ضغوط أم انقلاب؟.. سر إعلان تبون استعداد الجزائر للتطبيع مع إسرائيل

إسماعيل يوسف | منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

تُصنف الجزائر بأنها أكثر الدول العربية عداء لإسرائيل، وأشدها تنديدا بالتطبيع مع الكيان؛ لذا أثار حديث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن التطبيع مقابل قيام دولة فلسطينية، تساؤلات عدة.

تصريح "تبون" بأن الجزائر "ستكون على استعداد لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل في اليوم ذاته الذي تكون فيه دولة فلسطينية كاملة"، عده جزائريون ومحللون عرب، انقلابا في موقفه، وبالمقابل قلل آخرون من أهميته بصفته تصريحا روتينيا يتوافق مع قرارات الجامعة العربية.

لكن توقيت التصريح ودلالاته، في وقت تعربد فيه إسرائيل في المنطقة، ووصول أكثر رئيس أميركي متطرف موالٍ لإسرائيل، وهو دونالد ترامب، لرئاسة أميركا، وحديثه عن "تطبيع عربي واسع"، يظل محيّرا.

فهل التصريح له علاقة بقول ترامب: إن دولا عربية أخرى ستقوم بالتطبيع مع إسرائيل دون أن يكشفها؟ أم بمآلات حرب الإبادة في غزة والتحولات في المنطقة العربية؟ أم بانكسار “محور الممانعة” الذي كانت الجزائر أحد داعميه؟

وهل بيان خارجية الجزائر، المخفف في لهجته تجاه إسرائيل، والصادر 6 فبراير/شباط 2025، بعد تصريحات تبون، حول رفض تهجير الفلسطينيين، يشير إلى أن الأمر توجه جزائري عام؟

فقد حمل بيان الخارجية "تغييرا كبيرا" في اللغة الدبلوماسية بشأن إسرائيل، حيث تحدث عن "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" و"حل الدولتين"، بينما غابت كلمات "جيش الاحتلال" و"الكيان الصهيوني"، التي كانت أساس البيانات الجزائرية.

دلالات ومؤشرات

كانت عبارات تبون في مقابلته مع صحيفة "لوبينيون" الفرنسية، حول موقفه من العلاقات مع إسرائيل تحديدا، تعبيرا "لا مشكلة لنا معها"، مستغربة وأثارت جدلا كبيرا؛ كونها جاءت بالتزامن مع تكثيف أميركا وترامب الحديث عن التطبيع العربي القادم. وأشد ما لفت الانتباه في حديثه قوله: إن الجزائر "ستطبع في نفس اليوم الذي تكون فيه دولة فلسطينية كاملة".

محللون جزائريون تساءلوا: هل تصريح تبون تكتيك سياسي؟ أم هوس جزائري لمنافسة المغرب؟

حيث خففت الجزائر لهجتها المنتقدة لإسرائيل عقب توقيع الأخيرة اتفاقيات أبراهام مع بلدان عربية، أبرزها الجار المغربي، ثم اعتراف إسرائيل بسيادة الرباط على الصحراء الغربية، وإن ظلت تتهم الكيان بمحاولة استهدافها بالتنسيق مع المغرب.

ولاحظت "الاستقلال" أن تبون ورئاسة الجمهورية ووكالة الأنباء الجزائرية أصبحوا يستعملون مصطلح "إسرائيل"، وتخلوا عن مصطلح "الكيان".

وفسر الإعلامي الجزائري "وليد كبير" ذلك بأن النظام الجزائري ليس لديه مشكلة لا مع إسرائيل ولا مع فرنسا ولا مع إسبانيا، ولكن "مشكلتهم مع المغرب".

وأشار إلى أن النظام الجزائري "يفكر جديا في استعمال ورقة التطبيع مع إسرائيل حتى لا يتم حسم ملف الصحراء لصالح المغرب".

لكن منصات التواصل الجزائرية حفلت بالمقابل، بتحليلات أخرى، أرجعت موقف تبون إلى قمة بيروت عام 2002، التي طرحت فيها السعودية المبادرة العربية تحت شعار "الأرض مقابل السلام".

وقال تبون: إن "التطبيع ممكن، في اليوم الذي ستكون فيه هناك دولة فلسطينية، هذا يتماشى مع منطق التاريخ، وأسلافي، الرؤساء الشاذلي وبوتفليقة، كانوا قد أوضحوا من قبل أنهم ليس لديهم مشكلة مع إسرائيل وهمنا الوحيد هو إنشاء دولة فلسطينية".

وفي السابق، كانت الجزائر من بين الدول التي رفضت بشكل قاطع أي نقاش حول التطبيع مع إسرائيل، معتبرة أن القضية الفلسطينية غير قابلة للمساومة، أما الآن، فإن ربط التطبيع بشرط واضح، وهو تحقيق الدولة الفلسطينية، قد يحمل عدة أبعاد دبلوماسية وإستراتيجية. 

