رغم حاجتها لتلميع صورتها قبل قمة العشرين.. لماذا تصعد الهند ضد المسلمين؟

إسماعيل يوسف | منذ عامين

12

طباعة

مشاركة

رغم أن نيودلهي بحاجة لتلميع صورتها قبل استضافة "قمة العشرين"، والتي تضم ثلاث دول إسلامية (إندونيسيا وتركيا والسعودية) في 9 - 10 سبتمبر/ أيلول 2023، تشن السلطات والمتطرفون الهندوس حملة قمعية كبيرة ضد المسلمين.

فثمة محاكم هندية تسعى للاستيلاء على مساجد المسلمين التاريخية وتعمل على منع الصلاة فيها بدعوى الاشتباه في أنها كانت معابد هندوسية سابقا، أقيمت فوقها مساجد، وفق دعاوى قدمها هندوس متطرفون.

وبات معروفا في أوساط المسلمين، أن الهند تحولت إلى "إسرائيل آسيا" منذ تولي الحزب الهندوسي المتطرف الحكم عام 2014، وأن سلوك متطرفيها يشبه جرائم مستوطني دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وتصاعدت هذه الممارسات العدائية ضد المسلمين، وسبقها أعمال عنف بحق المسيحيين في ولاية "مانيبور"، وصلت إلى حد إجبار نساء مسيحيات على السير عاريات أمام الهندوس.

وبدأ صحفيون وحقوقيون مسلمون هنود حملات لكشف ما يجري لهم من اضطهاد وقتل متصاعد بشكل هستيري على أيدي المتطرفين الموالين لحكومة حزب بهاراتيا جاناتا المتطرف وفضح هذه الممارسات قبل قمة مجموعة العشرين التي ستعقد في الهند سبتمبر/أيلول 2023.

طرح هذا تساؤلات حول أسباب عدم إدانة الغرب هذه الأعمال البربرية للهندوس، كما يفعلون مع دول أخرى، ولماذا لا تنسحب دول إسلامية من هذه القمة؟

ماذا جرى؟

كشفت حادثتان أخيرتان الحالة المحزنة في ذلك البلد منذ سيطرة الحزب الهندوسي المتطرف (بهاراتيا جاناتا) على السلطة عام 2014، وإطلاقه مجموعاته المسلحة من تنظيم "أر.أس أر" لقتل المسلمين والأقليات وحرق منازلهم ومتاجرهم بدعاوى أن "الهند للهندوس".

ويشكل الهندوس نحو 80 بالمائة من سكان البلاد البالغ عددهم 1.4. مليار مقابل 14 بالمائة مسلمون وهم أكبر أقلية في الهند، بحسب "نيويورك تايمز" مطلع أغسطس/آب 2023.

وخلال سير قطار في منطقة "نوح هاريانا"، أخرج ضابط من قوة حماية السكك الحديدية مسدسه وقتل ثلاثة مسلمين، "اختارهم بناءً على مظهرهم" بحسب موقع "واير" الهندي 10 أغسطس 2023.

في مقطع فيديو ظهر في أعقاب هذه الجريمة وانتشر بسرعة، يمكن رؤية الضابط يقف فوق جثة هامدة، وهو يحمل البندقية التي ارتكب بها الجريمة.

قال وهو يقف بقدمه فوق جثة مسلم مهددا بقية الركاب المسلمين: "إذا كنت تريد العيش في هندوستان (الهند)، فلا يوجد أمامك سوى التصويت في الانتخابات لناريندرا مودي (رئيس الوزراء) و"يوغي أديتياناث".

والأخير، كاهن هندوسي عنصري متعصب تحول إلى رئيس لولاية أوتار براديش عام 2017 بدعم من رئيس الوزراء "مودي".

كما أنه يعادي المسلمين في الولاية التي تضم حوالي 45 مليون مسلم، وكثيرا ما يوصف بأنه "خليفة محتمل لمودي" لقيادة المتطرفين الهندوس.

لم يكن الحادث من قبيل المصادفة أو العمل الفردي كما حاولت السلطات تبريره. وادعت أن الشرطي ربما مختل عقليا، في ظل تنامي أيديولوجية الحزب الحاكم الحالي، بهاراتيا جاناتا المتطرفة ودعوته إلى "أمة هندوسية خالصة".

فقد شهدت البلاد تنفيذ الشرطة العديد من عمليات إطلاق النار على مسلمين وتهديدهم، كما ظهرت وهي تشرف على حرق وتدمير ممتلكاتهم والاعتداء عليهم. 

