محاكمات وإعدامات.. ماذا وراء زيادة شبكات "التجسس" الغربية في إيران؟

لا يكاد يمرّ شهر من دون أن تعلن السلطات الإيرانية اعتقال "شبكة جواسيس" على أراضيها تعمل لصالح العديد من الدول الغربية، التي تخوض طهران صراعا سياسيا معها منذ انسحاب الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018.
إعلان طهران المتكرر عن اعتقال شبكات على أراضيها، أثار تساؤلات عدة، فيما إذا كان التجسس أصبح بالفعل ظاهرة تنشط في إيران بكثرة، أم أن نظام ولاية الفقيه يبالغ في الأمير ويحاول استغلاله سياسيا في معركته مع الغرب، واستهداف معارضيه في الداخل.
محاكمات وإعدامات
ولعل آخر ما أعلنت عنه السلطات الإيرانية، كان اعتقال ما قالت إنها شبكة منظمة مرتبطة بمجموعات "معادية للثورة" و"جواسيس فرنسيين" كانوا يخططون لإحداث الفوضى، حسبما نشرت وكالة فارس شبه الرسمية في 30 أبريل/ نيسان 2023.
وأضافت الوكالة نقلا عن مصادر مطلعة (لم تكشف هويتها) أن المعتقلين، الذين لم تحدد عددهم، كان قد أفرج عنهم خلال فبراير/شباط 2023 خلال عفو عام أصدره المرشد الإيراني علي خامنئي.
وفي يناير/كانون الثاني 2023، أكدت الوكالة الإيرانية ذاتها أن السلطات الأمنية في البلاد اعتقلت وأعدمت عددا من الشخصيات أدينت بالتخابر والتجسس لصالح دول غربية، مشيرة إلى أبرز سبعة أسماء أدينت في هذا الصدد.
ومن بين الشخصيات السبع، واحد فقط جرى الإفراج عنه، هو الصحفي الإيراني الحامل للجنسية الأميركية جيسون رضائيان، والذي عمل سابقا مديرا لمكتب صحيفة "واشنطن بوست" في طهران.
واتهم رضائيان باختراق بعض المؤسسات بهدف الحصول على معلومات مهمة حول برنامج إيران النووي وطرق الالتفاف على العقوبات، ليعتقل في 2014، قبل أن يخرج بعد 18 شهرا فقط في صفقة تبادل سجناء بين واشنطن وطهران.
ومن بين السبعة، لا يزال متهم واحد في السجن، هو عبد الرسول دري أصفهاني الذي ارتبط اسمه بخطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي)، والذي لم تصدر أخبار حول الحكم عليه، منذ اعتقاله في 2016.
وكان لدى أصفهاني تاريخ من العمل في الشركات العامة والخاصة، ووصل إلى أعلى مستويات فريق التفاوض الإيراني الحكومي، وأصبح ممثلا للبنك المركزي في مفاوضات الاتفاق النووي. وحصل على شارة الخدمة من الدرجة الثالثة من رئيس الجمهورية آنذاك.
أما الشخصيات الخمسة الأخرى التي أوردت "فارس" أسماءها، فجرى تنفيذ حكم الإعدام بهم جميعا، ومن ضمنهم علي رضا أكبري مساعد وزير الدفاع الإيراني الأسبق الذي أعدم في يناير 2023.
ومن بين الأسماء الخمسة، الخبير في مجال الإلكترونيات علي أشتري، الذي اعتقل عام 2008 بتهمة التجسس لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وأعدم في العام ذاته.
وكذلك شملت القائمة التي نشرتها وكالة "فارس"، شهرام أميري الباحث المختص في الإشعاع الطبي بجامعة "مالك الأشتر" التكنولوجية التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية.
وبرغم عودته طوعا إلى طهران قادما من الولايات المتحدة عام 2010، عقب اتهامات للمخابرات السعودية بخطفه أثناء تأديته مناسك الحج، وتسليمه لواشنطن، فإن الحكومة الإيرانية أعدمته في 2016.
وتعد قصة شهرام أميري من أكثر القصص غموضا، إذ أشيع أنه متخابر مع الولايات المتحدة، إلا أنه نفى ذلك وعاد لطهران، واستقبل بحفاوة من الحكومة، لكنه اعتقل بعد شهور وأعدم بتهمة إفشاء معلومات عن برنامج إيران النووي.