إذ إن هذا التحول يضع الجزائر على مسار قريب من بعض الدول العربية الأخرى التي لم تطبع رسميا لكنها تبنت موقفا مشابها، مثل السعودية، التي أعلنت أكثر من مرة أن التطبيع مرهون بإقامة دولة فلسطينية وفق حدود 1967. 

ووصفت منصات جزائرية تصريح تبون أو مطلبه بأنه "محنك ومقصود"، لأنه "شبه مستحيل قيام دولة فلسطين كاملة بكل أراضيها، ولن تقبله إسرائيل لأن هذا يعني زوالها"، ورجّحت أن الجزائر من المستحيل أن تطبع مع إسرائيل.

ويرى محللون أن الجزائر، من خلال تبنيها موقفا مشروطا بشأن التطبيع، تحاول التكيف مع التغيرات الإقليمية دون التخلي عن مبادئها التاريخية، مما يمنحها مساحة دبلوماسية أكبر ويجنبها الضغوط الدولية المتزايدة لدفع المنطقة نحو ترتيبات جديدة، وفق موقع إذاعة "مونت كارلو" 4 فبراير/شباط 2025.

ويشير هؤلاء إلى أن هذا التحول قد يعيد تشكيل العلاقات الجزائرية-المغربية، حيث لم يعد موقف الجزائر رفضا مطلقا، بل أصبح مرتبطا بشرط إقامة دولة فلسطينية، مما قد يعزز مرونتها الدبلوماسية. 

كما قد يفتح هذا التصريح الباب أمام تحسين علاقاتها مع بعض الدول العربية المطبعة، مثل الإمارات والبحرين. وداخليا.

ويرون أن هذا الموقف يهدف إلى طمأنة التيارات الوطنية التي تشدد على دعم فلسطين، بينما يبعث في الوقت ذاته برسالة إلى القوى الغربية، خاصة فرنسا والولايات المتحدة، بأن الجزائر ليست معزولة عن التحولات الإقليمية، لكنها تربط قراراتها بشروط واضحة تتماشى مع التزاماتها التاريخية.

وفي نوفمبر 2023، وعقب العدوان الإسرائيلي على غزة، أعطى البرلمان الجزائري الرئيس تبون "صلاحية إعلان الحرب على إسرائيل".

مؤشرات تطبيع سابقة

ولا يختلف هذا الموقف جوهريا عن المواقف التقليدية للجزائر في دعم حل الدولتين؛ حيث أكدت الجزائر مرارا أن الحل العادل للقضية الفلسطينية هو قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. 

لكن، الجديد هنا هو أن الجزائر ربطت بشكل صريح استعدادها للتطبيع بهذا الشرط، وهو ما يجعلها أكثر قربا من الموقف السعودي والمصري مقارنة بالماضي. 

وفي يوليو/تموز 2023، كشفت صحيفة "جون أفريك" أن الجزائر حاولت تحقيق تقارب مع إسرائيل، عندما وصل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى قصر مرداية عام 1999.

وزعمت الصحيفة أن بوتفليقة تعهد بفتح سفارة جزائرية في تل أبيب في حالة اعتراف إسرائيل بحقوق الفلسطينيين بما يشمل دولة فلسطينية".

وربطت الصحيفة ذلك بتبادل رئيس جزائري لأول مرة المصافحة مع شخصية إسرائيلية بارزة خلال لقاء بوتفليقة مع إيهود باراك رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق وقائد الجيش السابق في 25 تموز/يوليو 1999 في الرباط.

قالت: إن بوتفليقة تحدث مع باراك ووعده بفتح سفارة جزائرية في تل أبيب في حال اعترفت إسرائيل بدولة للفلسطينيين. 

وكشفت الصحيفة أنه خلال إحدى زيارات بوتفليقة إلى باريس خلال فترة ولايته الأولى، التقى سرا رئيس الدبلوماسية الإسرائيلية شمعون بيريس، وقالت: إن "جراحا فرنسيا من أصل إسرائيلي كان مقيما في فرنسا هو الذي رتب هذا اللقاء".

وأشارت إلى أنه تم إجراء اتصالات سرية في الماضي بين مسؤولين جزائريين وإسرائيليين.

وسبق أن صافح الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود باراك، في الرباط، على هامش جنازة ملك المغرب الحسن الثاني، في يوليو/تموز 1999.

وعدت المصافحة بمثابة "تقارب حذر"، لكن بوتفليقة قال: إنه لقاء "بمحض الصدفة"، لكن زار إسرائيل بعدها وفد من الصحفيين الجزائريين عبر باريس.

وفي عام 2005، سمحت الحكومة الجزائرية لعشرات اليهود القادمين من بلدان مختلفة بالحج إلى ضريح الحاخام الأكبر إفرايم بن كاوا بمدينة تلمسان (غرب الجزائر)، التي تضم مقبرة ليهود الجزائر.

وإفرايم بن كاوا هو "الطبيب، والحاخام، والكاتب اللاهوتي، ومؤسس الطائفة اليهودية في تلمسان وشمال إفريقيا، توفي عام 1442، وفرّ من محاكم التفتيش الإسبانية، وهناك فقد والده وأمه"، وفق الموسوعة اليهودية.

