"لا يأكلون لحما منذ 5 سنوات".. صحيفة إسبانية تحذر من تفشي الجوع في سوريا

سلطت صحيفة الباييس الإسبانية الضوء على الذكرى الثانية عشرة للحرب في سوريا، موضحة أنه رغم تراجع أعمال العنف والقصف بمناطق المعارضة بالشمال، إلا أنها مازالت تشهد ظروفا في غاية القسوة.
إذ أصبح السكان يعانون من الجوع بشكل متزايد وأصبحوا أكثر فقرا مما كانوا عليه في أصعب لحظات الحرب، بينما تبدو التوقعات لعام 2023 أسوأ بكثير بسبب الزلزال المدمر الذي شهدته المنطقة في 6 فبراير/ شباط من العام نفسه.
شعب منسي
وقالت الصحيفة إن بنجامين فلوريث، مستشار برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في دمشق، يؤكد أن "الأشخاص الذين أصبحوا على مقربة من انعدام الأمن الغذائي في سوريا يتزايدون بسرعة أكبر".
وبحسب المؤسسة، يعاني أكثر من 12 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي، أي أكثر من نصف السكان. لكن، قد يرتفع هذا الرقم، ويحقق زيادة بحوالي ثلاثة ملايين شخص آخر خلال سنة 2023.
خاصة جراء الزلزال الذي عاشته البلاد في فبراير، والذي أثر على بعض الفئات الأكثر ضعفا وكذلك على المناطق الزراعية المهمة.
ويحذر فلوريث من أن هذه الفئة التي هي على حافة انعدام الأمن الغذائي، وأبسط كارثة قادرة على إسقاطها في هذه الآفة.
ويأسف لكون هذه الفئة منسية، نظرا لأن الأولوية تعطى لأولئك الذين يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي.
ويقدم برنامج الغذاء العالمي مساعدات لحوالي نصف الأشخاص الذين يعانون من المجاعة، والذين يزيد عددهم عن 12 مليون.
لكن بسبب نقص التمويل، اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص حجم سلات المنتجات الأساسية التي يوزعها شهريا على 5.5 ملايين سوري.
ويشير المسؤول إلى أن المساعدات الغذائية تتضمن العدس، وهو بروتين نباتي، لكن يجب على المواطنين شراء بروتينات أخرى في سوق ارتفعت فيه الأسعار بشكل كبير على مدار السنوات الثلاث الماضية.
ويقول فلوريث: "أخبرتني إحدى الأمهات أنها لم تتمكن من شراء اللحوم لمدة خمس سنوات"، موضحا أن هذه النسب المرتفعة من سوء تغذية الأطفال والأمهات لم تسجّل أبدا في السابق بسوريا، حيث وصلت إلى 25 بالمئة في بعض مناطق البلاد.
ونقل ضاهر زيدان، المدير التنفيذي لاتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية في تركيا، لهذه الصحيفة، أن "الوضع مقلق بشكل خاص في شمال غرب سوريا، حيث يتركز 4.5 ملايين شخص، بما في ذلك ما يقرب من ثلاثة ملايين نازح داخلي".
في الأثناء، سجلت المنظمات غير الحكومية الأعضاء في هذا الاتحاد، العاملة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، زيادة في حالات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة والأمهات الحوامل والمرضعات.
ويعلق زيدان: "نعمل على توعية الأمهات حول تغذيتهن وتغذية أطفالهن، بالإضافة إلى تقديم المكملات الغذائية وأنواع أخرى من العلاجات".
بحسب فلوريث، على الرغم من أن الأزمة في العاصمة دمشق ليست حادة، إلا أن الجوع لا يميز بين المناطق الخاضعة لحكومة بشار الأسد وتلك التي لا تزال خارجة عن سيطرته.
ويشير إلى أن "السوريين، الذين حاورهم، هم أكثر قلقا بشأن الأزمة الاقتصادية، وتوفير الطعام على مائدة الطعام يوميا وتلبية احتياجاتهم على مدار الشهر، أكثر من قلقهم بشأن النزاع".
أزمات متوالية
ويقول مستشار برنامج الأغذية العالمي إن "الصراع لم يولّد الجوع. عندما أثّر النزاع على البلد بأسره، لم يكن الناس يعانون من الجوع بهذه الدرجة، ولكنه كان السبب الرئيس وراء توالي الأزمات".