ومن ضمن قائمة الجواسيس، جلال حاجي زوار، الموظف السابق في المنظمة الجوفضائية التابعة لوزارة الدفاع، إذ قبض عليه في 2017 مع زوجته السابقة، بتهمة التجسس لصالح الحكومة الأميركية، وأعدم عام 2019.
ومن بين الأسماء أيضا، محمد موسوي مجد، الذي أدين بكشف معلومات عن فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني لصالح الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، وأعدم في العام 2020.
وفي 22 ديسمبر/ كانون الأول 2022 أعلنت إيران، القبض على 4 فرق تعمل لصالح "الموساد" (جهاز الاستخبارات الإسرائيلي)، كانت تحضّر لـ"عمل إرهابي" خلال التظاهرات التي اندلعت بالبلاد في 19 من الشهر ذاته جراء وفاة الشابة الكردية، مهسا أميني، بعد تعرضها للضرب على يد "شرطة الآداب" بحجة عدم التزامها بالزي المحتشم.
ثبوت التهمة
ربما يؤكد رواية النظام عن بعض الجواسيس، تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" كشفت فيه أن "علي رضا أكبري، الذي أعدمته طهران مطلع العام 2023 بتهمة التجسس، كان قد سرب معلومات عن موقع فردو النووي الإيراني إلى بريطانيا".
وأضافت الصحيفة خلال تقرير لها في 1 مايو 2023، تحت عنوان: "مسؤول رفيع وجاسوس بريطاني.. حياة مزدوجة انتهت بحبل المشنقة"، أن "إيران كشفت تجسس هذا الشخص لصالح المملكة المتحدة، بمساعدة من روسيا".
وبينت أن بريطانيا أبلغت تل أبيب منذ ربيع عام 2008، بـ"جاسوس بريطاني يتمتع بإمكانية وصول عالية المستوى إلى الأسرار النووية والعسكرية للبلاد".
وأشارت إلى أن هذا الجاسوس قدم معلومات استخباراتية قيمة لسنوات من شأنها أن تكون حاسمة في إزالة أي شك في العواصم الغربية بأن إيران تسعى للحصول على أسلحة نووية، وفي إقناع العالم بفرض عقوبات شاملة ضد طهران، كما أقنع الصين وروسيا بعدم شفافية البرنامج النووي الإيراني.
وكان علي رضا أكبري أحد قادة الحرس الثوري الإيراني، وترقى إلى منصب نائب وزير الدفاع، وتقلد مناصب استشارية في مجلس الأمن القومي والهيئات الحكومية الأخرى.
وفي 30 ديسمبر 2022 نشرت وكالة "رويترز" البريطانية تقريرا يتحدث عن ستة إيرانيين قضوا أحكاما بالسجن بعد أن كشف الأمن الإيراني صلاتهم في المخابرات الأميركية، إذ اشتكى هؤلاء من أن وكالة "سي آي إيه" الاستخبارية الأميركية تخلت عنهم ولم تهتم بمصيرهم.
ووفقا للتقرير، زُج بهؤلاء في السجن في إطار حملة مكافحة تجسس شرسة بدأتها إيران عام 2009، وهي حملة أفادت تقارير إخبارية وثلاثة من مسؤولي الأمن القومي الأميركي السابقين بأنها جاءت نتيجة مجموعة من أخطاء "سي.آي.إيه" إلى جانب أسباب أخرى.
وقالت طهران في تقارير لوسائل إعلام رسمية إنها تمكنت في نهاية المطاف من الإيقاع بعشرات من عملاء "سي.آي.إيه" بعد تحريات مضنية، بحسب "رويترز".
وكان غلام رضا حسيني الوحيد من بين الستة أشخاص الذين قابلتهم "رويترز" وقال إنه جرى تكليفه باستخدام وسيلة تراسل عرضة للاختراق.
وربما كشف 20 من الجواسيس الإيرانيين الآخرين على الأقل، بل قد يكون مئات العملاء الآخرين في بلدان أخرى حول العالم، وفق قوله.
وقضى الإيرانيون الستة أحكاما بالسجن تتراوح بين خمس إلى عشر سنوات، وبقي أربعة، من بينهم حسيني، في إيران بعد إطلاق سراحهم وظلوا عرضة للاعتقال من جديد، فيما فر اثنان من البلاد وأصبحا لاجئين.