يؤكد هذا موقع "واير" بقوله "إن مجموعات هندوتفا المسلحة لم تعد بحاجة لتدريب أو تسليح لارتكاب أعمال عنف ضد المسلمين، فهم الآن في جهاز الدولة وسيتطوعون لفعل ذلك".

وحين احتج المسلمون على جريمة قتل ثلاثة في القطار، اشتبك معهم الهندوس، وتدخلت الشرطة، لا للفصل بينهم، ولكن لإنزال العقوبة الفورية على جانب واحد (المسلمين) دون اتباع أي إجراء، بهدم منازلهم ومؤسساتهم التجارية بالجرافات. 

كما نزل مئات من أعضاء جماعة باجرانج دال اليمينية المتطرفة الهندوسية، إلى الشوارع وقتلوا أربعة مسلمين، منهم إمام مسجد تحدث أخيرا عن السلام بين الطائفتين، وأحرقوا مسجدين في منطقة "نوح" وفي حي "غوروغرام" وهرب المسلمون من منازلهم.

وتبع هذا انتقام نظام رئيس الوزراء مودي من المسلمين بهدم منازلهم ومحالهم، كما يقول موقع "المقال 14" الهندي 7 أغسطس 2023.

مواقع التواصل في الهند عجت بالعديد من فيديوهات الهدم بموجب "سياسة الجرافات الهندوسية" التي هدمت منازل 250 عائلة مسلمة في هريانا في الهند.

تُركت مئات العائلات المسلمة بلا مأوى بعدما هدمت السلطات منازلهم ومتاجرهم ومباني أخرى فجأة ودون إنذار مُحملة إياهم أعمال العنف التي جرت وهم الضحايا.

ولم يكتف الهندوس بذلك بل نهبوا المحلات تحت أعين الشرطة التي اكتفت باعتقال 150 منهم وهدم منازل المسلمين وأملاكهم على الطريقة الصهيونية، بحسب رصد لموقع "المقال 14" الحقوقي الهندي 7 أغسطس 2023

وقد امتدت الاشتباكات إلى عدة مناطق في منطقة "جورجاون"، مركز المال والتكنولوجيا، والتي تضم أكثر من 1.5 مليون شخص ومئات الشركات العالمية، حيث استهدفت الحشود الهندوسية الممتلكات المملوكة لمسلمين، وأضرمت النيران في المباني وحطمت المتاجر والمطاعم، بحسب ما قالت شبكة سي إن إن الأميركية في 2 أغسطس 2023.

ويقول مسلمون هنود عبر مواقع التواصل والصحف إنه "أصبح من المعتاد الآن إنزال مثل هذا القصاص على المسلمين بعد كل حادث طائفي"، متسائلين: لماذا يتم هدم منازلهم؟

"أصلها معابد"

وفي 20 يوليو 2023 ادعى هندوس أن مسجد "أمان" في حي "جلجاون" بولاية ماهاراشترا، والذي يعود تاريخه إلى 1861، يشبه المعبد الهندوسي وطالبوا بتحويله لمعبد، وإلا سيهدمونه، فأمرت السلطات الهندية بمنع الصلاة فيه.

وقررت تسليم مفاتيحه للإدارة الهندوسية للمدينة للبت النهائي في ادعاء متطرفين أن المسجد كان في الأصل، منذ مئات السنين، معبدا هندوسيا، بحسب موقع "سكرول" الهندي.

أيضا سمحت محكمة مدينة فاراناسي الهندية للمسؤولين بإجراء "مسح علمي" لتحديد ما إذا كان مسجد "جيانفابي" المقام من القرن السابع عشر في شمال البلاد قد بني فوق معبد هندوسي أم لا خلال حكم المغول المسلمين؟!، بحسب موقع "الجزيرة" الإنجليزي 3 أغسطس 2023. 

وهذا المسجد، واحد من عدة مساجد في ولاية أوتار براديش تدعي الجماعات المتطرفة أنها بُنيت فوق معابد هندوسية يُزعم أنها هُدمت خلال ذروة حكم المغول من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر.

وفي 7 أغسطس 2023 نجحت الجماعة القومية الهندوسية (فيشوا هندو باريشاد) بقيادة مسيرة للاحتفال نحو مسجد من القرون الوسطى، ومن ثم إقناع محكمة هندية بتحويله إلى معبد لما يسمى الإله الهندوسي رام. 

وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" مطلع أغسطس 2023 إنه من المتوقع أن يجري الاحتفال بإزاحة الستار عن المعبد (المسجد السابق) قبل اختتام حملة إعادة انتخاب مودي في انتخابات 2024.