وأشار إلى أن سنوات الحرب الأهلية، والأزمة الاقتصادية في لبنان، ووباء كورونا، والحرب في أوكرانيا؛ كانت جميعها أسبابا لتستقر المجاعة في سوريا.
في 2022 وحده، وبسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، تضاعفت أسعار المواد الغذائية في سوريا.
ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي، في نفس الوقت الذي تفقد فيه العملة المحلية المزيد والمزيد من القيمة ويفقد فيها المواطن المزيد من القدرة الشرائية.
يشير فلوريث إلى أن متوسط الراتب في سوريا لا يغطي سوى ربع مصاريف العائلة المكونة من حوالي خمسة أفراد، وإذا تمت إضافة لحم الدجاج إلى سلة التسوق، يتلاشى راتب المعلم بالكامل.
وعن الزلزال، قالت الصحيفة الإسبانية إنه لن يؤدي إلا إلى تفاقم هذا الوضع المأساوي.
وتشير التقييمات الأولى للأضرار إلى أن إنتاج الغذاء "سيتأثر بشكل خطير"، كما أشارت مجموعة الأمن الغذائي التابعة لبرنامج الأغذية العالمي في تقريرها الأخير إلى تضرر المنازل والمزارع، بما في ذلك أنظمة الري، حيث جرى استخدام الآلات الزراعية والوقود في جهود الإنقاذ.
في هذا السياق، صرّح كبير المستشارين الفنيين لسوريا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، ألفريدو إمبيجليا، أن "الزلزال سيزيد من معدل انعدام الأمن الغذائي، خاصة في المحافظات التي تضررت من الزلزال، حيث يوجد حوالي 50 ألف هكتار من الحقول المزروعة".
وأضاف: "سيكون هناك تداعيات فورية على محصول القمح القادم لأن السكان يولون أهمية للحالات الطارئة ولمساعدة الأقارب وإعادة بناء منازلهم، بحيث لم يعد لديهم المال للاستثمار في المبيدات أو الوقود للجرارات".
بلد مدمر
ويقول المسؤول، الذي يعرف سوريا منذ التسعينات، إن "البلد مدمر، لقد تحول من دولة مكتفية ذاتيا وتصدر جزءا من إنتاجها الزراعي، إلى كونه أحد الدول الست التي تعاني من أكبر انعدام للأمن الغذائي في العالم، مع اعتماد قوي على الواردات".
وأوضح خبير الفاو أن الأراضي التي كانت في العصور القديمة جزءا من الهلال الخصيب لبلاد الشام، أنتجت ما يزيد قليلا عن مليون طن من القمح سنة 2022، مقارنة بحوالي أربعة ملايين قبل الصراع.
من جانب آخر، تحالفت العوامل المناخية أيضا ضد السوريين؛ حيث إنه بعد سنوات من الجفاف، تراجع الإنتاج الزراعي السوري.
ولحقت الأضرار أيضا بالبنية التحتية والآلات الزراعية، والتي غالبا ما تم إيقاف تشغيلها بسبب نقص الوقود. كما كانت البذور والأسمدة شحيحة أو ذات جودة أقل بسبب الصراع.
ويوضح المسؤول: "هناك العديد من العوامل التي ساهمت في انخفاض الإنتاجية، بما في ذلك انخفاض قيمة العملة المحلية والعقوبات الأوروبية والأميركية التي حدت من الاستيراد، ليس فقط للمبيدات، بل وحتى البذور".
ونقلت الصحيفة عن الباحث السوري محسن مصطفى، أنه "لا يمكن تجاهل العامل السياسي في صراع مثل الصراع في سوريا، حيث عاقب الرئيس بشار الأسد جميع السكان المعارضين له على مدار 12 سنة".
ويضيف: "على وجه التحديد، كان سكان المناطق الريفية والمزارعون جهات مهمة في تحفيز الثورة، على عكس المناطق الموالية للحكومة".
كما أن "العديد من المواطنين نزحوا بسبب قمع النظام والهجمات البرية والجوية العشوائية على بلداتهم، بما في ذلك الأراضي الزراعية"، التي تعد مورد رزق لحوالي نصف السكان.