واعترف الستة أشخاص بأن مسؤولي "سي.آي.إيه" لم يقدموا لهم وعودا مؤكدة قط بالمساعدة إذا أُلقي القبض عليهم. ومع ذلك، اعتقدوا جميعا أن المساعدة الأميركية ستأتي يوما ما.
ويمكن أن تشكل عمليات كشف الجواسيس تحديا لمصداقية "سي.آي.إيه" وهي تسعى لإعادة بناء شبكة تجسس في إيران، إذ قال حسيني لرويترز "إنها وصمة عار على جبين الحكومة الأميركية".
وبحسب رويترز، رفضت المتحدثة باسم "سي.آي.إيه" تامي كوبرمان ثورب التعليق على كلام حسيني أو قضايا إيرانيين معتقلين أو أي جانب من جوانب طريقة إدارة الوكالة للعمليات. لكنها قالت إنها لن تعبث أبدا بحياة من يساعدونها.
النموذج الروسي
وفي المقابل، قال موقع "المشارق" التابع للقيادة المركزية الأميركية خلال تقرير نشره في 20 أبريل 2023، إن "إيران شهدت على مر السنين عمليات اعتقال وسجن عدد من الرعايا الأجانب وذوي الجنسية المزدوجة، وكما هو الحال في روسيا، اتهم العديد منهم بالتجسس".
وبحسب الموقع، فإن "أوجه الشبه بين أساليب الاعتقال والاستجواب والاعترافات القسرية والتعذيب، تشير إلى أن إيران تقلد روسيا السوفيتية وأيضا موسكو الحديثة في ملاحقة المعارضين".
ونقل التقرير عن أستاذ العلوم السياسة مقيم في إيران (لم تكشف هويته) أن "الطرق المتشابهة التي تعتمدها إيران وروسيا لسجن واتهام من تخشاهم، تعكس طريقة إدارة الديكتاتوريات المتحالفة المنعزلة بلدانها".
وأشار إلى أنه "في بعض الحالات، تفوقت طهران على موسكو في طريقة تعاملها مع السجناء من مزدوجي الجنسية، لكن أفكار القمع العامة متشابهة بشكل واضح".
وفي السياق ذاته، قال موقع "ميدل ايست أونلاين" البريطاني إن "طهران تستغل حوادث القبض على الجواسيس المزعومين لتبرير موقفها من أنها تتعرض لاستهداف دائم من الغرب خاصة الولايات المتحدة الأميركية".
ولفت خلال تقرير نشره في 27 أغسطس/ آب 2019 إلى أن إيران تستعمل حوادث اعتقال أشخاص مزدوجي الجنسية ورقة ضغط فيما يتعلق بالتوتر مع الغرب بعد خرقها للاتفاق النووي لسنة 2015.
وبين أن "إيران تمارس انتهاكات ضد الناشطين والباحثين بحجة تورطهم في التجسس لكن تلك التهم لم تثبت صحتها".
وتابع: دائما ما توجه إيران تهم التجسس والعمالة لمواطنيها في محاكمات تعرف انتقادات كبيرة من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية في غياب أبسط مقومات شروط المحاكمة العادلة.
وأشار إلى أن القبض على إيرانيين وأجانب متهمين بالتجسس زاد منذ أن قال الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي عام 2018 إنه كان هناك "تسلل" من عملاء غربيين.
ولا توجد أرقام دقيقة لأعداد المعتقلين في إيران بتهمة التجسس لصالح دول غربية، لكنها ربما تتجاوز المئات وفقا للبيانات التي تنشرها السلطات الإيرانية بين الحين والآخر عن اعتقال شخصيات وشبكات وفرق خاصة تعمل لجهات خارجية.
المصادر
- "نيويورك تايمز": نائب وزير الدفاع الإيراني الأسبق سرّب معلومات موقع فوردو النووي لبريطانيا
- إيران تكشف عن أبرز 7 جواسيس اعتقلتهم.. 5 منهم تم إعدامهم
- إيران: القبض على جواسيس يعملون لصالح "الموساد" الإسرائيلي
- إيران تعلن اعتقال أعضاء شبكة مرتبطة بـ"جواسيس" فرنسيين معتقلين
- جواسيس إيرانيون تخلت عنهم أمريكا يكشفون كيف خذلتهم (سي.آي.إيه)
- التجسس لصالح إسرائيل تهم إيران الجاهزة بحق مواطنين
- إيران تستنسخ الأسلوب الروسي في توجيه تهم ʼالتجسسʻ لاستهداف الأجانب والمعارضين