وفي مقابلة بودكاست مع وكالة أنباء هندية، أعرب الكاهن "يوغي أديتياناث"، زعيم ولاية أوتار براديش عن دعمه لجهود هدم مسجد شهير آخر لتمهيد الطريق لبناء معبد هندوسي، وقال للمسلمين "دينك في بيتك أما قوميتك فهي الهندوسية".

وبدأ متطرفون، منذ مارس/آذار 2021، في حصر ثلاثة آلاف مسجد يزعمون أن بها أثارا هندوسية أو أنها كانت معابد حولها المسلمون لمساجد ويطالبون باستعادتها.

زعموا أن هذه الثلاثة آلاف مسجد، أقامها المسلمون فوق معابدهم في الهند، ونشروا قائمة بأسماء هذه المساجد للمطالبة بإعادتها لمعابد هندوسية.

ويقول الصحفي وزعيم الجالية المسلمة في دلهي ظفر الإسلام خان، إن مئات من المساجد الأثرية تواجه خطر استيلاء الهندوس عليها، ولا يمضي يوم إلا ونسمع عن دعوى أو قضية جديدة تُرفع في محكمة ما تطالب بمسجد أو مقبرة إسلامية.

أضاف، في مقال نشره بموقع "الجزيرة" 16 سبتمبر 2022: "أحيانا ينجحون في الاستيلاء على جزء من هذه الآثار حين يُفضل مسلمو المنطقة الضعفاء قبول تسوية مع الجانب الهندوسي الذي يتمتع بتأييد السياسيين والشرطة والمحاكم".

صمت على الجرائم

يشكو المسلمون في الهند من عدم اهتمام العالم بقضايا اضطهادهم وعدم تفاعل الدول العربية والإسلامية معها، بالرغم من تصاعد جرائم القتل والحرق والتخريب لممتلكاتهم.

وتشير دراسة أجراها الخبير الاقتصادي ديبانكار باسو في موقع "معهد أبحاث الاقتصاد السياسي" التابع لجامعة ماساتشوستس الأميركية 26 أغسطس 2019 إلى زيادة بنسبة 786 بالمائة في جرائم الكراهية ضد جميع الأقليات بين عامي 2014 و2018، عقب فوز حزب بهاراتيا جاناتا المتطرف في الانتخابات.

ويقول الباحث السياسي المقيم في نيودلهي "عاصم علي" إن الصمت الرسمي إزاء الاعتداءات والخطاب الطائفي يشجع الجماعات الهندوسية المتطرفة، وهجماتها "الأكثر جرأة" منذ صعود حزب بهاراتيا جاناتا إلى السلطة.

ونقلت عنه شبكة "سي إن إن" الأميركية 2 أغسطس 2023 تساؤله عن سر حدوث هذه الزيادة في جرائم الكراهية والاعتداء على المسلمين والأقليات قبل قمة مجموعة العشرين وكيف سيتعامل العالم مع ذلك؟

وسبق أن قررت عدة دول عدم إرسال وفودها لحضور اجتماع قمة العشرين في جامو وكشمير المحتلة، منها إندونيسيا والصين احتجاجا على سياسات الهند وفرض أمر واقع في كشمير.

وهو ما أثار تساؤلات وفتح نقاشا عالميا حول شرعية التصرف الهندي، وتهديد ذلك لجدول أعمال القمة، وأثار علامات استفهام أكبر عن سر صمت دول العشرين عن هذا العنف المتصاعد الهندوسي الشرس ضد المسلمين والمسيحيين لتهجيرهم.

وهل يمكن أن تنسحب الدول الإسلامية الثلاث الأعضاء في قمة العشرين من القمة احتجاجا على أعمال العنف المتعمدة ضد المسلمين، ونقل رسالة احتجاج للهند أم أن المصالح الاقتصادية والسياسية ستتغلب على ذلك؟

وقد نبه النائب في حزب "المؤتمر" المعارض الرئيس في الهند، جيرام راميش، دول قمة العشرين إلى أن ما فعلته مليشيا الحزب الهندوسي الحاكم ضد المسلمين والمسيحيين في الأسبوع الأخير من يوليو والأول من أغسطس 2023 كان "جريمة قتل بدم بارد".

قال إنها "نتجت عن مشهد إعلامي وسياسي تحريضي ضد المسلمين يتطلب تدخل هذه الدول"، وفق شبكة "سي إن إن" الأميركية 2 أغسطس 2023.

حذر من أن صورة الهند التي يرغب مودي وحزبه بهاراتيا جاناتا (BJP) في إظهارها كقوة عظمى حديثة، ستكون صورة تثير علامات استفهام عندما يجتمع قادة مجموعة العشرين في نيودلهي سبتمبر/أيلول 2023.

