 بالمئة، وهو أكبر انخفاض منذ مارس/ آذار 2020 (عام كورونا).

ذلك الانخفاض في قيمة السهم أدى إلى خسارة "إنفيديا" نحو 560 مليار دولار من قيمتها السوقية، بحسب تقرير نشرته وكالة الأناضول في 29 يناير 2025.

ليصبح أكبر هبوط لسهم شركة بيوم واحد في تاريخ سوق الأسهم الأميركية، قبل أن يمتد التأثير إلى باقي السوق بسبب الوزن الكبير للشركة في المؤشرات الرئيسة.

ومع توالي الخسائر، تسببت عمليات بيع "إنفيديا" في تسجيل 8 من أكبر 10 تراجعات يومية في مؤشر "إس آند بي 500" من حيث القيمة السوقية، وفقا لبيانات جمعتها وكالة "بلومبيرغ" الأميركية.

كذلك تراجع مؤشر عملاق التكنولوجيا الأميركي "ناسداك 100" بنسبة 3.6 بالمئة قبل أن يقلص خسائره.

وانخفض مؤشر "ناسداك 100" بنسبة 3 بالمئة، وهو أكبر انخفاض في 6 أسابيع، مما تركه ثابتا تقريبا لهذا العام وقيمته أقل بنحو تريليون دولار عما كانت عليه الجمعة.

وقد استمرت أسهم التكنولوجيا العالمية في مواجهة الضغوط، حيث أثار نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني مخاوف المستثمرين بشأن التقييمات المرتفعة وهيمنة الشركات الكبرى في هذا القطاع، بحسب وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية. 

واستمر الضغط على أسهم "إنفيديا"، التي تشكل رقائقها العمود الفقري لتحركات الذكاء الاصطناعي؛ حيث تراجعت بنسبة 0.8 بالمئة، بعد أن فقدت مكاسبها الأولية، وذلك عقب تراجع بنسبة 17 بالمئة في اليوم السابق.

كما تحولت أسهم شركات أميركية أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي من المكاسب الأولية إلى الخسائر، بما في ذلك انخفاض بنسبة 0.8 بالمئة لشركة "بروادكوم" لصناعة الرقائق، و3.7 بالمئة لشركة "كونستليشن إنرجي".

وأشارت "بلومبيرغ" إلى أن "لاري إليسون" المؤسس المشارك لمجموعة "أوراكل غروب" خسر 22.6 مليار دولار، ومثلت 12 بالمئة من ثروته، وفق مؤشر بلومبيرغ للمليارديرات.

كما خسر "مايكل ديل"، مؤسس شركة "ديل" 13 مليار دولار من ثروته، وخسر تشانغ بينغ تشاو المؤسس المشارك لشركة "بينانس" 12.1 مليار دولار.

وقد خسرت شركات التكنولوجيا الكبرى مجتمعة نحو 94 مليار دولار.

ترامب يحذر 

ذلك الزلزال الذي أحدثه "ديب سيك" الصيني في الأسواق العالمية، دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للإدلاء بتصريحات عقب أيام قليلة من بدء ولايته؛ حيث أدى اليمين كرئيس للولايات المتحدة في 20 يناير 2025. 

وقال ترامب: "إن نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني منخفض التكلفة، هو بمثابة جرس إنذار للشركات الأميركية، بعد أن تسبب إطلاق التطبيق الصيني في تراجع كبير بأسهم شركات التكنولوجيا العالمية".

وأضاف خلال مؤتمر للحزب الجمهوري بولاية ميامي: "نأمل أن يكون إطلاق ديب سيك للذكاء الاصطناعي من شركة صينية بمثابة تحذير لحاجة صناعاتنا إلى التركيز الحاد على المنافسة للفوز".

ورأى أن هذه الصدمة قد تكون "إيجابية" بالنسبة لـ"سيليكون فالي" أو "وادي السيليكون"، لتدفعه إلى الابتكار بتكلفة أقل.

مشيرا إلى أنه "بدلا من إنفاق المليارات والمليارات، ستنفق أقل على أمل أن تصل إلى الحل نفسه"، كما فعل التطبيق الصيني الذي ولد عملاقا. 

وردا على هذا التقدم الصيني، ادعت صحيفة "الغارديان" البريطانية، "أنه من غير المستبعد أن يتم مشاركة البيانات المدخلة عبر ديب سيك مع الحكومة الصينية". 

وأضافت: "لا بأس من استخدام المنصة للحديث عن مواضيع عادية لكن يجب عدم تحميل بيانات شخصية أو حساسة عليه"، وأضاف: "لا تعرف أين تذهب بياناتك".

وأوضحت أنه "لا يمكن تجاهل حقيقة أن الشركات الصينية الخاضعة للسلطات الصينية قد تكون مجبرة على الامتثال لقوانين حكومتها فيما يتعلق بالمعلومات التي تعالج".

وزاد أن "عدم مراقبة مثل هذه المنصات قد يؤدي إلى استخدامها في نشر التضليل الإعلامي وتقويض الثقة العامة، وهو ما قد يضر بالديمقراطيات في مختلف أنحاء العالم".