وفي 2017، ذكرت وسائل إعلام جزائرية أن صحفيين جزائريين رافقوا زملاء لهم من تونس والمغرب، بدعوة من إسرائيل، للتعرف على "إسرائيل الحقيقية"، وفق ما كشف عنه، آنذاك، عوفير جندلمان، المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

ووفق إحصائيات قاعدة بيانات الأمم المتحدة لإحصاءات تجارة السلع الأساسية (UN Comtrade) التي نشرها موقع "ترايدينغ إيكونوميكس" العالمي فبرار 2024، ارتفعت صادرات الجزائر لإسرائيل في 2020 لتصل 9,77 ملايين دولار.

ثم واصلت ارتفاعها في سنة 2021 لتصل إلى 14,9 مليون دولار، وهي السنة التي كانت الجزائر قد وجهت فيها انتقادات كثيرة للمغرب على خلفية تطبيعه للعلاقات مع إسرائيل بدعوى أن تلك الخطوة تُشكل استهدافا لها.

وقفزت مجددا لتتجاوز 21 مليون دولار في سنة 2022، في الوقت الذي كانت الصادرات المغربية نحو إسرائيل قد سجلت تراجعات كبيرة؛ حيث انتقلت من 64 مليون دولار في 2018 لتسجل فقط 10,2 ملايين دولار في 2020، أي سنة تطبيع العلاقات الثنائية.

ووفق الموقع الأممي، أبرز الصادرات الجزائرية لإسرائيل هي المواد الكيماوية العضوية، ومركبات المعادن النادرة.

هل هناك ضغوط؟

رغم أن "تبون" شدد في مقابلته مع الصحيفة الفرنسية على أن بلاده لا تقبل التطبيع دون دولة فلسطينية، إلا أن سياسيين في الجزائر أعلنوا رفضهم هذه التصريحات من أبرزهم حركة مجتمع السلم، التي توصف بأكبر قوى المعارضة السياسية والإسلامية في الجزائر.

حيث انتقدت أحزاب سياسية تصريحات الرئيس الجزائري بشأن إسرائيل، وأبدوا خشيتهم من انطلاق عملية سياسية تتناقض مع موقف الجزائر التقليدي تجاه القضية الفلسطينية.

حركة مجتمع السلم (حمس) قالت في بيان: إنها ترفض "كل مشاريع التسوية والتطبيع" مع إسرائيل.

وفسرت الحركة تصريح تبون بقوله: إن الجزائر "تتعرض لمحاولات مشبوهة وضغوط" من حلفاء إسرائيل لجرّها نحو التطبيع، وذكر تبون بتصريح سابق وصف فيه اتفاقيات أبراهام بـ "الهرولة المرفوضة نحو التطبيع".

عبد العالي حساني شريف، رئيس حركة مجتمع السلم، تحدث في البيان عن "محاولات مشبوهة وضغوط من طرف حلفاء الكيان الصهيوني خاصة أميركا، لجر الدول الصامدة ومنها الجزائر إلى مستنقع التطبيع مع الكيان".

"والرضوخ للضغوط السياسية والإعلامية الهادفة إلى اختراق المواقف السياسية والدبلوماسية الثابتة والمبدئية للدولة الجزائرية تجاه القضية الفلسطينية".

وأوضح أن "رئيس الجمهورية سبق أن وصف مشاريع التسوية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، بالهرولة المرفوضة نحو التطبيع مع معتدٍ غاشم لا يعترف بحق الشعب الفلسطيني ويسعى إلى تصفية قضيته وتهويد مقدسات الأمة"، لذا يتحتم على الجزائر الثبات والاستمرار في الموقف الرافض للتطبيع.

وإلحاقا بهذا التفسير، قال "ديفيد ليفي" وهو محلل سياسي مغربي يهودي: إن رئيس الجزائر تبون تراجع عن تصريحاته العدائية لإسرائيل وطرح فرضية التطبيع مع إسرائيل "تحت ضغوط الخوف من مواقف ترامب ونتنياهو".

أيضا وصف موقع "لوماتان دالجيري" الإخباري المعارض في 4 فبراير 2025، تصريحات "تبون" بأنها “طريقة لتخفيف قبضة الولايات المتحدة بشأن قضية فلسطين، أو ربما رغبة جزائرية حقيقية في تغيير المسار”.

ونقل عن "مؤيدين متشددين" للنظام، اعتقادهم أن تصريحات الرئيس هي "مناورة لتخفيف الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة لصالح التطبيع".

من جانبه، انتقد “حزب العمال” الجزائري "أي تغيير في الموقف الجزائري الرسمي تجاه فلسطين"، مؤكدا أن عقيدة الجزائر دولة وشعبا معروفة منذ سنة 1946 وهي غير قابلة للتغيير.

وقال الحزب: إن "أي تطبيع مع الكيان البربري هو مؤامرة إجرامية لإنقاذ هذا الكيان بعد أن أدانته شعوب العالم وقطعت العديد من الدول العلاقات معه"، فيما وصف حزب لويزا حنون حل الدولتين بأنه "وهم وسراب".