أيضا اتهم راهول غاندي، زعيم حزب "المؤتمر" الهندي الحاكم سابقا، وحفيد رئيسة الوزراء السابقة أنديرا غاندي، رئيس الوزراء ناريندرا مودي بالخيانة، لأنه يقتل مفهوم "الهند الأم" التي تستوعب مختلف أبنائها.

تحريض على العنف

قال، تعليقا على أعمال العنف ضد المسلمين والمسيحيين برعاية غوغاء الحزب الحاكم قبل قمة العشرين، إن "مودي" يحرض هو وحزبه على هذا العنف الديني والعرقي، بحسب صحيفة "التايمز" البريطانية 10 أغسطس 2023.

وجاءت اتهامات غاندي، المنافس الأبرز لمودي في انتخابات العام المقبل، في خطاب ألقاه بمناسبة عودته إلى البرلمان بعد تجميد قرار إدانته بتهمة التشهير، وفي ظل اتحاد أحزاب المعارضة الهندية ضد "مودي" استعدادا للانتخابات المقبلة.

غاندي دعا لسحب الثقة من الحكومة بسبب طريقة تعاملها مع أعمال العنف ومنها هجمات الغوغاء الهندوس على مسيحيين في شمال شرق ولاية مانيبور النائية، ومقتل نحو 152 شخصاً، ومشاهد اغتصاب جماعي لنساء مسيحيات.

وقال لـ "مودي": "هلا رأيتم قتل الناس في مانيبور، أنتم قتلة الهند الأم"، "أنتم خونة، ولستم وطنيين، لقد أشعلتم نار الفتنة في مانيبور"، مذكرا بجرائم مودي في عام 2002 أثناء توليه رئاسة وزراء ولاية غوجارات، حين تعرض مسلمو الولاية لمذبحة قُتل فيها ما لا يقل عن ألف شخص.

وفسر محللون وصحف غربية سر الحفاوة الأميركية بـ "مودي" خلال زيارته إلى واشنطن يونيو/حزيران 2023 برغبة الأخيرة وأوروبا أن تدفع الهند للاصطفاف معها والوقوف معا، ضد الصين في جنوب شرق أسيا ومحاصرة نفوذها.

وفيما انتقد محللون غربيون وهنود، عدم وقوف الدول الغربية،، خاصة الولايات المتحدة، بقوة في وجه ممارسات رئيس الوزراء الهندي العنصرية ضد المسلمين والمسيحيين، فسر آخرون السبب بـ "المصالح".

أكدوا أن حاجة أميركا والغرب للهند كي تقف معها في وجه المخططات الصينية في المنطقة الآسيوية، وراء هذه "الطبطبة" على "مودي" والتغاضي عن جرائمه.

أوضحوا أن "مودي" يريد بالمقابل أن يكون الثمن هو تغاضي البيت الأبيض عن قمع الهندوس للمسلمين وحتى المسيحيين وحرق مساجدهم وكنائسهم، وكف الخارجية الأميركية عن وضع الهند في عداد الدول التي تقمع الحريات والديمقراطية.

وانتقدت مجلة "إيكونوميست" البريطانية في 15 يونيو 2023 العلاقة بين مودي وبايدن رغم دعم الهند لروسيا ضد أوكرانيا.

وأيضا في ظل انتهاك "مودي" للديمقراطية وحقوق الإنسان واضطهاد المسلمين والمسيحيين، مؤكدا أن "علاقات البلدين تقوم على المصالح لا المبادئ".

قالت إن هجمات مودي على المعايير الليبرالية الغربية وتحويله الهند إلى دولة معادية بشكل متزايد لأكثر من 200 مليون مسلم من شعبها وتجريد المسلمين من ممتلكاتهم وقمع الصحافة وتطويع القضاء، لا يهم واشنطن التي تريد أن تصطف معها نيودلهي ضد بكين وفقط.

أيضا انتقدت صحيفة "بولتيكو" الأميركية في 20 يونيو 2023 الحفاوة بـ "مودي" في أميركا وإعطاء إدارة بايدن الأولوية للجغرافيا السياسية التقليدية على حقوق الإنسان.

وحرص على تذكير إدارة بايدن أن "مودي" الذي يقود أكبر ديمقراطية في العالم، يحكم الهند بصفته "قوميا هندوسيا ذا ميول استبدادية تنفذ حكومته حملة قمع ضد الجميع من الصحفيين إلى قادة المعارضة السياسية، وتستهدف المسلمين الهنود".